زوايا

الانتحار في العالم القديم.. قصص الهاربين من وجع الحياة

يعتبر كيفية فهم فعل الانتحار أحد المحددات المركزية لمعنى الحياة البشرية، وكما قال الفيلسوف ألبير كامو يوما ما: “لا توجد سوى مشكلة فلسفية حقيقية واحدة، وهي الانتحار”.

تعريف الإنسان بوصفه “كائن لديه القدرة على الانتحار” هو أحد أكثر التعريفات غرابة وتعقيدا وإزعاجا، وبحسب بلينيوس الأكبر (التاريخ الطبيعي، 2، 27)، لا يوجد حيوان أو إله قادر على أن يقتل نفسه، فقط الإنسان يمكنه أن يفعل ذلك.

فهم الأفعال الانتحارية مسألة مهمة، ليس في الفلسفة فحسب، ولكن أيضا في السوسيولوجيا وعلم النفس والأنثروبولوجيا الثقافية والطب، ومع ذلك، في مجال دراسات الشرق الأدنى القديم، بما في ذلك دراسات الكتاب المقدس العبري، لم يحظ “الانتحار” بدراسات معمقة أو مطولة، وهكذا، قمت بدراسة “الانتحار” في كتابي الجديد: Der Tod von eigener Hand.. فكيف أضفى إنسان الشرق الأدنى القديم المعنى على الأفعال الانتحارية؟

ممارسة لا تجد اسمها

أولا، يجب أن نتعامل مع المشكلة الدلالية للكلمة، إذ لا نعثر على مصطلح الانتحار في النصوص القديمة.. في الكتاب المقدس العبري، وكذلك في ثقافات الشرق الأدنى القديم، لم يتم ابتكار أي اسم مجرد للإشارة إلى فعل ارتكاب الانتحار.. بدلا من ذلك، كان لا بد من صياغة جمل كاملة للتعبير عن رغبة المرء في الانتحار.

ثانيا، يتطلب فهم الأفعال الانتحارية النظر إلى ما كانت تعنيه في الثقافات القديمة.. تتحدث التفسيرات السابقة للأفعال الانتحارية في الكتاب المقدس العبري في الغالب عن السبب، خاصة المرض العقلي أو الخطيئة.. على سبيل المثال، تم تفسير انتحار شاول في ساحة القتال ضد الفلسطينيين على أنه حالة “سوداوية”، وهو “مرض عقلي”، أو نتيجة إدانة الله ورفضه.

في المقابل، أركز هنا على الدوافع والمعاني القائمة وراء الأفعال الانتحارية.. ما أهداف ونوايا المنتحرين، وما أهداف فعل الانتحار؟ من وجهة نظر المنتحر، فإن الأفعال الانتحارية هي محاولات لحل مشاكل الحياة الكبرى.. ويجدر بنا أيضا مساءلة مؤلفي النصوص التي تصف الأفعال الانتحارية.. ما نواياهم من وصف هذه الأفعال؟

في كتابه “الانتحار” عام 1975، يميز جان بايشلر بين أربعة أنواع رئيسية من الانتحار:

الانتحار كوسيلة للهروب من المواقف غير المحتملة، والانتحار كوسيلة للاعتداء، إما لإشباع رغبة الفرد في الانتقام أو لإغراء أو حتى ابتزاز شخص آخر، والانتحار كوسيلة للعبور وصولا إلى هدف معين، سواء في هذا العالم أو في العالم الآخر، والانتحار كوسيلة من وسائل الهزل، والمخاطرة بحياة الفرد من أجل ربح الرهان.

هروبا من خزي الهزيمة

لا يمكن أن نعثر على كل هذه الأنواع في ثقافات الشرق الأدنى القديمة أو التوراتية (خاصة انتحار الهزل)، ولكن معظمها يفيدنا عند تفسير الأفعال الانتحارية في هذه الثقافات، ويبدو أن أكبر عدد من حالات الانتحار يمكن تصنيفه كوسيلة للهروب من المواقف غير المحتملة.. ويمكن تمييز هذه الحالات بشكل أكبر وفقا للسياقات.. على سبيل المثال، تظهر الأفعال الانتحارية بشكل متكرر في أثناء الحروب وكجزء من “رموز” الحرب.

عندما تقع حالات الانتحار في ظل ظروف عسكرية، فإنها تبدو في الغالب كأنها هروب من الواقع، خاصة طعن النفس بالسيف في ساحة المعركة، والأمثلة على تلك الحالة من الكتاب المقدس: أبيمالك وشاول، ومن المصادر الآشورية الجديدة: نبوبلسوماتي، الذي يخشى تسليمه للآشوريين ويطلب من حامل سلاحه أن يطعنه، وأورتاك من إمبراطورية عيلام، وأورسا من مملكة أورارتو، الذي “أنهى حياته بسلاحه بسبب خوفه الشديد”، بحسب المصادر الآشورية الجديدة.

بينما اختارت شخصيات أخرى الانتحار عن طريق حرق أنفسهم وممتلكاتهم في أثناء حصار مدينتهم، حتى لا يقعوا أسرى في أيدي العدو، كما في حالة الملك التوراتي زمري: “ولما رأى زمري أن المدينة قد أخذت، دخل إلى قصر بيت الملك وأحرق على نفسه بيت الملك بالنار فمات” (سفر الملوك الأول 18:16)، والأخبار المتعلقة بوفاة ملك ليديا كرواشوس، وبموت شاماشوموكن، الذي أُطلق عليه لاحقا اسم ساردانابالوس، آخر ملوك الإمبراطورية الآشورية.

تُصنَّف حالة الانتحار العسكري –طعنا بالسيف في ساحة المعركة أو الحرق في المدينة المحاصرة– من حالات الهروب من الواقع.. وينطبق الشيء ذاته على ما يسمى بـ”الانتحار العقلاني” أو حالات الانتحار المدفوعة بمقارنة المصائر.

في الحالة الأخيرة، يقوم المرء بتقييم (أو موازنة) حياته وينظر إليها بوصفها “حياة لا قيمة لها ومخزية”، ثم يستهدف المرء بعد ذلك الفرار من هذا الوضع غير المحتمل، عن طريق شنق نفسه غالبا.

في الكتاب المقدس، تشمل مثل هذه الحالات الشهيرة: أهيتوفيل، وسارة، ويهوذا، ومن الأمثلة على تلك الحالات أيضًا: الأسطورة اليونانية عن رجل بلاد ما بين النهرين: أونس، والحكيم المصري أمينوفيس، وربما الساحر المصري نانيفركابتا، الذي نعرفه من القصة الديموطيقية عن ستني خمواس وسي- أوسير.

انتحار الجنود البابليين قبل مواجهة الاستسلام

خلاص أحمق

تقدّم لنا تلك المواقف غير المحتملة، وهي مواقف نموذجية لتمثيل مجتمعات تنقلب رأسا على عقب، سياقًا آخر لتناول الانتحار.. على سبيل المثال يرسم لنا أدب الحكمة المصري في عصر الدولة الوسطى، مثل بردية معاتبة إيبوير[1] والرجل الذي سئم الحياة، صورا للفترة الانتقالية الأولى (نحو 2150-2040 قبل الميلاد) تُظهر حياة فوضوية ولا يمكن احتمالها، حيث ينتحر الناس هربا من عوالم مقلوبة على رأسها، بهدف ما يسمى بـ”الموت الثاني” حرقا بالنار أو بأن تأكلهم التماسيح، وهو موت يتجاوز فكرة التحنيط والحياة الأخرى.

وفي بلاد ما بين النهرين، يبدو نص “محاورة التشاؤم” الأكادي، الذي يجري بين أحد السادة وخادمه ويرجع إلى عام 700 قبل الميلاد، كأنه يسخر من الحياة التي لا معنى لها ويقترح الانتحار كوسيلة خلاص حمقاء من بين وسائل أخرى أيضا.

امتياز قتل النفس

ثمة نوع آخر من انتحار الهروب نجده في السياقات القانونية.. في عالم تحكمه قيم الشرف والعار، قد ينتحر المرء المحكوم عليه بالإعدام لتجنب إعدامه بواسطة الآخرين.. وقد يكون هذا هو ما حدث مع الملك القبرصي بطليموس ماكرون، وكذلك مع حالات الانتحار التي أعقبت “مؤامرة الحريم”، التي دُبرت ضد رمسيس الثالث.. فعندما فشلت هذه المؤامرة، حُكم على العديد من المتآمرين بالإعدام، ولكن مُنِح أصحاب المكانة الاجتماعية المرموقة فرصة لقتل أنفسهم قبل إعدامهم.

وفي عام 2012، كشف فحص مومياء رمسيس الثالث عن وجود قطع في الرقبة مغطى بتميمة، كما توجد مومياء أخرى من المحتمل، بحسب التحليل الجيني، أن تكون للأمير بنتاؤر، أحد المتآمرين الرئيسيين ضد رمسيس الثالث.

يبين فحص هذه المومياء تهتًّك جلد الرقبة وانتفاخ الرئتين، ما يشير إلى أنه مات خنقا أو مشنوقا. وقد يدعم هذا الفرضية القائلة بأن رمسيس الثالث لم ينجُ من المؤامرة، وأن الأمير بنتاؤر وغيره من المتآمرين الآخرين أصحاب المكانة الاجتماعية المرموقة قتلوا أنفسهم شنقا على الأرجح.

رأس مومياء، ربما بنتاؤر، وتشير الإصابات الموجودة في الرقبة إلى الشنق أو الخنق

هناك أيضا أنواع عدوانية من الانتحار، تهدف إما إلى دفع الآخرين إلى الانتحار أو إجبارهم على التصرف بطريقة معينة تحت تهديدات بالانتحار.. قد تكون هذه الحالة الأخيرة صحيحة بالنسبة للحكاية المصرية الشهيرة عن “الفلاح الفصيح”، الذي هدد الشخص المكلَّف بإصدار الحكم عليه بأنه سيذهب إلى أنوبيس – إله التحنيط والموتى والعالم السفلي- (ربما عن طريق الانتحار) ليساعده.

نعلم أيضا من أدبيات بلاد ما بين النهرين وسوريا والقصص الأسطورية المصرية ومن الشخصيات التوراتية: رفقة وراحيل (سفر التكوين 30: 1، “وقالت ليعقوب هب لي بنين وإلا فأنا أموت”)، أن الناس ربما يهددون بالانتحار من أجل إجبار الآخرين الذين يتمتعون بمكانة اجتماعية أعلى لتصرف بطريقة معينة.

وهناك أمثلة قليلة على حالات الانتحار العدوانية التي ارتكبت بهدف قتل آخرين، مثل حالة شمشون (سفر القضاة 16:30، “وقال شمشون لتمت نفسي مع الفلسطينيين، وانحنى بقوة فسقط البيت على الأقطاب وعلى كل الشعب الذي فيه فكان الموتى الذين أماتهم في موته أكثر من الذين أماتهم في حياته”).

وفي حالات الانتحار الطوعي، قد يعرض الشخص الانتحاري التضحية بحياته للوصول إلى هدف “أسمى” يستحق الموت من أجله أو لمساعدة الآخرين على البقاء على قيد الحياة.. على سبيل المثال، يطلب يونس أن يُلقى من السفينة لكي ينجو مَن عليها من العاصفة.. وتحكي قصص حروب المكابيين عن نماذج يهودية قررت قبول التعذيب والموت للتمسك بمعتقداتهم (كهدف يستحق الموت من أجله) بدلا من اتخاذ قرار بالبقاء على قيد الحياة عن طريق عبادة الملك الهلنستي.

بحثا عن سيد يستحق الموت لأجله

هناك أيضا حالات الانتحار “الولائي”، الذي يستهدف اتباع المرء لسيده في الموت ومشاركة مصير السيد من خلال الإخلاص والولاء التام.. ويمكننا أن نلمح هذا النوع من الانتحار في حالة شاول ونبوبلسوماتي، والموت الولائي لأرتاباتس، “الشخص الأكثر إخلاصا من صفوة أتباع الملك كورش”، الذي قتل نفسه على جسد سيده.

يصف أحد المصادر الآشورية الجديدة، التي تتحدث عن معركة الملك آشوربانيبال ضد العيلاميين، حالة الرسول نبيدامق الذي حاول الانتحار عند رؤية رأس سيده تي أومان مقطوعا.. قد تكون هذه الواقعة غير دقيقة تاريخيا ولكنها تصب في صالح آشوربانيبال، حيث تظهر الثورات على أنها فاشلة تماما.

ربما يوجد المزيد من الدوافع الكامنة وراء الانتحار الولائي، فقد يقتل حامل الدروع نفسه، لا ليتبع سيده في الموت فحسب، ولكن ربما ليواصل خدمته في العالم الآخر. وربما تكون حالات الانتحار الولائي قد حدثت بالفعل في المقبرة الملكية في أور، نحو 2600 – 2350 قبل الميلاد.. في هذه الحالة، نعثر على خدم وزوجات ومركبات وغير ذلك من الأمتعة المدفونة في قبور مختومة مع أسيادهم.

مخطط للمقبرة الملكية في مدينة أور

لا يتضح من هذه القبور وما يشابهها، خاصة تلك الموجودة في أبيدوس في مصر والكرمة في النوبة، ما إذا كانت حالات الوفاة هذه طوعية أم قسرية.

تثبت بعض الهياكل العظمية في أور وأبيدوس وجود أدلة على العنف، لكن معظمها لا يثبت أن الخدم لم يقبلوا طوعا بوفاتهم، بل إن وفاتهم يجب أن تُنفذ لأسباب عملية فحسب.

تشير عمليات الحفر في أور إلى أن هؤلاء الخدم ماتوا عن طريق تعاطي السم، في حين تشير عمليات الحفر في الكرمة إلى أن الأتباع قد دفنوا أحياء.. بالإضافة إلى ذلك، في النص السومري عن موت جلجامش، يمكن للملك الميت أن يعتمد على أفراد أسرته المتوفين وخدمه لتقديم القرابين لآلهة العالم السفلي.

تصوُّر لمراسم الدفن في أور للخدم الملكيين قبل موتهم مباشرة

تتناقض حالات الانتحار المثيرة هذه إلى حد كبير مع حالات الانتحار اليهودية والمسيحية لاحقا، والتي تم ارتكابها كأفعال عبور يأمل الشخص المؤمن أن يعبر من خلالها إلى عالم آخر أفضل.. نعثر على مثال لهذه الحالات في سفر المكابيين الثاني، الذي يصف انتحار راسي من خلال الانتحار أمام أعدائه.. لا يهدف راسي إلى الهروب من العدو فحسب، بل يريد أيضا أن يعبّر عن إيمانه بالقيامة الجسدية، وربطُ هذا الموضوع بالفترة الرومانية للاستشهاد اليهودي والمسيحي يتطلب مقالا منفصلا.

المصدر

https://www.asor.org/anetoday/2018/06/Meanings-of-Suicide

[1] بردية من الأدب المصري القديم، تصف حالة الفوضى الانتقالية والثورة الاجتماعية التي عاشتها مصر ويُقارن بها سفر الخروج. المترجم.

مصطفى الفقي

مترجم مصري

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى