الإسلامvs رؤساء فرنسا

غزل انتخابي وحروب سياسية

لطالما كان الإسلام والمسلمون قضية مؤرقة لرؤساء فرنسا على مدار عقود، ومنذ عهد جاك شيراك وعلى مدار ولاية 4 رؤساء لفرنسا كانت التعهدات الرئاسية تذهب دائمًا في اتجاه “إعادة هيكلة الإسلام وتنظيم عبادة المسلمين” بسبب المبدأ الفرنسي الموجَّه نحو العلمانية.

وتظل أعداد الأقليات والمسلمين في فرنسا غير معروفة بسبب القانون الفرنسي، الذي يمنع تعداد الأشخاص على حسب انتماءاتهم الدينية، ولكن وفق معهد “بيو” للأبحاث فإنه اعتبارًا من منتصف 2016 كان هناك 5.7 مليون مسلم في فرنسا، 8.8% من سكان البلاد.

أعداد المسلمين في أوروبا
جاك شيراك

يُعتبر جاك شيراك، الذي تولى الحكم في فرنسا، بين عامي 1995 و2007، أول رئيس فرنسي اقترح ضرورة تنظيم عبادة المسلمين، وذلك بمجرد وصوله إلى سدة الحكم، وكان الحجاب الإسلامي على رأس القضايا التي واجهها شيراك، ففي ديسمبر/كانون الأول عام 2003 أطلق تصريحًا في إطار تزايد الزخم في فرنسا لمنع الرموز الدينية في المدارس، قال فيه إن حجاب الطالبات في المدارس “مسيء”، وأن وجود أشخاص من أصول إسلامية في فرنسا “أمر مقلق”.

جاك شيراك

ورأى شيراك في ارتداء التلاميذ الحجاب الإسلامي “نوعًا من أنواع علامات التبشير الديني”، لكن مراقبين ومنتقدين اعتبروا آنذاك أن حظر ارتداء الحجاب بمثابة فشل في إدماج 5 ملايين مسلم داخل المجتمع الفرنسي، معظمهم من أصل شمال إفريقي، وهو السبب الجذري للمشكلة، لافتين أيضًا إلى أن حظر الحجاب “يعد انتهاكًا لحرية الفتيات المسلمات”.

النهج الذي اتبعه شيراك، والذي يتمثل في المحايدة في ما يخص المسائل الدينية، لم يكن ببعيد عن الفكر الفرنسي العلماني السائد منذ عام 1905 عند فصل الكنيسة عن الدولة رسميًّا، وفي عام 2004 دعم البرلمان الفرنسي وجهة نظر شيراك عندما صوّت بغالبية 494 برلمانيًّا على مشروع قانون لحظر الحجاب الإسلامي إلى جانب قبعات الجمجمة اليهودية والصلبان الكبيرة في المدارس الحكومية، في مقابل 36 برلمانيًّا فقط رفضوا المشروع، وأظهرت استطلاعات رأي أن ما يقرب من 70% من الجمهور الفرنسي أيدوا القانون.

نيكولا ساركوزي

سار الرئيس الفرنسي نيكولا ساركوزي، الذي تولى الحكم في الفترة بين عامي 2007 و2012 خلفًا لشيراك، على الدرب نفسه، معتمدًا على خطاب اليمين المتطرف تجاه ما يخص المسلمين، رغم أنه تبنى خطابًا مغايرًا قبل توليه الرئاسة استطاع به استمالة المسلمين تزامنًا مع إنشائه المجلس الفرنسي للديانة الإسلامية في أثناء توليه وزارة الداخلية الفرنسية عام 2003، والذي كان معنيًّا بتمثيل للمسلمين في فرنسا.

لكن سياسة ساركوزي تغيرت منذ 2010 تجاه المسلمين، بعد سنّ قانون لحظر ارتداء النقاب الإسلامي، الذي يغطي الوجه بالكامل، في جميع الأماكن العامة في فرنسا في إبريل/نيسان عام 2011، ما هدد انتخاب المسلمين له لولاية أخرى كرئيس للجمهورية الفرنسية في انتخابات عام 2012، بخلاف قضية اللحوم الحلال، التي تصدرت الواجهة خلال الانتخابات الرئاسية في أعقاب تصريحات رئيس الوزراء الفرنسي آنذاك، فرانسوا فيون، بدعوته الديانات جميعًا للنظر مرة أخرى في طرائق الذبح التقليدية التي يتبعها المسلمون واليهود والتي “لم تعد تناسب هذا العصر”، بحسب قوله، وهو أمر أثار استنكار مسؤولي الهيئات الممثلة للمسلمين واليهود في فرنسا.

ساركوزي

وفي خضم التحضيرات لجولة الانتخابات الرئاسية في نهاية 2016، والتي كان مقررًا إجراؤها عام 2017، وعد ساركوزي، المحسوب على اليمين الفرنسي، بأن يكون أول قراراته، حال انتخابه، هو منع الحجاب في الجامعات والأماكن العامة، وإعادة مراقبة الحدود، في إشارة إلى تقنين الهجرة، واعتبر البعض أن هذه التصريحات كان هدفها جمع أكبر عدد من الأصوات لصالحه.

وفسر ساركوزي وقتها وعوده بحظر الحجاب والبوركيني (ملابس سباحة المحجبات) بأنه يستهدف منها تحقيق المساواة التامة بين الرجل والمرأة، والامتثال لقيم الجمهورية الفرنسية التي تفرضها طبيعة الحياة والهوية الوطنية، وأنه على من يرغب في الالتزام بهذه الملابس (يقصد الحجاب)أن يتوجه للعيش في دول وصفها بأنها “تمنع النساء من قيادة السيارات”.

ولم يتوقف حديث ساركوزي عند هذا الحد، بل إنه طالب جميع المهاجرين، في خطاب حافل قبيل الانتخابات الرئاسية، بالاندماج داخل المجتمع الفرنسي والعيش مثل الفرنسيين وليس مجرد اندماج “لن يُجدي”، وفق توصيفه، في مقابل الترحيل من فرنسا حال رفضهم، وندد بما أسماه “طغيان الأقليات” وقال إنه لن يقبل بسلوك القرون الوسطى، الذي “يريد من الرجال العوم بملابس السباحة في حين تُحبس النساء خلف القماش”، متعهدًا بشن حرب على ما أسماه “الإرهاب الإسلامي” حال فوزه.

فرانسوا أولاند

ولأن الفترات الأولى من ولاية أي رئيس دائمًا ما تكون وردية، سيطرت على تصريحات الرئيس الفرنسي فرانسوا أولاند، الذي تولى السلطة بين عامي 2012 و2017، نزعة التعاطف مع المسلمين، فصوَّرهم على أنهم “أول ضحايا التعصب والتطرف وعدم التسامح في العالم”، وأن “الإسلام المتطرف تغذّى من كل التناقضات والنزاعات التي لم تتم تسويتها منذ وقت طويل”، كما شدد في بداية حكمه على دور الجندي المسلم خلال الحربين العالميتين في الدفاع عن مبادئ الجمهورية الفرنسية، وأن فرنسا مدينة للجنود المسلمين، وأن الجيل الحالي من المسلمين في فرنسا يحق لهم الفخر بما قدمه أجدادهم للجمهورية.

فرانسوا أولاند

ولكن في أعقاب هجمات باريس في نوفمبر/تشرين الثاني 2015، والتي شملت عمليات إطلاق نار جماعي وتفجيرات انتحارية واحتجاز رهائن، بدأت السياسة الفرنسية تجاه المسلمين في العودة إلى سابق عهدها، وضجت وسائل الإعلام المحلية والعالمية وقتها بواقعة الشرطة الفرنسية التي أجبرت امرأة على خلع ملابسها على أحد الشواطئ في مدينة نيس، في إطار حظر مثير للجدل كان مفروضًا على لبس “البوركيني” آنذاك، وتلاها منع ارتداء الملابس التي تدل على التمسك بدين معين على أثر الهجمات في مدينة الريفييرا الفرنسية في يوم الباستيل، والتي خلفت 86 قتيلاً، بالإضافة إلى مقتل قس كاثوليكي قرب مدينة روان الكاثوليكية.

واقعة البوركيني في فرنسا

وواجهت فرنسا خلال عهد أولاند انتقادات من الأمم المتحدة لـ”عدم بذل الجهود اللازمة للتصدي لمظاهر العنصرية ضد الأقليات في البلاد، ولتصرفها على نحو سيئ تجاه الغجر والمهاجرين”، بالإضافة إلى وصم فئة من الفرنسيين أصبحوا مشتبهًا بهم بسبب عقيدتهم، وناشدت لجنة القضاء على التمييز العنصري، التابعة لمكتب الأمم المتحدة بجينيف، الحكومة الفرنسية باتخاذ اللازم للقضاء على جميع أشكال التمييز العنصري في الأحياء التي تسكنها أقليات منخفضة الدخول.

