الإسلام والفكر النسوي الغربي المعاصر (1)

أ.د/ أسامة نبيل

المشرف العام الأسبق لمرصد الأزهر

عندما دخلتُ كاتدرائية مدينة ستراسبورج عام 2012، طلب مني أحد المسئولين خلع قبعتي وفقًا للتقاليد الكاثولويكية، وتكرر الموقف عندما كنتُ أقوم بقافلة سلام في فرنسا عام 2016. وأثناء زيارتي إحدى الكنائس الفرنسية لتقديم العزاء في قتل أحد القساوسة، طلب مني كبير أساقفة روان خلع العمامة الأزهرية للسبب نفسه. لم أعترض في كلا الموقفين على خلع القبعة في المرة الأولى، والعمامة في المرة الثانية؛ لأنني على قناعة تامة بوجوب احترام عادات وتقاليد أصحاب كل المعتقدات. لم أذكر هذا الموقف إلا لحاجةٍ في نفسي تتعلق بموضوع المقال الذي أُحاول فيه مناقشة بعض المسلمات الفرنسيات بشأن مفهوم الإسلام التقدمي!
• الفكر الذكوري سلب المرأة حقوقها على مدار أكثر من 1000 عام.
• مسجد النبي -صلى الله عليه وسلم- كان يصلي فيه النساء والرجال في القاعة نفسها دون حجاب!
• ليس ثمة ما يمنع النساء من إمامة الصلاة!
• لا توجد آية واحدة في القرآن تُحرّم إمامة المرأة. كما لم يرد أي ذكر لجنس الشخص الذي يؤم الصلاة أو يُلقي الخطبة.
• للمرأة المسلمة الحق في حياة روحية جماعية مزدهرة وحرة.
• استغلال الدين لإثبات وتقديس العادات الاجتماعية والثقافية والأنثروبولوجية فيما يتعلق بالعلاقات بين الذكور والإناث.

ذلك ما ادّعته السيدة “كاهنة بهلول”، الباحثة في الدراسات الإسلامية ورئيسة جمعية “حدثني عن الإسلام”، ويدعمها في هذا التوجه الصحفي “فكر كورشان” رئيس جمعية المعتزلة الجدد، التي ترمي إلى إعادة بعث الفكر المعتزلي ومبادئه الخمسة الشهيرة (التوحيد، والعدل، والمنزلة الوسطى لمرتكب الكبيرة، والوعد والوعيد، والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر)، وبذلك يجتمع الفكر النسوي الأوروبي مع فكر المعتزلة الجدد؛ لإعادة تأويل النصوص الدينية؛ ولتنفيذ هذا الفكر الذي يسعى لإعادة اكتشاف الإسلام. قرروا تدشين مسجد “فاطمة”، وهو مسجد ذو طابع مثير للجدل؛ ليس فقط لكونه يتبنّى فكرة الاختلاط بين الرجال والنساء في الصلاة كتفًا إلى كتف، ولكنه أيضًا يحمل فكرة التوأمة في الإمامة والخطابة، بمعنى أن القائمين عليه يعتزمون تناوب الخطابة والإمامة بين الرجال والنساء. ليس هذا فحسب، ولكن هناك أيضًا سيُسمح لغير المحجبات بالدخول إلى قاعات الصلاة، ومتابعة دروس الوعظ والشعائر الدينية، وكذا الأمر بالنسبة “للشواذ جنسيًّا” على حد ما أوردته الصحف الفرنسية والعالمية.

على المنوال نفسه، نسج كل من “آن صوفي مونسناي” و”إيفا جانادين”؛ حيث تقدّما هما أيضًا بمشروع مسجد يحمل اسم “مسجد سيمورج”، وذلك في إطار المبادرات التي تقوم بها حركة “صوت الإسلام المستنير”، التي تسعى للترويج لإسلام “تقدمي”.

جاءت فكرة هذا المسجد مشابهة أيضًا لفكرة مسجد “فاطمة”، حيث يطمح القائمون على المسجد إلى إيجاد مكان للعبادة، ويُسمح فيه بتواجد النساء في القاعات الرئيسة للصلاة بدلًا من القاعات الخلفية التي تُشعر النساء بالدونية -على حد قولهم– ويُسمح كذلك بحرية الملبس في أثناء الصلاة.

وأُقيمت في بداية شهر سبتمبر 2019 أول صلاة مختلطة في مسجد سيمورج، وتلا هذا ترويج للفكر الإسلامي “التقدمي والمستنير” من خلال عقد مؤتمرات وندوات للتبشير بالتأويل الجديد، والدعوة إلى الانضمام لهذا التيار الذي يطلب في ظاهره التجديد، ويُضمر هدم قواعد الدين واتّباع الهوى في تفسير القرآن الكريم والسنة النبوية.

لم أعتدِ السخرية من الرأي الآخر مهما كان تطرفه، لكني دائمًا أُفضّل الحوار بالحجة والبرهان؛ لأن الهدف من الحوار هو الفهم الأعمق لفكر الآخر، والاستفادة منه إن كان صحيحًا، وتصحيحه إن كان مغلوطًا.

وفي هذا السياق كتبت هذا المقال، الذي حددت فيه ثلاث نقاط:
الأولى تتعلق بالفكر الذكوري في الإسلام وتعميمه، دون الأخذ في الاعتبار اختلاف الثقافات في الدول الإسلامية. ولا آتي بجديدٍ إن قلت إن الإسلام قدم للمرأة المسلمة من الحقوق والحريات ما لم تقدمه أي حضارة على مدار التاريخ، فبعد أن كانت المرأة قبل الإسلام بضاعة تُباع وتُشترى في الأسواق، رد الإسلام لها كرامتها وحقوقها التي سلبها الجهل والتطرف. قال النبي محمد صلى الله عليه وسلم: “استوصوا بالنساء خيرًا، فإنما هن عوان عندكم، إنّ لكم عليهن حقًا، ولهن عليكم حق”، والكلام لا ينتهي في هذا المقام.
الثانية تتعلق بفكرة أن مسجد النبي -صلى الله عليه وسلم- كان يصلي فيه النساء والرجال في القاعة نفسها دون حجاب. صحيح أن مسجد النبي -صلى الله عليه وسلم- في عهده لم يكن به حاجز بين النساء والرجال؛ إلا أنه كانت هناك عدة وسائل للفصل بين مجموعة الرجال ومجموعة النساء، وإلا كيف نفسر قوله صلى الله عليه وسلم: “خَيْرُ صُفُوفِ الرِّجَالِ أَوَّلُهَا، وَشَرُّهَا آخِرُهَا، وَخَيْرُ صُفُوفِ النِّسَاءِ آخِرُهَا، وَشَرُّهَا أَوَّلُهَا” رَوَاهُ مُسْلِمٌ.
وسبق وأعلنت دار الإفتاء رأيها في هذا الموضوع، وأشارت إلى “أن من شروط صحة الصلاة ستر ما أُمرنا بستره من أجزاء الجسد رجالًا كنا أو نساء، وبذلك فقد وجب على المرأة الحجاب أثناء الصلاة، وفوات الوفاء بهذا الشرط يُبطل الصلاة، وليس ذلك تمييزًا ضد المرأة؛ بل إن ستر أجزاء من الجسد أمر تعبدي في حق الرجال والنساء، وإن اختلف قدر ما فرضته الشريعة الغراء بين الرجال والنساء، وهذا ليس خاصًّا بالشريعة الإسلامية وحدها؛ بل له نظائر في طقوس أديان أخرى تُلزم المصلي بنحو ذلك، ويختلف الرجل فيها عن المرأة”، وأكدت أن هذا “تعد صريح على قواعد الشرع الشريف، مؤكدة أن محاربة العنف والتطرف لا تكون بهذا المسلك الذي يشتمل على التطرف من جانب آخر؛ وهو التعدي على المقررات الدينية والعلمية من غير مواجهة حقيقية للعنف”.
وفيما يتعلق بإمامة المرأة؛ فإن الإجماع المشهور فقهيًّا أن المرأة لا يجوز لها إمامة الرجال، كما قال “ابن حزم” في “مراتب الإجماع” ص 27: “واتفقوا على أن المرأة لا تؤم الرجال وهم يعلمون أنها امرأة، فإن فعلوا فصلاتهم باطلة بإجماع”.
إلا أن الشيخ الأكبر “ابن عربي” في “الفتوحات المكية”، في الباب التاسع والستين، فصل بل وصل في إمامة المرأة، قد كسر هذا الإجماع ليفتح الباب مجددًا لمزيد من البحث، فقد قال رحمه الله:
“فمن الناس من أجاز إمامة المرأة على الإطلاق بالرجال والنساء، وبه أقول، ومنهم من منع إمامتها على الإطلاق، ومنهم من أجاز إمامتها بالنساء دون الرجال (الاعتبار في ذلك) شهد رسول الله “صلى الله عليه وسلم” لبعض النساء بالكمال، كما شهد لبعض الرجال، وإن كانوا أكثر من النساء في الكمال وهو النبوة والنبوة إمامة، فصحت إمامة المرأة والأصل إجازة إمامتها، فمن ادّعى منع ذلك من غير دليل فلا يسمع له، ولا نص للمانع في ذلك، وحجته في منع ذلك يدخل معه فيها ويشرك فتسقط الحجة فيبقى الأصل بإجازة إمامتها…” (الفتوحات المكية، ابن عربي، دار الكتب العلمية، ج 2، ص 103-104).
ويتعارض هذا الرأي مع جمهور العلماء والذي لخصه “النووي” في المجموع (4/152):
“وَاتَّفَقَ أَصْحَابُنَا عَلَى أَنَّهُ لا تَجُوزُ صَلاةُ رَجُلٍ بَالِغٍ وَلا صَبِيٍّ خَلْفَ امْرَأَةٍ… وَسَوَاءٌ فِي مَنْعِ إمَامَةِ الْمَرْأَةِ لِلرِّجَالِ صَلاةُ الْفَرْضِ وَالتَّرَاوِيحِ, وَسَائِرُ النَّوَافِلِ, هَذَا مَذْهَبُنَا, وَمَذْهَبُ جَمَاهِيرِ الْعُلَمَاءِ مِنْ السَّلَفِ وَالْخَلَفِ – رحمهم الله, وَحَكَاهُ الْبَيْهَقِيُّ عَنْ الْفُقَهَاءِ السَّبْعَةِ فُقَهَاءِ الْمَدِينَةِ التَّابِعِينَ, وَهُوَ مَذْهَبُ مَالِكٍ وَأَبِي حَنِيفَةَ وَسُفْيَانَ وَأَحْمَدَ وَدَاوُد”.
نقدر اجتهاد كل مسلم، لكن يا سادة الاجتهاد له شروطه العلمية التي يجب أن يلتزم بها كل مسلم ومسلمة. إن الخطورة تكمن في ادعاء العلم في أمور تتعلق بثوابت الدين واتباع الهوى في فهمها وإنكارها؛ بحجة التجديد أو الشعور بالملل.
يقول الله في كتابه العزيز: “‏وَمَا يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إِلاَّ اللَّهُ وَالرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ‏”‏ (آل عمران‏:‏ 7‏).

Share on facebook
Facebook
Share on twitter
Twitter

Start typing and press Enter to search