الإسلاموفوبيا والإسلاموية: صِدام الجَهَالات

منتصر حمادة

على هامش التفاعلات الأوربية والعربية التي تلت الأحداث الأخيرة في فرنسا وأوروبا عمومًا، لوحظ ارتفاع وتيرة الخطاب اليميني الأوروبي إلى درجة إفساح بعض المنابر الإعلامية العمومية والخاصة في الساحة الفرنسية، مساحة معتبرة لأصوات محسوبة على اليمين، بما فيها اليمين العنصري، مقابل تراجع أصوات التعقل والحكمة في حقبة لا تحتمل المزيد من الاحتقان.

في المقابل، لاحظنا نفس المعضلة في الساحة العربية والإقليمية عمومًا، مع ارتفاع أصوات دينية تغذي الاحتقان، كما لو أننا نعيد أجواء الخطاب الصدامي الذي اشتغل عليه صامويل هنتنجتون في “صدام الحضارات”، وزاد المشهد سوداوية، مع دخول بعض صانعي القرار في المنطقة، بتفاعلات تغذي الاحتقان، وتشوش على ما يعج به خيال شعوب المنطقة، أقلها ما صدر عن الرئيس التركي رجب طيب أوردوغان.

لا يمكن فصل هذا الاحتقان عن عدة تحولات مرت بها الساحة الأوربية خلال العقود الأخيرة، منها ما يتعلق بالنمو الديمغرافي للجاليات المسلمة، وفشل السياسات الحكومية في إدماج هذه الجاليات، بالإضافة إلى تغلغل وانتشار الخطاب الإسلامي الحركي لدى هذه الجاليات.

يمكننا رصد هذا التحول في النظر إلى إشكالات الجالية المسلمة في القارة العجوز، من خلال ملاحظة  التحول اللافت في عناوين المنابر الإعلامية والمراكز البحثية الغربية إزاء التعامل مع القضايا المرتبطة بالجاليات المسلمة، فبدلاً من تصدر عناوين فرضت نفسها من قبل مثل الحديث عن “مشكلات المهاجرين العرب والمسلمين”، “أزمة الأجانب العرب”، “معضلة إدماج أبناء الجاليات المغاربية”.. إلخ، نحو عناوين تحيل إلى “التطرف العنيف” أو العنف الإسلامي وغيرها من العناوين التي لا تخرج عن الإحالة الصريحة على الدين [الإسلام] والتديّن [الإسلاموية].

بموازاة ذلك، عايَنّا ارتفاع أسهم ظاهرة الإسلاموفوبيا، على الرغم من أن الظاهرة شهدت بدايات متواضعة في التناول والمتابعة، خاصة في أعقاب اعتداءات نيويورك وواشنطن، المعروفة بأحداث 11 سبتمبر/ أيلول.

هذه التحولات المجتمعية التي تطال حضور الإسلام والمسلمين في أوروبا الغربية، تضع أيدينا على تنامي ظاهرتين غير منفصمتين إزاء الوجود الإسلامي في أوروبا،  الإسلاموية (أو الإسلام الحركي) من جهة، وظاهرة الإسلاموفوبيا (أو الخوف من الإسلام) من جهة ثانية، وهي ظواهر غير منفصلة، يمكن رصد عدد من القواسم المشتركة التي تجمع بينهما.

فهناك أولاً قاسم النهل من عقل اختزالي، يختزل الواقع في ثنائية الأبيض والأسود، وفق جهاز مفاهيمي ضيق الأفق والنظر، على غرار ما عاينا منذ عقدين تقريبًا مع ثنائية “أنتم معنا أو مع الإرهاب” بتعبير جورج بوش الابن، أو ثنائية “فسطاط الإيمان وفسطاط الكفر” بتعبير أسامة بن لادن، وهو ما عبر عنه الراحل إدوارد سعيد بـ”صدام الجهالات”.

ما هو مؤكد في الحالة الأوروبية، أننا ما زلنا نعيش بعض تطبيقات “صدام الجهالات” مع تيارين اثنين بالتحديد: التيار الإسلاموفوبي، أي التيار الأوروبي الذي يُعادي الإسلام والمسلمين، والتيار الإسلاموي، أي مختلف الحركات الإسلامية، الدعوية والسياسية والقتالية، لأنهما ينهلان من عقل اختزالي في التعامل مع قضايا الإسلام والمسلمين هناك، فالإسلاموية ما زالت مؤمنة هناك بخيار “اختطاف الدين”، وما زال كثيرون من أتباعها، وخاصة أتباع المرجعية الإخوانية، يمارسون التقية في مؤسسات الدولة ومنظمات المجتمع المدني؛ أما الإسلاموفوبيا، فما زالت تتعامل مع المسلمين كافة كأنهم كتلة واحدة، لا فرق فيها بين المسلم والإسلامي، بين المسلم الذي يبحث عن الكرامة والعدل والعيش الكريم، وبين الإسلامي الذي همه “دولة الخلافة” أو “تطبيق الشريعة” أو “تطبيق الحدود”، وطالما انتقد الراحل محمد أركون هذه الرؤية الاستشراقية السائدة في التعامل مع المسلمين هنا وهناك.

أما القاسم المشترك الثاني بين الظاهرتين، فهو  الارتكاز والإيمان على فكرة المؤامرة، فإذا افترضنا أن لدينا جهازًا لقياس مؤشر المؤامرة، على غرار مقياس “ريختر” لقياس درجة الزلزال الأرض، سوف نجد أن مؤشر المؤامرة عند العقل الإسلاموفوبي والعقل الإسلاموي مرتفع بقدر لا يُضاهَى مقارنة مع مؤشر المؤامرة عند عموم المسلمين غير المنتمين إلى الإسلام الحركي، أو الأوروبيين غير اليمنيين.

ولنا الآن أن نستحضر تبعات هذا الفارق في تفاعل المسلم أو الإسلاموي من جهة، والأوروبي والإسلاموفوبي من جهة ثانية، مع قضايا الساحة، وخاصة القضايا المرتبطة بالدين والسياسة والاجتماع، ومنها كتاب صدر في فرنسا بعنوان “الإسلام وغزو الغرب: كشف الإستراتيجية”، يُؤسّس مؤلفه، الكاتب والسياسي جان فرانسوا بواسون، على فرضية مفادها أن العالم الإسلامي مصاب بهوس غزو الغرب، وأن الدول الإسلامية جميعًا متحالفة ومتفقة على هذه الإستراتيجية، انطلاقًا من وثيقة صادرة عن منظمة “الإيسيسكو”، ومؤرخة في عام 2000 حول العمل الثقافي الإسلامي.

يمكننا أن نلاحظ شكلاً من أشكال التغذية المتبادلة بين الخطابين الإسلاموفوبي من ناحية، والإسلاموي من ناحية أخرى، وهو ما تؤكده التحولات التي جعلت الإعلام الأوروبي ينتقل من الحديث عن “مشكلات العرب والمهاجرين” نحو “مشكلات الإسلام والإسلاموية”.

توجد مجموعة مُحددات أوروبية (سياسية واجتماعية واقتصادية على الخصوص) عملت على تغذية ظاهرة الإسلاموفوبية في أوروبا، بالإضافة إلى عوامل وقَف “الإسلام الحركي” وراءها دون سواه، أفضت في مجملها إلى تغذية ظاهرة الإسلاموفوبيا من خلال بعض  القلاقل التي لم نكن نُعاينها مع الجيل الأول والجيل الثاني للمسلمين المهاجرين إلى أوروبا الغربية، ولكن مع أولى محطات الحضور الإسلامي الحركي، أصبح المواطن الأوروبي يُعاين فجأة قضايا وأزمات كنا في غنى عنها جميعًا، وجاءت ذروتها مع الاعتداءات التي طالت العديد من الدول الأوروبية باسم الإسلام، بحسب ما روجته وسائل الإعلام، مع أنها اعتداءات صادرة عن الإسلاموية في نسختها القتالية أو “الجهادية”، وآخرها الاعتداءات التي جرت في فرنسا في أكتوبر/ تشرين الأول الماضي.

يساهم الخطاب الإعلامي اليميني في استبعاد خطاب التعايش والمشترك الإنساني، رغم أن واقع الساحة، كما هي الحال في فرنسا على سبيل المثال لا الحصر، يُفيد أن ما بين 6 و7 ملايين مسلم، مندمجون، وغير معنيين بقضايا التطرف الديني أو تطرف اليمين الفرنسي، ولكن ما مرت به الساحة هناك خلال الأسابيع الأخيرة، يُفيد أن ثمة قلاقل نظرية وميدانية قادمة، تتطلب الاشتغال الجماعي والمسؤول على التصدي لها قبل فوات الأوان، ونذكر منها نقطتين:

  1. الجهل المتبادل بين النخب الثقافية على الساحتين، وهو ما يستوجب إعادة النظر في “رؤية الآخر”، وهذه مهمة أهل النظر في الفكر والدين والفن وبقية المجالات الإبداعية.
  2. غياب خطاب النقد الذاتي من جهة، وغياب خطاب “النقد المزدوج”: فمن نتائج تواضع النقد الذاتي، تكريس شيطنة الآخر، وتبرئة الذات، في حين أن المسؤوليات مشتركة في تدبير هذه الأزمات. ومن نتائج تواضع النقد المزدوج، الاقتصار على نقد الآخر، كما لو أنه المسؤول الوحيد عما وصلنا إليه، وعما هو قادم من تحديات، بسبب تراكم أخطاء ارتُكِبت طيلة عقود مضت. عقلاء الساحة، مطالبون أكثر من أي وقت مضى بالتدخل من أجل تخفيف حدة الاحتقان، خدمةً للمشترك الإنساني الذي يفيد الجميع.
Share on facebook
Facebook
Share on twitter
Twitter

Start typing and press Enter to search

Visit Us On FacebookVisit Us On TwitterVisit Us On Instagram