الإسلام والفكر النسويّ الغربيّ المعاصر (2)

أ.د/ أسامة نبيل

المشرف العام الأسبق لمرصد الأزهر

سبق وتحدثنا عن زعم أتباع التيار الإسلام التقدمي المزعوم أنّ من حق المرأة إمامة الصلاة للرجال استنادًا إلى حديث “أم ورقة”، وهو كما قلنا حديث ضعّفه البعض وصحّحه البعض. والمشكلة أن أصحاب هذا الرأي مصممون على تحصينه تارةً بأدلة لغوية غير صائبة، وتارة بعرض افتراضات دون دليل، وتارة بتوجيه الاتهامات الباطلة لعلماء المسلمين، وتارة بإخراج الموضوع من دائرة الدين!

دعوني أقرأ عليكم بعض هذه الادعاءات قبل الرد عليها:

“يمكننا أيضًا أن نطرح سؤالًا حول المصطلح المستخدم لمعنى “البيت”: الكلمة العربية “دار” متعددة المعاني، والتي تعني “بيت”، كما تعني أيضًا “إقليمًا” أو” منطقة” أو حتى “حيًّا”. فما الذي يمنعنا من التفكير في أن “أم ورقة” لم يُؤذن لها بإمامة كل حيِّها في الصلاة ومن ثم رجال الحي؟. حقيقة أن النبي جعل لها مؤذنًا، وهذا يدل على أن التجمع كان كبيرًا بما فيه الكفاية من الرجال والنساء، لذا وجب أن يكون حضور الكل حتميًّا وضروريًّا. ولا تبرر الصلاة في بيئة حميمة وعائلية وجود مؤذن يكلف خصيصًا لهذه المهمة على وجه التحديد، لذلك يكفي تفسير هذا الحديث بروح من التقدم الاجتماعي لتبرير شرعية إمامة المرأة من خلال توسيعه ليشمل أي نوع من أنواع التجمع.

بطبيعة الحال، من المناسب تمامًا أن نتساءل عن أصالة وصحة هذه العادة. لا يوجد دليل يدعم صدق الحقائق، ولكن لا يهم. وكما هو الحال في الديانات الأخرى؛ فإن النقاشات حول صحة القصص والمذاهب والتفسيرات ليست نادرة. ومع ذلك، مطالب نسوية حازمة من مسلمي هذا الوقت الذين يعيشون في مجتمع ذكوري لا تكف فيه حقوق المرأة عن التراجع منذ وفاة النبي”.

 

“وبما أنه لم يرد في القرآن شيء بخصوص مسألة الإمامة هذه، وأنها لم تُذكر في السنة صراحة أيضًا، وأن الآراء الفقهية لم تعد صالحة لوقتنا الحاضر؛ ألا يمكننا أن نعتمد على تفكيرنا الشخصي وضميرنا في إباحة إمامة المرأة بمنطق المصلحة العامة والعدالة وإنصاف المرأة؟ في الواقع، إن العقبة التي تحول دون إمامة النساء ليست دينية وإنما ثقافية ونفسية. إنها حقيقة رؤية امرأة تقود الرجال بالوقوف أمامهم في موقع السلطة، ورؤية جسم امرأة أمام جسم رجل، التي تمثل مشكلة للبعض. ومرة أخرى تتعرض الكرامة الإنسانية للاعتداء، لأن البعض يومئ من خلال ذلك إلى أن الإنسان هو حيوان عاجز عن كبح زمام رغباته الجنسية، وأن جسد المرأة ليس أكثر من سلعة تستهلكها أو تخفيها”.

 

في الحقيقة تعمدت قراءة بعض ما ورد في هذا الكتاب لأمرين:

أولهما: عرض مبدأ الشك الديكارتي الذي تتبناه المؤلفتان والذي أوقعهما في التناقض. بمعنى، في الوقت الذي قدّمَتَا فيه حديث أم ورقة كدليل وإنكار للأحاديث النبوية الصحيحة، تعودان لكي تُشككا من جديد في صحة كل الروايات حتى الصحيح منها، وهذا المنطق يتنافى مع كل مناهج التفسير حتى تلك التي تعتمد على المنهج التاريخي النقدي. وفي الوقت الذي حاولت فيه مؤلفتا الكتاب “الإسلام التقدمي” تقديم مخرج لغوي لتفسير معنى البيت ادّعتا أن معناه الدار، والذي يعني ليس فقط محل السكن بل أيضًا “إقليمًا” أو “منطقة” أو حتى “حيًّا”. غريب أنهما أهملتا المعنى الأصلي، وذهبتا إلى المرادف، وهذا قياس لغوي غير مقبول.

وثانيهما: الاعتراف بسقوط الحجج التي استندتا إليها وقالتا بوضوح: لا يوجد دليل يدعم صدق الحقائق، ولكن لا يهم. وكما هو الحال في الديانات الأخرى، فإن النقاشات حول صحة القصص والمذاهب والتفسيرات ليست نادرة. ومع ذلك، مطالب نسوية حازمة من مسلمي هذا الوقت الذين يعيشون في مجتمع كهنوتي لا تكف فيه حقوق المرأة عن التراجع منذ وفاة النبي”.

واتهمتا المجتمع المسلم ووصفتاه بالكهنوت الذكوري، وهذا خطأ جديد، لأن الإسلام لا يعرف نظم الكهنوت لا للذكر أو الأنثى منذ ظهوره وحتى الآن. وإن كانتا تقصدان بذلك المؤسسات الدينية التي تساعد المسلمين على فهم الدين وعدم اتّباع الهوى؛ فهي في الأصل لحماية المسلمين والإسلام من الوقوع في الفوضى الفكرية -مثل التي نراها في هذا الكتاب- التي أدت إلى استنتاج باطل مبني على أسس واهية، والاعتراف خير الأدلة: ألا يمكننا أن نعتمد على تفكيرنا الشخصي وضميرنا في إباحة إمامة المرأة بمنطق المصلحة العامة والعدالة وإنصاف المرأة؟

ولكي تخرجا من هذا المنطق العبثي أخرجت المؤلفتان المشكلة من الدائرة الدينية إلى الدائرة الثقافية والنفسية. وأرى أن هذا يُعد هروبًا من الطرح، وهدمًا لأسس التحليل، وسقوطًا في فِخاخ الأيديولوجيات التي يرفضها الدين الإسلامي، والتي تكمن في تحديد الهدف وليّ عنق النصوص والأدلة والبراهين لصالح الفكرة والهدف. وهذا النوع من الفكر ذي الغطاء الإنساني لا يقل خطورة عن الأيديولوجيات المتطرفة، لاتّباعهم نفس المنهج من أجل إحداث الفتن والفرقة داخل المجتمعات المسلمة.

Share on facebook
Facebook
Share on twitter
Twitter

Start typing and press Enter to search