"الإنسان مثل البطارية"

لماذا يعادي "ترامب" العلم؟

في الوقت الذي تلتهم فيه الحرائق الأراضي في الولايات الأمريكية (كاليفورنيا، وأوريجون، وواشنطن)، بسبب الاحترار العالمي؛ يعلن الرئيس الأمريكي دونالد ترامب ازدراءه للمخاوف العالمية إزاء تغيّر المناخ. وفي زيارته في منتصف سبتمبر الجاري إلى ولاية كاليفورنيا التي اجتاحتها الحرائق، قال: “إن الأرض ستبدأ في البرودة من تلقاء نفسها”.

ومنذ أوائل أغسطس الماضي التهمت الحرائق نحو 5 ملايين فدان من الأراضي الأمريكية ورغم أن الحرائق تزداد سوءًا كل عام بسبب ارتفاع درجات الحرارة العالمية؛ إلا أن “ترامب” يلقي باللوم على سوء إدارة الغابات.

“ترامب” يعتقد أن الإدارة السيئة للغابات هي المسئولة عن الحرائق. وحين ناشده أحد المسئولين عدم “تجاهل العلم” بشأن تغير المناخ، قال “ترامب” إن “العلم فعليًّا لا يعرف متى ستبدأ الأرض في البرودة”.

تغير المُناخ كمؤامرة صينية

هذه ليست المرة الأولى التي يثير فيها “ترامب” الجدل عن تغير المناخ. ففي عام 2012 صرّح بأن تغير المناخ “من صنع الصين”، من أجل تعطيل الصناعة الأمريكية وجعلها غير قادرة على المنافسة، لكنه تراجع عن تصريحه السابق ووصفه بأنه “مجرد مزحة”، إلا أنه عاد في عام 2018 ليرفض أن يكون تغير المناخ من صنع الإنسان، واعتبر أن مسئولية الإنسان عن تغير المناخ مجرد “خدعة”.

الأكثر خطورة من تصريحات “ترامب” المتعارضة مع العلم في قضية تغير المناخ، هي الإجراءات التي اتخذها في هذا الصدد التي تقوض الجهود العالمية الرامية لمكافحة الاحترار العالمي؛ مثل قرار الانسحاب من اتفاقية باريس للمناخ، والتي ألزمت الولايات المتحدة الأمريكية و187 دولة أخرى بالحفاظ على ارتفاع درجات الحرارة العالمية دون درجتين مئويتين.

كما لغى “ترامب” خطة الطاقة النظيفة التي وضعها الرئيس “باراك أوباما”، والتي كان من شأنها أن تحد من انبعاثات الكربون من محطات الطاقة التي تعمل بالوقود الأحفوري في الولايات المتحدة الأمريكية.

مظاهرات ضد آراء ترامب المتعلقة بالمناخ
طبيب من نوع خاص

ليست قضية تغير المناخ وحدها التي تبين موقف الرئيس الأمريكي المعادي للعلم، ففي تصريح مثير له عام 2014 أكد “ترامب” أن اللقاحات التي تُعطَى للأطفال للحماية من أمراض الحمى والشلل وغيرها، تؤدي بهم إلى مرض التوحد، وهو الأمر الذي لم يثبت علميًّا.

ومع انتشار فيروس “كورونا” في أمريكا اعتبره “ترامب” مجرد فيروس إنفلونزا، وكان يظن أن الفيروس سينتهي فجأة من تلقاء نفسه، وقال إن “معجزة ستحدث وسيختفي الفيروس”.

ولاحقًا بدأ الرئيس الأمريكي في التعبير عن أفكاره الطبية الخاصة، المتعارضة مع العلم، مثل حقن المصابين بفيروس كورونا بالمواد المعقمة التي تقتل الفيروس على الأسطح. واقترح أيضًا تعريض المصابين للأشعة فوق البنفسجية للقضاء على الفيروس، فيما حذّر العلماء من هذه الاقتراحات “غير الطبية” نظرًا لآثارها الخطيرة على الصحة.

وفي وقت سابق؛ أوصى “ترامب” المصابين بفيروس كورونا بتناول عقار “هيدروكسي كلوروكوين”، وأكد أنه يتناوله لمحاربة الفيروس، ووصف “ترامب” العقار بـ”العلاج المعجزة للفيروس”، لكن العلماء تأكدوا من أن معدل وفيات مرضى فيروس كورونا الذين تناولوا الدواء أثناء وجودهم في المستشفيات “عالٍ للغاية”.

وفي المقابل، حذرت إدارة الغذاء والدواء الأمريكية من استخدام “هيدروكسي كلوروكوين” في المنزل، وقالت إنه يجب استخدامه فقط في المستشفيات وتحت إشراف الأطباء. وقالت الإدارة إن الدواء له آثار جانبية خطيرة، بما في ذلك مشاكل القلب التي تهدد الحياة.

نظريات "ترامب" العلمية

الرئيس “ترامب” لديه نظرياته الخاصة العلمية في مختلف المجالات. فعلى سبيل المثال، يرفض توليد الكهرباء النظيفة بطواحين الهواء، مؤكدًا أنها “تسبب السرطان”. وخلال كسوف شمسي عام 2017 تجاهل “ترامب” نصائح الأطباء بعدم النظر إلى السماء، ونظر بنفسه إلى الشمس.

ترامب ينظر مباشرة لكسوف الشمس.. ويتجاهل التحذيرات

ولم تنجُ اللياقة البدنية من نظريات ترامب الخاصة، فوصف التمارين الرياضية بـ”المضللة”، وتتلخص نظريته الخاصة في أن “الإنسان مثل البطارية يولد بكمية محدودة من الطاقة”. ويرى “ترامب” أيضًا أن الوقت الذي يقضيه الإنسان في ممارسة الرياضة هو وقت ضائع. ويستدل “ترامب” على تلك النظرية بأن أصدقاءه الذين يمارسون الرياضة انتهى بهم المطاف إلى إجراء عمليات جراحية في الركب والمفاصل.

ويعزو “ترامب” معرفته العلمية غير المألوفة إلى “جيناته الجيدة”، مؤكدًا أن تلك الجينات هي السبب في كونه بارعًا وملمًّا بالمسائل الطبية والعلمية، وقال إنه ورث تلك الجينات عن عمّه الذي يصفه بالعبقري العظيم جون ترامب الذي كان مدرّسًا في معهد ماساتشوستس للتكنولوجيا. ويقول “ترامب” إنه اعتاد على مناقشة الأمور العلمية مع عمه طوال الوقت.

الأب الروحي "المفترض"

لم يكذب “دونالد ترامب” حيال عمه جون ترامب، فالرجل تحصّل على الدرجات العلمية من معهد البوليتكنيك في ولاية بروكلين، وجامعة كولومبيا، ومعهد ماساتشوستس للتكنولوجيا، الذي أصبح أستاذًا به في النهاية. وتركزت أبحاث “جون ترامب” في مجال الإشعاع، ومن أبرز أبحاثه تطوير إشعاع موجه يمكنه مهاجمة الأورام بدقة، مما يقلل من تلف الأنسجة المحيطة به.

شخصية العم جون ترامب الإنسانية غير معروفة بالكامل، لكن يظهر من رسائله الموثّقة أنه كان رجلًا يحب الخير ويساعد الآخرين، وأرسل على مر السنين رسائل إلى الأطباء يطلب فيها تخفيض علاج مرضى السرطان.

وفي إحدى الحالات في عام 1963، عرض “جون ترامب” دفع نفقات سيدة عجوز من أحد معارفه. وقدم “جون ترامب” تبرعات متكررة لكلية نسائية التحقت بها ابنته. وساهم في بناء المستشفيات، وجمع الأموال لجامعته بوليتكنيك، والتي منحته جائزة الخدمة العامة في عام 1963.

هناك القليل جدًّا في أوراق “جون ترامب” المتعلقة بابن أخيه “دونالد”. وفي عام 1955 أنشأ ودائع ائتمانية لاثنين من أبناء إخوته، وكلاهما من أبناء أخته “إليزابيث”، وليس لأطفال شقيقه “فريد”؛ والد “ترامب”.

واتخذ “جون ترامب” هذا الاختيار على الرغم من حقيقة أن ابني شقيقته بديا ميسوري الحال بشكل معقول، ويعيشان في نيويورك. وإجمالًا، لا يمكن الجزم باللقاءات المتكررة لجون ترامب مع ابن أخيه دونالد؛ هذا إن وجدت بالفعل كما يشير إليها الأخير في كل مرة يناقض فيها العلم.

عم ترامب الذي يحب الخير ويساعد الأخرين
طريق الخروج من "ترامب"

علماء بارزون حاولوا مواجهة تصريحات ترامب غير العلمية، لكن الأمر صعب، يقول جون هولدرين، عالم البيئة بجامعة هارفارد، ومستشار باراك أوباما العلمي خلال فترتيه الرئاسيتين، إن “تصرفات ترامب المستمرة تشكل خطرًا على الشعب الأمريكي”.

جينا مكارثي، رئيسة مجلس الدفاع عن الموارد الطبيعية في الولايات المتحدة الأمريكية، ترى أن العلم يتعرض للهجوم في الوقت الحالي من ترامب، وقالت إنها تخشى أن تكون أمريكا غير قادرة على تحمل الهجوم المناهض للعلم الذي يشنه ترامب، وسجل اتحاد العلماء المهتمين؛ وهو منظمة أمريكية غير ربحية تأسست منذ أكثر من 50 عامًا، ما لا يقل عن 140 هجمة كبيرة من إدارة ترامب على الأمانة العلمية.

جينا مكارثي.. رئيسة مجلس الدفاع عن الموارد الطبيعية في أمريكا

ووفقًا لصحيفة “الجارديان” البريطانية فإن معاداة ترامب للعلم لا تتوقف فقط عند طرح النظريات الخاطئة والمضللة، والتي تشكل خطرًا على المجتمع الأمريكي. بل يؤدي هذا إلى انتشار وتشجيع مجموعات العلوم الزائفة، والنظريات الخاطئة، ونظريات المؤامرة التي بدأت في الانتشار في الولايات المتحدة الأمريكية ومنها إلى بقية العالم.

Share on facebook
Facebook
Share on twitter
Twitter

قصة

إسلام عبدالوهاب

صحفي مصري

مشاركة

أحمد بيكا

رسوم

Start typing and press Enter to search