زوايا

الإمام المراغي.. مُعارِض الملك فاروق ومُجَابِه الصهيونية

اشتُهر مستشفى “المواساة” بالإسكندرية في أربعينيات القرن الماضي بوجود جناحٍ مُخصَّص للملك فاروق وحدَه، حيث كان يقضي فيه بعض الوقت خلال وجوده للمَصيف في الإسكندرية.. وكانت تَعمل في ذلك الجناح ممرضات حسناوات من فرنسا وإيطاليا!

الملك فاروق والإمام المراغي
الملك فاروق والإمام المراغي

لكنَّ مشيئة الله اقتضت بأن يتلقَّى فاروق درسًا دينيًّا وأخلاقيًا في ذلك المستشفى، الذي تعدَّدت نزواته فيه! وقد أخذ فاروق ذلك الدرس على يد الشيخ محمد مصطفى المراغى، شيخ الأزهر، حينما كان الشيخ يتلقَّى هو أيضًا علاجه بالمستشفى في ذلك الوقت.

في عام 1945م طلَّق الملك فاروق زوجته الأولى الملكة فريدة، لرغبته في الزواج بأخرى تُنجب له ذكرًا، ليُصبح وليًّا للعهد، وكانت فريدة قد أنجبت له ثلاث بنات، فطلب فاروق من الشيخ المراغي إصدار فتوى تحُرِّم على الملكة فريدة الزواج مرة أخرى من غيره! فرفض الشيخ المراغي مطلب الملك، فأصر فاروق على إصدار الفتوى، ووصل الأمر به إلى زيارة الشيخ آنذاك خلال علاجه في مستشفى المواساة بالإسكندرية.

فقال له شيخ الأزهر عبارته الشهيرة: “أما الطلاق فلا أرضاه، وأما التحريم فلا أملكه، وأن المراغي لا يستطيع أن يُحرِّم ما أحلَّ الله”.

لم يكن ذلك الموقف المعارِض أو المستقل عن الحاكم هو الموقف الوحيد للشيخ المراغي خلال تلك المرحلة.. فقد رفض اشتراك مصر في الحرب العالمية الثانية (1939م – 1945م)، حيث روَّعته الغارات التي قامت بها طائرات المحور على مدن مصر، وما أحدثته من دمار وخراب وتقتيل وتشريد.

وقد أعلن الشيخ موقفه صراحة أثناء خُطبةٍ له في مسجد الرفاعي بمقولته الشهيرة: “نسأل الله أن يُجنِّبنا ويلات حربٍ لا ناقة لنا فيها ولا جمل”، وكان لتلك المقولة الأثر الأكبر على الحكومة الإنجليزية التي أصابها القلق والإرباك، غير أنها لم تستطع فعل شيء، لعِلْمِها بما يُمثِّله شيخ الأزهر من مكانة في العالم الإسلامي.

الإمام المراغي
الإمام المراغي

اقرأ أيضًا: أبو رجيلة.. إمبراطور الأتوبيسات وعاشق الزمالك

وُلد الشيخ مصطفى المراغي في 9 مارس 1881م بمدينة المراغة بمديرية جرجا بمحافظة سوهاج، جنوب مصر، لأسرة عريقة لها إسهامات جليلة في خِدْمة العلم والقضاء.

وبعد أن أتمَّ حفظ القرآن الكريم، وتعلَّم مبادئ القراءة والكتابة أرسله والدُه إلى الأزهر ليدرس العلوم الدينية، فاندمج الصَبيُّ في غمار طلب العلم وكان لا يزال في سن الحادية عشرة ونبغ في تحصيل دروسه.

اقترب الإمام المراغي في شبابه المبكر من الشيخ محمد عبده، وانتفع بمحاضراته العامة في التفسير والتوحيد والبلاغة، وصار من تلامذته النابغين، كما تأثَّر بمنهجه ودعوته الإصلاحية، وظل وثيق الصلة به، وسار على نهجه في التجديد والإصلاح.

في مايو 1904م، تقدَّم لامتحان الشهادة العالمية (تُعادل الدكتواره الآن)، وكان الشيخ محمد عبده أحد أعضاء لجنة الامتحان، وحصل بالفعل على الشهادة وهو في سِنٍّ مبكرة بالنسبة للدارسين في الأزهر، حيث كان في الرابعة والعشرين من عمره.

بدأ المراغي رحلة التدريس في الأزهر، وعُقدت له حلقة راح يُلقي فيها الدروس، وزاد الإقبال على حلقته لبلاغته وآرائه التنورية وجرأته، وقد تعدَّدت مهامه في الأزهر والأوقاف، لكن الخِدِيو عباس حلمي الثانى اختاره ليتولى شؤون القضاء بالسودان.. وهناك أصر الشيخ المراغي على أن يختار المذاهب والآراءَ والاجتهادات الفقهية التي يحكم بِمُوجبها القضاء، حتى لا يترك الاختيار للسكرتير الإنجليزي.

في السودان بدأ الإمام المراغي عملَه بإصلاح القضاء الشرعي، كما عمل على تكوين جيل من القضاة السودانيين، وأشرف على القسم الشرعي بكلية “غوردون” وزوَّده بأساتذة من العلماء المصريين من الأزهر ودار العلوم.

وفي عام 1919م، ساند المراغي الثورة الوطنية التي اندلعت في مصر، وأرسل نداءً بالاكتتاب للمصريين في السودان لمساندة الثورة المصرية واستطاع جمع ستة آلاف جنيه، ولم تُفلح جهود الإنجليز في إثنائه عن مساندة ثورة 19.

رفض الشيخُ أيضًا خلال وجوده في السودان الانحناء أمام الملك جورج الخامس (ملك بريطانيا)، الذي كان في طريقه إلى الهند، وفي ميناء سواكن رفض أن يخرج لاستقبال الملك إلا إذا صعد إلى الباخرة مثل الحاكم الإنجليزي، وامتثل الحاكم لذلكَ.. لكنَّ المراغي عندما صعد إلى السفينة، التي تُقلُّ الملك، رفض أن ينحني أمامَه، وعندما استنكر بعض الإنجليز والمراسلون ذلك، قال لهم في اعتزاز بنفسه وبعلمِه: “ليس في ديننا ركوعٌ لغير الله”.

المآدب الملكية فى حضرة الإمام المراغى
المآدب الملكية فى حضرة الإمام المراغى

عاد الإمام المراغي إلى مصر ليُعيَّن رئيسًا للتفتيش بالمحاكم الشرعية لمحكمة مصر الكلية، ثم عضوًا في المحكمة العليا الشرعية، ثم رئيسا لها، وفي عام 1924 اُختير عضوًا في هيئة كبار العلماء بالأزهر.

وفي عام 1928م تم تعيينه شيخًا للأزهر، وكان في السابعة والأربعين من عمره، ليكون بذلك أصغر مَن تولَّوا منصب المشيخة سِنًّا.. وكانت لتلمذته على يد الإمام محمد عبده أثرُها في دعوته للاجتهاد الديني ومواكبة العصر، وهي المبادئ التي أهَّلته لذلك المنصب الديني الرفيع، لكنَّه لم يستمر شيخًا للأزهر سوى 14 شهرًا فقط، قدَّم بعدها استقالته للملك فؤاد في أكتوبر 1929م.

كان الشيخ المراغي وفريقه من الإصلاحيين بالمشيخة قد أعدوا قانونًا شاملاً لإصلاح الأزهر، ورفعوه إلى الملك فؤاد، الذي كان مشرفًا على شؤون الأزهر آنذاك، إلا أن بعض حاشية الملك أوعزوا إليه بأن “المراغي” يريد أن يستقلَّ بالأزهر عن سلطة الملك والحكومة، فرفض الملك فؤاد ذلك القانون وأعاده إلى الشيخ المراغي، فما كان من الشيخ إلا أن وضع القانون الخاص بإصلاح الأزهر في ظرف واستقالته من منصب “شيخ الأزهر” في ظرف آخر، وأرسلهما إلى الملك طالبًا منه حرية الاختيار، فقبل الملك الاستقالة.

إثر ذلك خرجت مظاهرات وتوقَّفت الدراسة وأضرب الأساتذة، فعاد المراغي مجدَّدًا للمشيخة، لكن بعد خمس سنوات قضاها مُعتكفًا في منزله.

بعودته في أبريل 1935م، بدأ الشيخ المراغي تحقيق كل ما نادى به من قبل لإصلاح الأزهر، وحدَّد خطواته الرئيسية في أن “رسالة الأزهر الإسلامية باعتباره المعهد الإسلامي الأكبر هى: القيام على حِفْظ الشريعة وأصولِها وفروعِها، وكذلك نَشْر اللغة العربية، وتخريج علماء للعمل في المعاهد والمدارس، وكذلك تقلُّد الوظائف الشرعية”.

نظَّم المراغي الدراسة بالمعاهد الأزهرية، وأسهم في تواصل خريجي كليات الأزهر مع المدارس الحكومية، كما أنشأ كليات اللغة العربية، والشريعة والقانون، وأصول الدين.. واهتم كذلك بدراسة اللغات الأجنبية في كليات الأزهر.

أسهم أيضًا في إنشاء العديد من الهيئات الجديدة بالأزهر، ومنها: قسم الوعظ والإرشاد، ولجنة الفتوى، كما أدخل تعديلات على جماعة “كبار العلماء”، واشترط لعضويتها أن يكونَ العضو من العلماء الذين لهم إسهام في الثقافة الدينية، وأن يُقدِّم رسالة علمية تتسم بالجرأة والابتكار.

اقرأ أيضًا: حكاية عمر بك لطفي.. أبو التعاونيات ومؤسس النادي الأهلي

الإمام المراغي هو صاحب فكرة إنشاء الجامعة الأزهرية، وتطوير مجلة “نور الإسلام” تحت اسمها القائم حتى وقتنا الحاضر: “مجلة الأزهر”.

وإضافة إلى موقفه الرافض من الحرب العالمية الثانية، فقد جهر بموقفه كشيخ للأزهر بالرأي الإسلامي والوطني عن المُخطَّط الصهيوني المتحالف مع بريطانيا، لاغتصاب أرض فلسطين، وبعث ببرقية احتجاج إلى المندوب السامي البريطاني في القدس، ينتقد الأحداث الدامية بفلسطين، وكان ذلك في أغسطس 1938م.

وفي أكتوبر من العام نفسه -وخلال انعقاد المؤتمر البرلماني العالمي بشأن القدس- دعا إلى التعاون من أجل مقاومة الاستعمار البريطاني، والمحافظة على المقدسات الدينية من الأخطار الموجَّهة ضدها.

وبرغم رفضه إصدار فتوى بتحريم زواج طليقة الملك فاروق “الملكة فريدة” مرة أخرى، فإن الملك كان يحترم الشيخ المراغي، ويُقدِّرُه إلى حدٍّ كبير، فالشيخ هو الذي أفتى بجواز تولِّي فاروق العرش من دون وصاية في 19 يوليو 1937م، بعد أن أتمَّ 18 سنة هلالية (هجرية).

ومعروف أنه كان هناك مجلس وصاية على كرسي فاروق برئاسة الأمير محمد علي توفيق، منذ وفاة والده الملك فؤاد عام 1936م.

بل كان الملك فاروق يَحضر دروس الشيخ المراغي بالجامع الأزهر، كما كان يحرص على حضورها أيضًا رئيس الوزراء وكبار الصفوة من العلماء والمثقفين، بل وعامة الناس.

وكانت إذاعة مصر والإذاعات العربية في عواصمها المختلفة، تنقُل الحديث الديني للشيخ المراغي، كما كانت الصحف اليومية تنشر مُلخصًا وافيًا لما قاله في حديثه.

تلك الخُطب التى انتشرت في أكثر من كتاب – فيما بعد – غنية بالفكر الإسلامي المستنير الذى يربط الدنيا بالدين، فقد نهج الشيخ المراغي لإخراج عالِم الدِّين من الدائرة الضيقة التي فرضها الاستعمار عليه، حيث كان يُؤمن بأنَّ الإسلام دين ودولة، ولم تقتصر خُطب المراغي ومقالاتُه على الناحية الدينية، بل تناولت أيضًا النواحي الاجتماعية والواجبات الوطنية.

وتعدَّدت جهوده الاجتماعية، واهتمَّ بشكلٍ خاص بقضايا المرأة، ووقف منها موقفًا وسطا، فدعا المرأة إلى الاعتدال في الحياة بالحصول على حقوقها في حدود الشريعة، وقاد حربًا على تغلغل البدع والخرافات في حياة العامة من المسلمين.

أيضًا أسهم الشيخ في مجال العمل التطوعي الخيري وتقديم الرعاية الاجتماعية للفقراء والعاجزين، كما تولَّى رئاسة الجمعية الخيرية الإسلامية ابتداءً من عام 1941م حتى وفاته.

الإمام المراغي.. والتصدي لحملات التبشير

كان الشيخ المراغي قويًا وحازمًا في العلاقة مع الآخر، وقد قام بدورٍ فاعل في التصدي لحملات التبشير، حيث أخذ يُندِّد بتلك الحملات في خطبه ومقالاته وأحاديثه، ودعا المصريين لعدم إرسال أبنائهم إلى المدارس الأجنبية حماية لهم من خطر التبشيريين، كما أسَّس في عام 1933م جمعية مصرية لمقاومة التبشير.

في الوقت ذاته، كان المراغي يُرحب بالحوار بين الأديان والمذاهب، على اعتبار أن التعارف فرض على المسلمين، وأن الاختلاف أمر طبيعي، وقد بعث برسالة بحثية لمؤتمر الأديان العالمي، الذي انعقد في لندن خلال يوليو عام 1936م، واعتذر عن عدم حضور المؤتمر بنفسه، وألقى الرسالة أمام المؤتمر نيابة عنه الشيخ عبد العزيز المراغي، المدرس بكلية الشريعة، عضو بعثة فؤاد الأول في لندن.

وكانت مشاركة الشيخ المراغي بتلك الرسالة الشاملة هي أول إسهام للأزهر في التاريخ الحديث حول قضية حوار الأديان، التي اشتُهرت لاحقًا ولاكتها الأُلسن مؤخرًا.

وفي رسالته تلك، يرى المراغي أن التديُّنَ هو الدواء لمواجهة كل الشرور، فالتقدم العلمي أو الفلسفي ليس بقادر على التغلُّب على عوامل التَفرُّق لأن الإنسان لا يُسيِّره العقلُ وحدَه، لكن تُسيِّره أيضًا غرائز حيوانية رُكِّبت فيه.

والتديُّنُ الذي يَقصدُه المراغي ينطلق من الثقة بأن العالم تُسيِّره مجموعةٌ متناسقة تسودُها قوة مدبرة حكيمة عادلة، تراقب النيات وتَحكم الضمائر.

واستعرضت رسالة الشيخ أُممًا وزعماء من الغرب والشرق، استخدموا الدِّينَ غطاءً وستارًا للتوسع وقهر الآخري.

واقترح وسائل لتحقيق التقارب بين الأمم والأديان، وإنهاء عوامل الفُرقة التي سادت قبل ذلك، وكان من أبرز ما اقترحه:

– إيجاد هيئة تعمل على تنقية الشعور الديني من الضغينة والأحقاد، ونَشْر المعاني الإنسانية السامية العامة من الرِّفق بالبَشر والبِّر بهم، من حيث هم أفرادٌ من نوع الإنسان.. من دون النظر إلى الفوارق الأخرى.

– وإذاعة ذلك بمختلِف الوسائل، وبمختلِف اللغات.

– كما اقترح “جَعْل الدعاية للأديان والتبشير لها قائمًا على أساسٍ عقلي مَحض، وحسب الحقيقة.. ورغبةً صادقة في الوصول إليها، مع البعد عن الاحتيال لذلك، بالاعتماد على وسائل غير بريئة في توجيه الاعتقاد والإغراء به، وقَصْر الجَهْد على إبراز ما في الدِّين المَدعُّوِ إليه من محاسن.

 ومكتبة الشيخ المراغي عامرة بالكثير من المؤلفات والمخطوطات، التي تتضمَّن أفكاره وآراءه لإصلاح الأزهر والقضاء الشرعي، كذلك دروسه في التفسير وبقية القضايا الفقهية واللُّغوية والاجتماعية، فضلاً عن مئات المقالات والخطب والدروس الدينية التي ألقاها.

وفي يوم 22 أغسطس من عام 1945م، غادر الإمام مصطفى المراغي دنيانا عن عمر ناهز 64 عامًا، ليلقَى وَجْه ربِّه، بعدما لَقيَ في حياته متاعب عديدة، سواءَ من الأحزاب أو الاستعمار الإنجليزى أو القصر، وحتى اليوم، فإن مسيرة المراغي الثورية والتنويرية تُعدُّ ميدانًا خِصْبًا لعشرات الرسائل العلمية في الأزهر وخارجه، وإلى الآن لا تزال تظهر كتبٌ جديدة عنه.

المصادر

1- الشيخ محمد مصطفى المراغي: الدكتور/ الحسيني حماد عليوة وآخرون

2- رسالة الشيخ المراغي لمؤتمر الزمالة الإنسانية: الأزهر الشريف، هيئة كبار العلماء

3- تفسير المراغي لآيات من القرآن الكريم: الدكتور محمود البطل

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى