وجهات نظر

الاتجاهات الفرنسية في قراءة “الإسلام السياسي”

منتصر حمادة

 

بعد مرور عقد ونصف العقد على صدور كتاب “الصراع على الإسلام” للمفكر اللبناني رضوان السيد، وعلى هامش المشاركة في مؤتمر بمدينة البندقية الإيطالية، في ديسمبر/ كانون الأول 2017، كان من بين المشاركين فيه رضوان السيد، إلى جانب مجموعة من الباحثين العرب والأوروبيين، للاشتغال على واقع الظاهرة الإسلامية الحركية في القارة الأوروبية عمومًا.. كنا من المكلفين من قبل إدارة المؤتمر بالتعقيب على إحدى الجلسات العلمية للمؤتمر، وأشرنا حينها إلى أنه إذا كان رضوان السيد قد ألّف كتاب “الصراع على الإسلام” في المنطقة العربية حينها، والذي صدر في 2004، فإنه آن الأوان للاشتغال على معالم “الصراع على الإسلام الأوروبي” اليوم.

في هذا السياق، نتوقف في هذه المقالة، عند ما يُشبه أنماط القراءات البحثية الفرنسية التي تناولت الظاهرة الإسلامية الحركية بالتحديد، ولا نتحدث عن تناول الشأن الديني الإسلامي، لأن هذا الحقل هناك مفتوح على فاعلين صوفيين، وسلفيين، وأنماط أخرى من التدين، بما فيها ما يصدر عن المؤسسات الدينية التابعة لدول عربية وشرق أوسطية عمومًا، أو ما يُصطلح عليه بـ”إسلام القنصليات”، لذلك حديثنا يهم التفاعل البحثي مع التيار الإسلامي الحركي أولاً وأخيرًا.

يمكن تصنيف ما يصدر هناك عبر التوقف عند إصدارات الجيل الأول (أوليفيه روا، جيل كيبل، فرانسوا بورغا، أنطون بسبوس، ألكسندر ديل فار…) أو الجيل الثاني (فانسان جيسر، سمير أمغار، طوماس غينولي، محمد علي العدراوي…) والجيل الثالث (يضم على الخصوص أقلامًا فرنسية من أصل مغاربي، منها على سبيل المثال لا الحصر، حواص سنيقر، من أصل جزائري، ومحمد لويزي من أصل مغربي).

ارتأينا تبنّي تصنيف مرتبط بطبيعة المقاربة المنهجية ذات الصلة بالمشروع الإسلامي الحركي، بين من يُؤيد المشروع، باسم العمل البحثي، أو يعارضه، أو يأخذ مسافة، لنقل إننا نتحدث عن تصنيف مرتبط بأولوية الولاءات: للأيديولوجية أو للمعرفة، وبيان ذلك كالتالي:

ــ هناك باحثون يعارضون المشروع الإسلامي الحركي، طولاً وعرضًا، ويتضح ذلك في مضامين ما يصدر عنهم، ونجد ضمن هؤلاء الباحث جيل كيبل، الذي يُعتبر أحد أهم الخبراء الفرنسيين المتخصصين في قضايا المنطقة العربية وملف الحركات الإسلامية، إلى جانب أسماء أخرى، لعل أشرها ما يصدر عن محمد سيفاوي، من منظور أمني صرف، بخلاف السائد مع أعمال جيل كيبل.

ــ وهناك في المقابل، باحثون يؤيدون الظاهرة ولا يأخذون مسافة منها، وإن تطرقوا إلى قلاقلها، فغالبًا ما يُركزون على نقد صناع القرار في المنطقة العربية والقوى العظمى، مقابل الصمت عن نقد الإسلاميين، ونجد في مقدمة هؤلاء الباحث فرانسوا بورغا، وليس مصادفة أن هذا الباحث ضيف قار على إسلاميي المنطقة، خاصة في المغرب وتونس (آخر لقاء شارك فيها بورغا هنا في المغرب، نظمته مؤسسة محسوبة على مَجَرة حركة التوحيد والإصلاح وحزب العدالة والتنمية، وآخر حوار معه، نشرته صحيفة مغربية مقربة من إسلاميي المَجَرة ذاتها).

ــ نأتي للتيار الثالث، وهو التيار الذي يحاول التوفيق بين الاشتغال البحثي على الظاهرة مع أخذ مسافة: إنها تحاول فهم الظاهرة، وليست معنية بإعلان الولاء لها أو نقدها بصراحة، ويوجد في مقدمة هؤلاء الباحث أوليفيه روا بأعمال مرجعية، بعضها تُرجم إلى العربية، ونذكر من بين أهم أعماله: “فشل الإسلام السياسي”، “الإسلام المُعولم” [صدرت ترجمتان بالعربية، واحدة هنا في المغرب، وأخرى في لبنان عن دار الساقي]، “الجهل المقدس”، وأعمال أخرى، ويمكننا أن نذكر أيضًا المؤرخ وعالم الاجتماع الفرنسي إيمانويل طود، والذي أصدر كتابًا أسال الكثير من المِداد مباشرة بعد اعتداءات “شارلي إيبدو”، وعنوانه: “ما هي [أزمة] شارلي؟ أزمة سوسيولوجية دينية”، وسَلّط الكتاب الضوء على مواقف النخبة السياسية والفكرية من الدين على الخصوص، خاصة المسيحية والإسلام، هناك في الساحة الفرنسية.

ما يهمنا أكثر في هذا السياق هو حضور الأسماء البحثية المغاربية بالتحديد، باعتبار الحضور المغاربي الكبير هنا (مقابل الحضور التركي الكبير في الحالة الألمانية مثلاً)، حيث تبرز عدة أسماء شابة، يتقدمها الباحث سمير أمغار الذي اشتغل كثيرًا على الحالة السلفية والإخوانية في فرنسا وأوروبا، أو محمد علي العدراوي، وهناك حواص سنيقر، إضافة إلى محمد لويزي، الذي بزغ نجمه هناك بشكل لافت مع صدور كتاب غني بالمعطيات والوقائع والمفاتيح، والحديث عن كتابه “لماذا انفصلت عن الإخوان المسلمين؟”، حتى إن مضمون الكتاب يتقاطع نوعًا ما مع بعض مضامين كتاب جيل كيبل وعنوانه “جينيالوجية الحالة الجهادية في فرنسا”، وأحد أعمال ميشيل أنفريه وعنوانه “التفكير في الإسلام”.

ولو قارنا مضامين هذا الكتاب بالذات مع غالب ما صدر هناك في الساحة الفرنسية، وحتى مع غالب ما صدر في الساحة المغربية، نجد أنه أشبه بشهادة من الداخل، وشهادة موثقة، بالمعطيات والوقائع، ويُقدم خدمة للباحثين وللعامة والخاصة على السواء، وبالتحديد للذين يرغبون في قراءة الظاهرة الإسلامية الحركية، كما أنه يُغذي بنحو عَمَلي بعض الانتقادات التي غالبًا ما توجَّه للمشروع الإسلامي الحركي (الإخواني، السلفي، “الجهادي”.. إلخ) ونتحدث عن الانتقادات الوجيهة والموضوعية.

ومعلوم أنه من فرْط التماهي الذي يقيمه الفاعل الإسلامي الحركي بين الدين والتديّن، غالبًا ما تُقرأ هذه الانتقادات على أساس أنها مُوَجّهة للدين، مع أن الأمر خلاف ذلك، ولكن هذا واقع لا يرتفع، وسيبقى الأمر كذلك ما بقي هذا التماهي بين الدين والتديّن عند مُجمل المشاريع الإسلامية الحركية. ومن هنا أهمية بعض الأعمال البحثية التي تشتغل على إحداث هذا التمييز النظري بين الدين والتديّن، دفاعًا عن الدين، وليس دفاعًا عن تيار أو جماعة أو حزب.

نقول هذا ونحن نأخذ بعين الاعتبار أن كتاب لويزي سالف الذكر، يُعتبر جسرًا بين القراءات الأيديولوجية والقراءات المعرفية للظاهرة الإسلامية الحركية، وبيانُ ذلك من 3 أوجه على الأقل:

ــ أولها أن السائد بحثيًّا، بله إعلامي في التعامل مع هذه الظاهرة، موزع عمومًا على خياري التقديس والشيطنة، كما سلف الذكر، من منطلق أن المرجعية هنا مرجعية أيديولوجية أساسًا، وليس مرجعية معرفية، حتى لو زعمت خلاف ذلك، بمعنى حتى لو زعم هذا الباحث أو الكاتب الانتصار للمرجعية العلمية عوض المرجعية الأيديولوجية في تناول الظاهرة، فإنه غالبًا ما تكون الخلاصات تصب في صالح توجهه الأيديولوجي، ويكفي مثلاً، قراءة مقالات ودراسات الكتاب والباحثين الإسلاميين في تعاملهم مع الظاهرة، بحيث يصل الأفق الأيديولوجي إلى مقام نقد بقية الأيديولوجيات الإسلامية المنافسة على النطق باسم هذا الفصيل الإسلامي الحركي.

ــ وثانيها أن الكتاب يعج بالمفاتيح التي تساعد الباحثين الراغبين في الانتصار لمقتضى المسؤولية العلمية في التعامل النقدي مع الظاهرة، وليس الانتصار لمقتضى الانتماء الأيديولوجي.

ــ نأتي للوجه الثالث، والذي يخوّل لناقد الكتاب تصنيف كتاب لويزي في خانة المؤلفات التي تقترب أكثر من القراءات العلمية النقدية للظاهرة منه إلى القراءات الأيديولوجية، فقد عاينّا أن ما حصل مع أبي المؤلف، بخصوص النهل من ثقافة عامة ساعدته على عدم السقوط في تقديم البيعة لهذا المشروع الديني الطائفي أو غيره، هو عين ما حصل مع مؤلف الكتاب لاحقًا، من خلال اطلاعه وانفتاحه على أسماء بحثية، تفكر من خارج النسق الفكر الإسلامي، أي من خارج “نظام الفكر” الإسلامي الحركي، إذا استعرنا دلالات مفهوم “أنظمة الفكر” كما سطرته أعمال ميشيل فوكو، وخاصة ما حرره في كتابه الشهير “الكلمات والأشياء”.

ومما ساعد المؤلف على تحرير هذا العمل النوعي، كونه منفتحا معرفيًا، ما دام قد تحرّر من السياج الديني الأيديولوجي الذي كان ينتمي إليه، أي سياج العقل الإسلامي الحركي، حيث تتضح معالم انفتاح الأفق المعرفي للمؤلف من خلال تأمل مراجع الكتاب، ونذكر من بين الأسماء: الباحث سمير أمغار (المتخصص في الظاهرة السلفية الوهابية)، الروائي البرازيلي باولو كويلهو، الباحث الفرنسي باسكال بونيفاس، المفكر المغربي عبدو فيلالي أنصاري، المفكر الفرنسي الراحل رينيه جيرار، والذي اشتهر من خلال ترجمة كتابه عن “العنف والمقدس”، الروائي الفرنسي من أصل لبناني أمين معلوف، الراحل عبد الوهاب المؤدب الذي أصبح ينهل من المرجعية الصوفية في آخر أعماله ومواقفه، المفكر التونسي محمد الطالبي، الداعية جودت سعيد، أحد رموز تيار “اللا عنف” في الساحة الإسلامية، ولائحة عريضة من الأسماء.

بالنتيجة، يتضح أن ارتفاع أسهم الظاهرة الإسلامية الحركية في الساحة الفرنسية والأوروبية عمومًا، أسهم في تكريس فوارق في التناول البحثي، فالأحرى التناول الإعلامي، ليبقى التحدي الكبير أمام المتلقي يكمن في الظفر بأعمال رصينة، تتضمن مفاتيح نوعية لقراءة ظاهرة يتأكد يومًا بعد يوم أنها تسببت لنا في عدة مشكلات مع أنفسنا ومع العالم، أقلها، ما دمنا نتحدث عن الساحة الفرنسية والأوروبية، تغذية ظاهرة الإسلاموفوبيا والعنصرية والتشدد اليميني الأوروبي، ولن تكون آخرها، تبعات خطاب 2 أكتوبر/ تشرين الأول الماضي، الصادر عن الرئيس الفرنسي، وإعلانه عن الخوض الفرنسي الرسمي في التصدي لمعضلة الانفصالية الإسلاموية.

 

منتصر حمادة

كاتب وباحث مغربي

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى