دراسات وتحليلات

الانتخابات الإيرانية: لماذا لم يكن فوز “رئيسي” مُفاجِئًا؟

نجح المرشح الأصولي ورئيس السلطة القضائية في إيران، إبراهيم رئيسي، في حسم نتيجة الانتخابات الإيرانية الرئاسية لصالحه منذ الجولة الأولى، بحصوله على نسبة 62% من أصوات الناخبين، بحسب النتائج الرسمية غير النهائية المعلنة من جانب السلطات الإيرانية، في انتخابات تنافس فيها 4 مرشحين، وهم إلى جانب “رئيسي”: حاكم المصرف المركزي الإيراني “عبد الناصر همتي”، ونائب رئيس البرلمان الإيراني “أمير حسين قاضي زادة هاشمي”، والقائد السابق في الحرس الثوري “محسن رضائي”، وذلك بعد انسحاب كل من “سعيد جليلي”، و”علي رضا زاكاني”، و”محسن مهر علي زادة”، خلال اليومين السابقين لإجراء عملية الانتخابات.

وقد انطلقت عملية التصويت صباح يوم الجمعة 18 يونيو 2021، وقد بلغ عدد الناخبين الذين يحق لهم المشاركة 59 مليوناً و310 الاف و307 أشخاص، من ضمنهم مليون و392 ألفا و148 شخصا بلغوا السن القانونية (18 عاماً) للإدلاء بأصواتهم للمرة الأولى، شارك منهم نحو 28 مليوناً و600 ألف في الانتخابات، وبنسبة بلغت نحو 47%.

ومثّلت المشاركة التحدي الأكبر في العملية الانتخابية، حيث حرص النظام على تشجيع المشاركة الشعبية فيها، مما يُفسِّر تمديد الاقتراع ثلاث مرات في بعض المراكز الانتخابية وحتى الساعة الثانية فجرًا لضمان نسبة مشاركة أكبر من الناخبين. وخلال إدلائه بصوته، دعا المرشد الإيراني الأعلى “علي خامنئي”، الناخبين إلى المشاركة القوية في الانتخابات، وقال إن الشعب هو منْ سيُقرِّر مصير البلاد للسنوات المقبلة عبر مشاركته فيها. ودعا كذلك الرئيس حسن روحاني المواطنين إلى التصويت بكثافة ووضع المشكلات التي شهدتها مرحلة تقديم المرشحين للانتخابات جانباً.

الانتخابات الإيرانية - إبراهيم رئيسي
إبراهيم رئيسي

وبحسب ما أعلنه رئيس لجنة الانتخابات الإيرانية، فقد حصل إبراهيم رئيسي، وفق النتائج الأولية، على 17 مليوناً و800 ألف صوت، بينما حصل المرشح محسن رضائي على 3 مليون و300 ألف صوت، أمّا مرشح التيار المعتدل عبد الناصر همتي، فحصل على مليونين و400 ألف صوت، مقابل حصول قاضي زاده هاشمي على مليون صوت فقط.

وتلقى “رئيسي” التهنئة من جميع منافسيه بالفوز، كما أكد الرئيس المنتهية ولايته حسن روحاني أن الحسم قد تحقق من الجولة الأولى، وقال في كلمة متلفزة قبيل الإعلان الرسمي عن الفائز في الانتخابات:

“أهنئ الشعب على خياره… سأوجّه تهاني الرسمية لاحقاً، لكننا نعرف أن ما يكفي من الأصوات توافرت في هذه الانتخابات، وثمة منْ تمّ انتخابه من قِبل الشعب”.

محددات الفوز المتوقع لـ “رئيسي” في الانتخابات

لم يكن فوز رئيسي في الواقع مفاجأة للمتابعين، حيث ورد اسمه في استطلاعات الرأي باعتباره المرشح الأوفر حظاً للفوز بالانتخابات، وبنسب عالية عن أقرب منافسيه، ولاسيما أن إدارة العملية الانتخابية برمتها صبّت لصالح فوز رئيسي، وذلك وبالنظر إلى المحددات الثلاث الرئيسية الآتية:

  1. هندسة العملية الانتخابية:

اُعتبر فوز رئيسي أمراً متوقعاً نتيجة “هندسة سابقة على الانتخابات” وضعها “مجلس صيانة الدستور” الذي يفحص المرشحين للمنصب. والمجلس هو عبارة عن هيئة مؤلفة من 12 عضواً المتحالفين بشكل وثيق مع المرشد الأعلى علي خامنئي، وقد صادق المجلس على أهلية 7 فقط من بين 592 شخصاً قدموا أوراق ترشحهم لخوض الانتخابات، وكان من بينهم رئيسي، مقابل قراره باستبعاد العديد من الشخصيات السياسية البارزة في طهران، الأمر الذي سبّب صدمة في الشارع الإيراني.

حيث رفض المجلس ترشيح علي لاريجاني، الذي خدم أطول مدة رئيساً للبرلمان لدورتين متتاليتين وعلى مدار 12 عاماً كاملة، وهو يقدم حالياً المشورة للمرشد الأعلى، وقاد المفاوضات التي أسفرت عن اتفاقية الشراكة الاستراتيجية الإيرانية الأخيرة مع الصين.

كما مُنع من الترشح نائب الرئيس إسحاق جهانجيري، الذي ابتعد عن الرئاسة على مدى السنوات الثماني الماضية، وكذلك الحال مع الرئيس السابق محمود أحمدي نجاد، وكانت تلك هي المرة الثانية التي يُرفَض فيها طلبه لخوض الانتخابات بعد الانتخابات السابقة في عام 2017.

وفي حين يؤكد المجلس الذي يهيمن عليه المحافظون، التزامه بالقوانين الانتخابية في دراسة الأهلية، إلا أن استبعاده أسماء كبيرة، خصوصاً لاريجاني الذي كان قد رجّح الإعلام المحلي أن يكون أبرز منافس لرئيسي، أعطى انطباعاً بأن الانتخابات حسمت سلفاً.

  1. انسحاب مرشحين لصالح “رئيسي”:

مع الدور الذي اضطلع به “مجلس صيانة الدستور”، لم يُشكِّل أي من منافسي رئيسي ثقلاً حقيقياً في مواجهته، فأظهرت استطلاعات رأي محلية تقدم رئيسي بفارق شاسع عن منافسيه الذي يُعدّ الأقوى بينهم، وكان قد حصد 38% من أصوات الناخبين في الانتخابات الرئاسية السابقة لعام 2017، ليحتل المرتبة الثانية بعد حسن روحاني، وكان له حضوره في مناصب عدّة على مدى العقود الماضية، خصوصاً في السلطة القضائية، حيث يعتبر أحد أبرز أركان الحكم في النظام السياسي للجمهورية الإسلامية، فضلاً عن طرح وسائل إعلام إيرانية اسمه كخلف محتمل للمرشد خامنئي، وذلك ما دفع عدد من المرشحين للانسحاب قبيل إجراء العملية الانتخابية.

سعيد جليلي
سعيد جليلي

فقد أعلن سعيد جليلي، انسحابه من السباق الرئاسي قبل يومين من الاقتراع، وذلك لصالح رئيسي، وجاء هذا الانسحاب بعد إعلان كل من المرشحين المتشدد رضا زاكاني، والإصلاحي محسن مهر علي زادة، انسحابهما في أوقات سابقة من سباق الانتخابات. وغالباً ما تشهد المحطات الانتخابية الإيرانية انسحابات في الساعات الأخيرة لصالح هذا المرشح أو ذاك، في خطوات تأتي أساساً لقاء وعود بمناصب وزارية أو حكومية في الإدارة المقبلة، وللحد من تشتت الأصوات.

  1. انقسام التيار الإصلاحي:

على عكس الانتخابات السابقة، خلت هذه الجولة الانتخابية من المنافسة التقليدية بين المتشددين والإصلاحيين، حيث إن التيار الأخير انقسم على نفسه؛ بين منْ انضم للدعوات الشعبية للمقاطعة، وبين منْ دعا للمشاركة ودعم المرشح عبد الناصر همتي، محافظ البنك المركزي الذي أقاله قبل أسابيع الرئيس الإيراني حسن روحاني.

واعتبرت صحيفة “وول ستريت جورنال”، أن عزوف الناخبين يُقلِّل حظوظ المرشح المعتدل عبد الناصر همتي، الذي روّج لنفسه على أنه وسيط مؤيد للإصلاح لإحياء علاقات إيران مع الغرب والسماح بمزيد من الحريات الشخصية، بما في ذلك حضور أوسع للمرأة في المجال العام.

وبينما كان السبيل الوحيد أمام أي مرشح معتدل لإحراز أي تقدم ضد المرشح الرئاسي المتشدد، هي إقناع الملايين من الإيرانيين بأهمية التصويت، فقد خدم عزوف التيار الإصلاحي بصورة واسعة المرشح رئيسي، الذي حظي بتزكية مسبقة، بعد أن بدأ بعض الوسطيين والإصلاحيين في اعتبار همتي الخيار الأقل “سوءاً”، بسبب مرجعيته التقدمية نسبياً، ومشاركة زوجته النشطة في حملته الانتخابية، والتي تشير إلى نهج تقدمي نسبياً لقضايا النوع الاجتماعي مقارنةً بمعايير النظام الذكوري في إيران.

الجدل المرتبط بشخص “رئيسي”

يعتبر رئيسي رجل الدين الوحيد في قائمة المحافظين الذين خاضوا الانتخابات، وكان المرشد علي خامنئي قد وضعه على رأس السلطة القضائية في مارس 2019. وهو أصولي مقبول بشكل كبير في الأوساط المحافظة وفي دائرة الحرس الثوري، وحقق نجاحاً منذ استلم السلطة القضائية، حيث صرَّح بأن لديه برنامجاً لمكافحة الفساد لخمس سنوات.

ورئيسي من مواليد 1960 في مدينة مشهد، كان والده رجل دين من منطقة “دشتك” في مدينة زابُل بمحافظة سيستان وبلوشستان، ودخل الحوزة الدينية في “قم” قبل الثورة بفترة وجيزة، وقد تزوج من ابنة رجل الدين المتشدد “أحمد علم الهدى”، إمام جمعة مدينة مشهد.

التحق بالقضاء عام 1980، وعُيِّن مُدعيًا عامًا لمدينة كرج عام 1980، عندما كان يبلغ من العمر 20 عاماً فقط. وفي عام 1982 عُين مدعي عام مدينة همدان، وظل هناك حتى عام 1984، وفي عام 1985 أصبح نائب المدعي العام في العاصمة طهران، وظل في هذا المنصب حتى عام 1990، إلى أن أصبح المدعي العام في طهران.

وقد عمل رئيسي مدّعياً عاماً حتى عام 1994، وفي العام نفسه عُيّن رئيساً لهيئة التفتيش العامة للبلد، وفي عام 2004 شغل منصب النائب الأول للسلطة القضائية واستمر فيه مدة 10 أعوام، ليعود في عام 2014 ليصبح مدعي عام إيران.

وتجدر الإشارة إلى أن رئيسى كان قد التحق بـ “مجلس خبراء القيادة” في عام 2006، ويشغل حالياً منصب النائب الأول للرئيس في المجلس الذي يتولى مسئولية اختيار المرشد، بل ويُشار إليه كأحد المرشحين لمنصب الولي الفقيه فيما بعد خامنئي. وسبق أن ترشّح رئيسي في عام 2017 للانتخابات الرئاسية واحتل المرتب الثاني بعد روحاني، حيث نال أكثر من 38% من أصوات الناخبين حينها.

المرشد في إيران
المرشد الأعلى الإيراني علي خامنئي

ولكن رغم هذا السجل المتميز الذي دعم رئيسي للفوز في الانتخابات الرئاسية الأخيرة، فإن كونه رئيساً لإيران يثير الكثير من الجدل، بالنظر إلى أنه كان في العام 1988، أحد الأعضاء الأربعة فيما سُمي بـ “لجنة الموت” في إيران، والتي تم إنشاؤها بعد فترة وجيزة من انتهاء الحرب العراقية الإيرانية (1980- 1988)، بأمر من المرشد الأعلى السابق روح الله الخميني.

وقد نفّذت هذه اللجنة إعدامات جماعية بحق آلاف المعارضين في السجون الإيرانية بفتوى من الخميني آنذاك، ولذلك يتهمه معارضوه بانتهاك حقوق الإنسان على مدى عقود.

وقد فرضت الولايات المتحدة عليه -في السابق- عقوبات بتهمة انتهاك حقوق الإنسان، بما يشمل إعدام معتقلين سياسيين في الثمانينات وقمع اضطرابات في عام 2009، وهي أحداث لعب فيها دوراً لافتاً، حسبما تقول جماعات حقوقية. ولم تقر إيران قط بتنفيذ أحكام إعدام جماعية، ولم يتحدث رئيسي علناً عمّا يتردد عن لعبه دوراً في مثل هذه الأحداث.

ماذا بعد انتخاب “رئيسي”؟

إن فوز ابراهيم رئيسي في الانتخابات الإيرانية، من شأنه أن يُعزِّز إمساك التيار المحافظ بمفاصل هيئات الحكم في البلاد، خاصةً بعد الفوز العريض للمحافظين في انتخابات مجلس الشورى العام الماضي (2020). والأهم أن النظام سيكون -مع إعلان النتائج هذه الانتخابات- أمام حدثين مهمين:

  • الأول: محادثات فيينا حول ملف إيران النووي ومآلاتها.
  • الثاني وربما الأهم: اختيار خليفة للمرشد خامنئي.

ويرجّح العديد من المراقبين أنه مع تولي رئيسي السلطة كرئيس للجمهورية، ربما نشهد تعيين خليفة لخامنئي في عهده، سواء إذا في حالة وفاة المرشد بسبب مرضه، أو أنه قرر نقل الخلافة لنجله مجتبى أو لرئيسي من خلال تعيين أحدهما بشكل مباشر أو غير مباشر، وهذا يعني صراعاً جديداً أكثر خطورة في أعلى هرم النظام الإيراني.


اقرأ أيضًا: الطريق إلى الرئاسة.. صراع العائلات يرسم مستقبل النظام الإيراني


ومن جهة أخرى، قد يكون من شأن فوز رجل الدين المتشدد أن يؤكد أفول نجم ساسة براجماتيين من أمثال روحاني الذي أضعفه قرار واشنطن بالانسحاب من الاتفاق النووي وإعادة فرض عقوبات على بلاده، في خطوة قوّضت التقارب مع الغرب.

لكن مسئولين إيرانيين يقولون إن هذا لن يفسد مسعى إيران لإحياء الاتفاق النووي والتخلص من عبء العقوبات النفطية والمالية القاسية، إذ أن المؤسسة الدينية الحاكمة تدرك أن مستقبلها السياسي يعتمد على معالجة الأزمة الاقتصادية المتفاقمة بالدولة.

ويقول رئيسي نفسه إنه يدعم المحادثات مع القوى الست الكبرى لإحياء الاتفاق النووي، الذي وافقت إيران بمقتضاه على تقييد برنامجها النووي مقابل رفع العقوبات. لكنه يقول إن أي إحياء للاتفاق لن يتسنى إلا من خلال حكومة قوية. وحيث يشارك خامنئي شكوكه في فرص الوفاق مع الغرب، لذا يُتوقع أن تأخذ المفاوضات بشأن الملف النووي مساراً مُغايراً بعد فوز رئيسي في الانتخابات؛ ذلك أن إيران صارت في قبضة المعسكر المحافظ، وعلى نحو شبه كامل.

وما يمكن تأكيده في الختام، أنه يصعب التكهن بالسياسة التي سينتهجها الرئيس الايراني القادم، مع بقاء المشهد على وضعه الحالي، في ظل العقوبات الأمريكية المفروضة على طهران، ومع الوضع في الاعتبار أن الرئيس في إيران، وإن كان يحظى بصلاحيات تنفيذية ويُشكِّل الحكومة، لكن الكلمة الفصل في السياسات العامة تعود إلى المرشد الأعلى.

د. إيمان أحمد عبد الحليم

محرر سياسي بالمركز الدبلوماسي للدراسات الاستراتيجية. حاصلة على الدكتوراه في العلوم السياسية من كلية الاقتصاد والعلوم السياسية في جامعة القاهرة – 2016.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى