الإصلاح الديني.. من أين تكون البداية؟

د. مولاي أحمد صابر

كاتب وباحث مغربي في الفكر الإسلامي المعاصر

الدعوة إلى الإصلاح الديني في العالم الإسلامي ليست دعوة جديدة منذ زمن “رفاعة الطهطاوي” (-1873م)، و”جمال الدين الأفغاني” (-1897م)، و”عبدالرحمن الكواكبي” (-1902م)، و”محمد عبده” (-1905م)، ومن تلاهم؛ إلا أنها دعوة لا تزال لم تستنفد مشروعيتها الواقعية والعلمية، ولم يتحقق مبتغاها بعد، وذلك لأسباب متعددة؛ من بينها انجذاب عموم الناس في فهم أمور الدين إلى الماضي وإلى أقوال المتقدمين من كبار العلماء.

والمشكلة لا تتمثل في الرجوع إلى ما قال به المتقدمون، بقدر ما تكمن في الطريقة والمنهج التي تربطنا بأقوالهم وآثارهم وتصوراتهم لأمور الحياة والدنيا والدين. فالطريقة والمنهاج الذي يسلكه عموم الناس يتصف -مع الأسف- بالتقليد والاتباع بدل النقد والغربلة والاستيعاب والتجاوز. ومفاد هذا الفهم أنه يُسقط الماضي على الحاضر دون وعي معرفي بالسياقات التاريخية والثقافية والاجتماعية التي كانت وراء تَشَكُّل الكثير من الآراء والتصورات والمذاهب الفقهية والكلامية والعقدية وغيرها على طول تاريخ الثقافة الإسلامية، وفي الوقت ذاته دون وعي معرفي بالحاضر الذي تظللنا فيه مقتضيات الفكر الحداثي المتصف بالكونية والعلمية. وتزداد المشكلة تعقيدًا عندما تتبنى هذا الطرح مؤسسات وجماعات دينية تحتكر لنفسها فهم أمور الدين، وتقدم نفسها على أنها وصية عليه، ولا تقبل على الإطلاق بأن يشاركها أحد في فهمه، وتستثمر النزعة العاطفية والوجدانية التي تربط عموم الناس بماضي الأمة الإسلامية بتغليب ما هو ماضوي وتاريخي وتراثي، مدعية أنها تحافظ بذلك على هوية الأمة الإسلامية، وهو الدور الذي يلعبه الإسلام السياسي موهمًا جمهور الناس بأنه يدافع عن مقومات الذات المسلمة. 

فالإسلام السياسي، إلى جانب الجماعات الإسلامية والمؤسسات الدينية التقليدية، يُشكل سدًّا منيعًا لا يسمح لذلك النزوع العاطفي لدى عموم الناس تجاه الماضي بأن يتحرر ويخرج من دائرة ما هو عاطفي إلى دائرة ما هو عقلاني وواقعي.

تبعًا لهذا الوضع، تجد مبادرات ومشاريع التجديد والتنوير والإصلاح الديني في العالم الإسلامي نفسها بين نارين؛ فهي من جهة تواجه مؤسسات دينية وجماعات وتنظيمات دينية، لا تقبل ببسط رؤى وتصورات معاصرة للمسألة الدينية، كما لا تسمح بتوظيف آليات ومناهج معاصرة في قراءة النصوص الدينية والتراثية بشكل عام. والغريب أن بعض المؤسسات الدينية تُقرّ بالاجتهاد، وتعترف بأمر التجديد؛ إلا أنها لا تقبل بتجديد المنهج في التعاطي مع فهم التراث وفهم النصوص الدينية، وفقًا لما عليه المعرفة المعاصرة التي نحن عليها اليوم، مما يجعلها تنقض أمر الاجتهاد والتجديد من أساسه. فالتجديد والاجتهاد بالنسبة إليها يدور في فلك الماضي بمعزلٍ عن المعرفة المعاصرة. ومن جهة ثانية، تواجه عموم الناس المنجذبين تبعًا لحمولاتهم الذهنية والثقافية للماضي وغير المؤهلين على المستوى الفكري والمعرفي لفهم مقتضيات الحاضر ومتطلباته، والذي يجعل الأمر أكثر تعقيدًا؛ أن عموم الناس هؤلاء تجدهم في تصالح مع الحداثة وآثارها على المستوى الإجرائي والعملي، دون أن يصحب ذلك التصالح رؤى فلسفية ودينية مواكبة للعصر تُحصّن الكثير من الشبان من أن يتحولوا إلى وقود نار الحرب الأصولية الدينية في معركتها ضد كل محاولات التنوير والإصلاح الديني.

هذه التركيبة الاجتماعية المعقدة جعلت الكثير من دعاة الإصلاح الديني، والمحسوبين على دائرة التجديد والتنوير؛ يحسبون ألف حساب لطروحاتهم الفكرية المعرفية، وبالأخص التي تقترب من الموضوعات الحساسة من قبيل موضوعات المرأة، والفن، ومنهج التعامل مع القرآن. ومن ذلك على سبيل المثال لا الحصر، نستحضر بهذا الشأن، مؤلفات “نصر حامد أبو زيد” ومؤلفات “محمد أركون”؛ إذ لم نجد لحد الساعة مؤسسة دينية أو تنظيمًا دينيًّا أو تيارًا محسوبًا على الإسلام السياسي، تبنى أحد هذين الطرحين، بالرغم من أن كلًّا من “نصر حامد أبو زيد” و”محمد أركون” لم يطعن في الثوابت الأساسية للدين الإسلامي، بل إنهما اجتهدا في بسط فهمٍ معاصرٍ في التعاطي مع المرجعية الإسلامية.

أمام هذا الوضع، يستمر الواقع بالضغط بأسئلته الواقعية، والتي تتطلب أجوبة مفارقة لما عليه المدونة التراثية في قراءتها للنص الديني؛ إذ لم تعد الإجابات الجزئية الغارقة في الفهم المحلي مجدية، في زمن مفعم بروح الكونية والعالمية والعلمية في التفكير، وفي التعاطي مع الكثير من القضايا التي تخص الإنسان، سواء على مستوى الفرد والجماعة. والحقيقة أن الزمن العربي الراهن في حاجة إلى أفكار وتصورات علمية، تتصف بالبعد الكوني والإنساني والأخلاقي في التفكير، وفي تأويل النص الديني تأويلًا ينسجم مع روح العصر، بقدر أكبر وأوسع، بالنظر إلى الكتابات والمشاريع التنويرية المتداولة الآن، والتي يعود لها الفضل في التأكيد على الإصلاح الديني اليوم في العالم الإسلامي، وبالأخص في العالم العربي صار ضرورة ملحة وأولوية الأولويات؛ أكثر من أي وقت مضى؛ بفعل اندلاع الأصولية الدينية باسم الإسلام؛ أمام هذا الوضع نجد أنفسنا أمام سؤال صاعد من الواقع مفاده: الإصلاح الديني.. من أين تكون البداية؟

لسنا في حاجة لنؤكد أن بداية وقاعدة أية نهضة فكرية وتقدم علمي وحضاري؛ تبدأ من الاهتمام بالمسألة التعليمية، ولهذا فبداية البداية بالنسبة إلى الإصلاح الديني تكمن في إصلاح التعليم الديني، وإعادة النظر في سؤال: كيف يُدرّس الدين في المؤسسات التعليمية في العالم الإسلامي في القرن الحادي والعشرين؟ فهل المعرفة الدينية (ما يُصطلح عليه بالعلوم الشرعية) تُدرس بمداخل ومناهج وآليات المعرفة المعاصرة، الأمر الذي سيجعلها تخضع لعملية النقد والتحليل والمراجعة؟ أم إنها تدرس بمعزل عن علوم العصر؟ فالمسألة هنا لا تتوقف عند الحل الإجرائي والتقني، وذلك بإدراج مختلف التخصصات العلمية إلى جانب العلوم الشرعية في المعاهد والمؤسسات الدينية، وهذا أمر جارٍ به العمل؛ بل تتصل بسؤال التجديد في نظرية المعرفة وبالأخص المعرفة الدينية، وتتصل -في الوقت ذاته- بسؤال فلسفة الدين في الوطن العربي.

ومن أهم الأسس التي ينبغي أن يُبنى عليها التعليم الديني اليوم، الإقرار بأن المعرفة الدينية معرفة متحولة بتحول المعرفة العلمية، فلا يمكن بأي وجه من الوجوه ألا تؤثر الثورات العلمية على المعرفة الدينية، فالكثير مما كان لا يُبصَر بالأمس صار اليوم مشهودًا بالعين، قال تعالى: “فَلَا أُقْسِمُ بِمَا تُبْصِرُونَ (38) وَمَا لَا تُبْصِرُونَ (39)” (الحاقة).

فالوضع السليم يكمن في إمكانية استثمار المعرفة العلمية في مجالات المعرفة الدينية، بغاية تجديدها وتنويع مشاربها؛ وإلا سنكون أمام معرفة دينية جامدة ومتجاوزة، ولا تنسجم مع المعارف العلمية. كلُّ نظم المعرفة اليوم عرفت تحولًا كبيرًا لا مثيل له، والاهتمام المنهجي بعلوم اللسانيات كما هو اليوم، وبعلم الاجتماع، وبعلم النفس، وعلم الأناسة، وعلم الآثار، وغير ذلك من العلوم؛ من الضروري أن يُستثمر منهجيًّا في تجديد المعرفة الدينية. إنه من الجنون بمكان أن يبقى طلابنا حبيسي المدونات الفقهية والتفسيرية والكلامية والعقائدية، يرددون ما ورد فيها دون وعي. إننا اليوم في حاجة ماسة لاستثمار مختلف العلوم الإنسانية في فهم التراث والحاضر واستشراف المستقبل.

أما فلسفة الدين؛ فالفلسفة هي مدار السؤال ومدار لتفعيل العقل والفكر والنظر. والمقصد الأسمى من التفكير الفلسفي هو مقصد فضيلة الإنسان، وإخراجه من الشقاء إلى السعادة. وإذا كانت الفلسفة على هذه الحالة فروح الدين وجوهره يدوران في مدار القيم الفاضلة؛ لأن القرآن الكريم هو دعوة إلى النظر وإلى العقل والتفكير والتفكر والتدبر. وعليه، فليس هناك تعارض نهجي بين روح الدين وفضيلة الفلسفة.

وهناك أمر آخر يُعد كذلك بداية البدايات، ويتصل بالتعليم بشكل عام وبنظم الثقافة والمعرفة داخل المجتمع؛ وهو العناية بالترجمة والتأويل، فكم نحن في حاجة إلى مزيد من الترجمة لعلوم العصر إلى اللغة العربية، وفي الوقت ذاته كم نحن في حاجة إلى العناية بموضوعات التأويل، وبالأخص القراءة التأويلية للنص القرآني التي تُمكّن من تحرير فهم القرآن من الأغلال والأقفال التي تَحُول بين الإنسان والتفكير النقدي، تدرّعًا بوهم الثبات والحفاظ على آراء وأقوال المتقدمين، والإعلاء من قيمة فهمهم وتصوراتهم إلى مقام السادات والكبراء، قال تعالى: “وَقَالُوا رَبَّنَا إِنَّا أَطَعْنَا سَادَتَنَا وَكُبَرَاءَنَا فَأَضَلُّونَا السَّبِيلَا (67)” (الأحزاب).

Share on facebook
Facebook
Share on twitter
Twitter

Start typing and press Enter to search