الإنشاد الصعيدي

ديوان بوح الجنوب

Share on facebook
Facebook
Share on twitter
Twitter

على سعة دلالة كلمة (الإنشاد) قديمًا، وارتباطها بإلقاء الشعر على السامعين، فقد تخصصت في زماننا بغناء الشعر ذي الموضوعات الدينية، غيرَ مصحوب بالموسيقى أو مصحوبًا بها، هذا الاختصاص لم ينف عنها سعة الدلالة داخل معناها الجديد، فقد تنوعت فنون الإنشاد بتنوع البلدان والثقافات، ولا يخلو بلد إسلامي من فن إنشاد مرتبط بالموضوعات والمناسبات الدينية، كإنشاد المشايخ القاهريين الذي أرسى أسسه كبار القراء المنشدين كالشيخ علي محمود والشيخ إبراهيم الفران والشيخ محرز سليمان والشيخ طه الفشني قبل أن يتعمق الفصل بين تخصصيْ التلاوة والإنشاد، وكإنشاد المشايخ الشاميين الذي اشتهر به توفيق المنجد وحمزة شكور وحسن أديب وغيرهم.

وبينما أدى تطور كثير من هذه الفنون إلى دخولها حيز النخبوية وابتعادها مسافة عن الجمهور العامي، فإن إنشادًا آخر في صعيد مصر بقي مرتبطًا أشد الارتباط بغناء الناس وأنغامه وإيقاعاته وطرائقه، وظل يتصدر احتفالاتهم الدينية والاجتماعية، بين الموالد والحضرات والأعراس، يحتشد له الناس في الساحات، ويجتمع له القرويون البسطاء من كل حدب وصوب، ويشاركون فيه بالتصفيق والتوقيع ورقص الذكر.

حاضنة صوفية

(الواو) و(الكف) و(النميم) و(الموال) و(المثلوث) و(المسبوع) و(الفرش والغطا) و(السيرة الهلالية) مصطلحات كثيرة لأشكال متنوعة من الغناء في الصعيد، وأحيانا للشعر المغنى أيضا، تنوع كبير يشهد بثراء المخزون الغنائي في جنوب مصر، ويجعل من البديهي وجود إنشاد ديني ثري نوعًا وكمًا.

بين هذه الفنون جميعا ظهر الإنشاد أو (المدح) كما يُسميه أكثر أهل الصعيد، مرسلا وموقعًا بالإيقاعات الراقصة التي اشتهر بها الصعيد حتى نُسب أشهرها إليه في اصطلاح الموسيقى العربية (الصعيدي وزن 4/4) ومغردًا بالمقامات الذائعة في صعيد مصر كالبياتي والصبا والرست، ما أكسبه هوية صعيدية واضحة في أذن المستمع.

ورغم أن الإنشاد الديني موجود في كل المجتمعات المسلمة، فقد ازدهر في الصعيد بدرجة لافتة لم يحظ بمثلها في الوجه البحري أو أي إقليم آخر في مصر، وهذا يردنا إلى اتساع نفوذ الطرق الصوفية في الصعيد، وكثرة أتباعها، وانتشار الأضرحة واستمرار إقامة عدد كبير من الموالد في مواسمها السنوية، وبخاصة في الصعيد الأعلى، الذي يشكل أهله الشريحة الكبرى من جمهور الموالد الكبرى، لا فيه فقط بل في القاهرة والدلتا كذلك، والذي يندر أن تجد فيه إنسانا لا ينتمي إلى طريقة صوفية أو يمدُّ إليها بسبب، ولأن الصعيد الأعلى لم يبلغ فيه المدُّ السلفي خلال الثمانينيات والتسعينيات درجةً تستحق الذكر بخلاف سائر أقاليم مصر.

الليلة الختامية لمولد عبدالرحيم القنائي

هكذا وفرت الحاضنة الصوفية المناسباتِ والأماكن والمريدين والسميعة، ووفرت شريحة واسعة من الجمهور في الصعيد وسائر مصر، يتداولون أشرطة المنشدين حتى ذاعت شهرتهم وعبرت الحدود والبحار.

وصلة الذكر

سرادق شعبي في قرية عند بيت أحد كبرائها، أو في مدينة بجوار ضريح أحد أوليائها، يتصدره مسرح بدائي يقف عليه مُنشد بثياب صعيدية كاملة، عمامة وجُبة وشال، وقد تزيد عليها عباءة، تجلس خلفه في حلقةٍ فرقةٌ صغيرة من أربعة إلى خمسة عازفين، وعلى أطراف المسرح يقف بعض أصحاب الليلة، ومعاوني المُنشد، ومن يستطيع الوصول إلى هذه النقطة من المريدين والمحاسيب الذين يحرصون على أن يبقوا بالقرب لصفاء السماع والمشاهدة، رغم انشغالهم برقص الذكر بعد ذلك.

في قلب ساحة السرادق يتزاحم الناس واقفين ليبدأوا رقص الذكر مع انتظام الإيقاع، وعلى أطراف الساحة يقف من لا ينوي الرقص، ومن يعرف من نفسه التعب، ويجلس من وجد له مقعدًا.

العزف يبدأ أولًا، موقَّعًا، ليدخل المنشد في الأجواء، دقائق تمر في دورات إيقاعية بطيئة تحمل جُملًا موسيقية متشابهة قبل أن يبدأ المنشد إنشاده مغمضَ العينين مرتفع الوجه مستحضرًا حالة المناجاة.

من أحد ثلاثة مقامات (البياتي والرست والهزام) يبدأ الإنشاد، بطيئًا مع الإيقاع، يستغرق المنشد في الأجواء ويُجلّي صوته ويجلو روحه حتى تستوي على جادّتها، فيُسرّع الإيقاعَ بالتدرُّج البطيء، تتبعه الفرقة، وبعد نحو من عشر دقائق تبدأ القفلات ويصيح الزحام وجدًا وحُرقة.

بعد نصف ساعة تقريبًا يكون الجمهور قد بلغ قمةً أولى من الوجد، يختمها المنشد بقفلة آسرة قبل أن يسكت قليلًا للراحة، وتبطئ الفرقة الإيقاع وتعزف دقائق دون إنشاد، وقد ينفرد أحد العازفين بتقسيمة طويلة، قبل أن يرجع المنشد على إيقاع أبطأ مما بدأ به، مسترسلًا فيه مسترخيًا، فيهدأ الجمهور وتتباطأ وتيرة الرقص، فيأخذ الناس أنفاسهم قليلًا.

ربع الساعة تقريبًا قبل أن يعود المنشد إلى تسريع الإيقاع والخوض بالذاكرين في غمار الشجن، خلال ما مضى من الوصلة يكون قد أجرى نقلة مقامية أو اثنتين، إن بدأ بالبياتي فإلى الصبا ثم إلى الرست، وإن بدأ بالرست أو الهزام فإلى البياتي ثم الصبا، ونادرًا ما يقترب المنشدون من مقامات رئيسة أخرى، لكنهم قد يفعلون.

يتدرج المنشد بالإيقاع حتى يبلغ به سرعةَ نصف الساعة الأولى، ثم يتجاوزها حتى يلهث الراقصون وراءه، ويكون بلوغه أسرع إيقاعٍ ممكن إيذانًا بقرب انتهاء الوصلة، والذي يُعلنه رسميًا بنداء طلب المدد مشفوعًا بأسماء آل البيت والأولياء.

هذا هو سير الوصلة المعتاد في ليالي الموالد والأفراح، وتختلف الوصلات التي تقام في المراكز الثقافية الرسمية بأنها تبدأ بجزء مرسل بلا إيقاع، فيما تخلو الحفلات التي تقام خارج مصر من الإيقاع كليًا، لخلو الجمهور من (الذكّيرة) الذين يرقصون عليه.

تاريخ وأعلام

(الشيخ الغنيمي) و(الشيخ الشبيتي) و(الشيخ عبد الحي النزّاوي) و(الشيخ أحمد سمور) وابنه (الشيخ محمد سمور) أسماء تتصدر أولى الحلقات المعروفة من تاريخ المدح/ الذكر/ الإنشاد الصعيدي، ذاع صيتهم محليًا في حدود الصعيد خلال الخمسينيات والستينيات.

ولشُحٍّ شديد في تسجيلاتهم نجد من العسير تحقيقَ الملامح الأسلوبية للإنشاد الصعيدي في تاريخه الأول، لكن لحُسن الحظ فقد بقي لبعضهم تسجيلات تُعد على أصابع اليد الواحدة، رُفع بعضها على اليوتيوب، ويمكن الاستئناس بها في محاولة التعرف على هذه الحقبة الغامضة من تاريخ هذا الفن النابع من نيل الصعيد وجباله.

كانت نصوص الإنشاد من الشعر الصوفي، لكن يتخلله كثير من الشعر العامي والعبارات العامية والليالي، حتى قد تزيد حصتها من الليلة عليه، وفي تسجيلين متاحين للشيخ الشبيتي نجده يُنشد بدون أي عزف مصاحب ولا إيقاع، أما النزاوي فيُنشد بمصاحبة الإيقاع فقط، وأما محمد سمور فطريقته في الإنشاد أقرب ما تكون إلى قراءة القرآن.

التوني.. نقلة كبرى

خلال النصف الثاني من القرن العشرين سيكون هذا الفن على موعد مع الرجل الذي سينقله النقلة الأولى إلى النضج والشهرة، الشيخ أحمد التوني المولود في قرية الحواتكة بمركز منفلوط بمحافظة أسيوط عام 1932 والمتوفى عام 2014
بقصائد من الشعر الصوفي التراثي، وبأشعار فصيحة نظمها شعراء محليون مُحدثون، وبصوته الرطب العذب أطرب التوني جمهوره وأشعل سرائره وجدًا، لم يكن يُداخل بين الشعر الفصيح كثيرا من العبارات العامية كالمنشدين قبله، مُحلّيًا أداءه بكثير من الآهات، وزخارف كان يصنعها بتكرار حرف واحد يَحسُن له في سياقه تكراره، كاللام من (لا) والميم والنون.

ملامح أسلوبية أخرى تميز أداء التوني، أهمها المزاوجة بين الجواب والقرار، وضبطه لإيقاع الأداء بالنقر بمسبحة على كاس في يده، نقرًا مسموعًا يمكن تمييزه في التسجيلات الصوتية. في بداياته لم يكن يصاحبه إلا نقراته على الكأس، ومع الزمن والشهرة اكتملت خلفه فرقة موسيقية فيها الإيقاع والعود والكمان والناي، لكنها في كثير من الحفلات كانت تستعير لوازم من أغاني أم كلثوم للفواصل بين فقرات أداء الشيخ.

على يد التوني أخذ هذا الفن شكله الذي نعرفه، وثبت له اختصاصه بالشعر الصوفي الرفيع، وطُبعَت له الأشرطة وسُوّقت مع نشأة شركات الإنتاج المحلية في المحافظات، فاتسعت جماهيريته وامتدت خارج الصعيد، واستكملت محافظات مصر، قبل أن يخرج التوني إلى العالمية، ويُنشد في دول أوربية، ويُشارك في تجارب تطعيم الإنشاد الصعيدي بفنون الأمم الأخرى مرات عديدة أشهرها تجربة (الفلامنكو الصعيدي).

التهامي.. طرب الذكر

مع سبعينيات القرن العشرين كان هذا الفن على موعد مع الرجل الذي سيرفعه إلى أعلى قممه، ويبلغ به أعلى درجات الشهرة والعالمية، ذاك هو ابن أخت أحمد التوني، ياسين التهامي المولود في قرية الحواتكة بأسيوط عام 1949
استغل التهامي النقلة الكبرى التي نُقلها الفن على يد التوني، وانطلق منها إلى نقلة أخرى أوسع على مستويات الكلمة والنغم والأداء.

ياسين التهامي

تزود ياسين التهامي بأمهات قصائد الشعر الصوفي، فأنشد منها عددًا هائلًا، حتى تكاد حفلاته تكون ديوانًا منغمًا لابن الفارض، ولغيره من كبار شعراء الصوفية، الحلاج وابن عربي ورابعة وغيرهم، فجعل كلمات إنشاده من الطبقة العليا من الشعر، ونحّى العبارات والأبيات العامية التي كان مَن قبله يخلطونها بالشعر الفصيح، باستثناء عبارات طلب المدد، وكان لهذا أثر كبير في رفع قيمة الفن كليًا، ورفع ذائقة الجمهور الذي يتشكل معظمه من العوام والبسطاء، حتى صارت أمهات القصائد الصوفية خلفية صوتية معتادة في الأسواق والدكاكين والميكروباصات.

أما على مستوى النغم فقد أنجز ياسين التهامي نقلة فارقة في شعبية كل فن سماعي، أنجزها قبله في التلاوة الشيخ مصطفى إسماعيل، وفي التلحين رياض السنباطي، ألا وهي تجويد القفلات وتطويرها، وتثبيت قيمتها كغاية للبناء النغمي تبلغ بالمستمع قمة الوجد والنشوة، وعرفَت (القفلات الحراقة) طريقها إلى ليالي (الذكر) وقلوب (الذكّيرة).

بفضل هذه النقلة الفارقة اكتسب الإنشاد الصعيدي مساحة واسعة من الجماهيرية خارج نطاقه الطبيعي، وصار مزاجًا لملايين على مستوى العالم ليسوا صوفية ولا صعايدة، ولا يربطهم بهذا الفن إلا قيمته الموسيقية.

لم تقتصر بصمة ياسين على القفلات، فقد بلغ بالانتقالات المقامية درجة عالية من الانتظام وحُسن التمهيد والبناء المنطقي، أكسبَت الوصلة كلها بنية نغمية متماسكة تحافظ على الحالة الشعورية للمستمع وتنقلها بعناية من مرحلة إلى أخرى.

التوني

أما في الأداء، فقد تفوق ياسين على التوني – الذي يفوقه في نداوة الصوت – بمقدرة عالية على التواجد والتباكي والتعبير بصوته عن الحالات الشعورية، وحُسن إدارته لصوته والاحتفاظ بلياقته زمن الوصلة كاملًا.

بفضل الشيخ ياسين التهامي، صار فن الإنشاد الصعيدي معروفًا لكل مصري يسمعه أو لا يسمعه، وجاب العواصم العربية والأوربية وفرض احترامه على المستمع الأجنبي الذي لا يعرف العربية، ولهذا المبلغ الكبير من النضج الذي بلغه الفن على يديه اتبع طريقتَه كثير من المقلدين والمتأثرين.

سؤال المستقبل

بعيدًا عن تأثير ياسين التهامي يبقى اسم يحظى بكثير من الشعبية خاصة في جنوب الصعيد، هو المنشد (أمين الدشناوي)، أما داخل الجاذبية التهامية فيتزاحم عدد كبير من الأسماء على رأسها أولاد ياسين التهامي (محمود) و(محمد) و(مهدي) وقد احترف ابنه الأكبر (محمود التهامي) الإنشاد منذ مدة طويلة، حتى أحرز شهرة واسعة، وأسس حديثًا نقابة المنشدين وصار أول نقيب لها، أما خارج العائلة التهامية فتبرز أسماء أخرى ذات حظوظ من الشعبية في الصعيد مثل (عاطف الصعيدي) و(عامر حجاج) و(عليوة ثابت عليوة) و(محمد السنباطي) وأسماء كثيرة تملأ ليالي الصعيد ومناسباته وجدًا.

ويبقى سؤال المستقبل لهذا الفن: ما الذي تستطيع الأجيال الجديدة من المنشدين إضافته على منجَز التوني والتهامي دون أن يفقدَ الوهج الذي بلغه على أيديهما؟ أم عليه بعد هاتين النقلتين الفارقتين أن يستريح قليلًا في دوامة التقليد والتأثر، ريثما تتبين النقلة القادمة؟
سؤال ينبغي أن يدور في رؤوسهم، وهي تدور وَجدًا، وتدور معها رؤوس المئات من (الذكّيرة) وأفئدتهم، ليبقى حبل الطرب ممتدًا.

قصة

عبد الرحمن الطويل

بمشاركة

أحمد بيكا

رسوم و جرافيك

طه حسين

فيديوجرافيك

Start typing and press Enter to search