بجانب ذلك، نُشِرت مقتطفات من أكثر من 60 مقابلة أجريت مع أولاند، جُمعت بعد ذلك في كتاب باسم “على الرئيس ألا يقول ذلك”، قال فيها إن “فرنسا لديها مشكلة مع الإسلام” وإن “المرأة المحجبة اليوم ستكون ماريان الغد”، وهي ذات القبعة العسكرية القديمة التي تمثل رمز فرنسا.

وفي أعقاب الهجمات الإرهابية، التي وقعت في يناير/ كانون الثاني 2015 على مكاتب الصحيفة الأسبوعية الساخرة “شارلي إيبدو” على خلفية الرسوم الكاريكاتورية المسيئة للنبي محمد، والتي خلفت 17 قتيلاً، تعهد أولاند بأن تكون مكافحة العنصرية أحد أولوياته.

إيمانويل ماكرون

لم يذهب ماكرون بعيدًا عن السياسة التي اتبعها من سبقوه، ولكن اللغط الدائر منذ أيام بسبب تصريحات الرئيس إيمانويل ماكرون، الذي تولى الرئاسة عام 2017، بعد حديثه عن عدم التخلي عن الرسومات الكاريكاتورية المسيئة للنبي محمد، في أعقاب حادث قتل المعلم صمويل باتي، الذي قُطِع رأسه في أحد شوارع باريس بسبب عرضه بعض الرسوم المسيئة لنبي الإسلام، ربما تجعله أكثر الرؤساء تصادمًا مع الإسلام حتى الآن.

تصريحات ماكرون حملت صراحةً إساءة غير خفية للإسلام والمسلمين، وما زاد الأمر تأججًا كان التغريدة التي نشرها قبل أيام عبر تويتر وقال فيها “لا شيء يجعلنا نتراجع أبدًا، نحترم كل أوجه الاختلاف بروح السلام، لا نقبل أبدًا خطاب الحقد وندافع عن النقاش العقلاني، سنقف دومًا إلى جانب كرامة الإنسان والقيم العالمية”.

ووضعت هذه التصريحات ماكرون في مواجهة مع دول عربية وإسلامية، ومؤسسات دينية إسلامية انتقدت حديثه عن الإسلام، بالإضافة إلى الدعوات لمقاطعة البضائع الفرنسية.

ولكن ماكرون اعتبر أن هذه الدعوات والهجمات خطة تقودها أقليات متطرفة، وناشد الدول الشرق أوسطية عدم السماح لشركات التجزئة بمقاطعة البضائع الفرنسية، والتخلي كذلك عن دعوات التظاهر ضدها.

ومطلع الشهر الحالي، تحدث ماكرون عن ضرورة محاربة فرنسا لما وصفه بـ”الانعزالية الإسلامية وإنكار الجمهورية” والسعي لإقامة نظام موازٍ يهدف إلى تنظيم مختلف للمجتمع وهو ما رآه بمثابة “أزمة تعيشها الديانة الإسلامية في كل مكان في العالم”، بحسب زعمه.

وتصاعدت مخاوف المسلمين في فرنسا من التعاطي معهم على نحو غير عادل، في إطار تطبيق مثل هذه السياسات.

وفي الحقيقة، فإن موقف ماكرون من الإسلام ليس وليد الأحداث الأخيرة فقط. فقبل عامين، وجهت لجنة حقوق الإنسان، التابعة للأمم المتحدة، انتقادات كبيرة للقانون الذي أقره مجلس الشيوخ الفرنسي خلال ولاية ماكرون في 13 ديسمبر/ كانون الأول 2018، والذي يحظر ارتداء النقاب في الأماكن العامة في البلاد، واعتبرت الأمم المتحدة أن منع النقاب “يعد تمييزًا دينيًّا، وحاجزًا للمرأة يمنعها من التعبير عن دينها”.

Share on facebook
Facebook
Share on twitter
Twitter

قصة

هاجر حسني

صحفية مصرية

مشاركة

أحمد بيكا

رسوم

Start typing and press Enter to search

Visit Us On FacebookVisit Us On TwitterVisit Us On Instagram