دراسات وتحليلات

الانتخابات الجزائرية تضع حدًا لأحلام “الحراك” والإسلاميين

في الثاني عشر من يونيو الجاري (2021)، كانت الجمهورية الجزائرية على موعد مع أول انتخابات برلمانية لها بعد الحراك الشعبي الذي أطاح بنظام الرئيس الجزائري السابق عبد العزيز بوتفليقة، وأنهى ولايته الرئاسية الخامسة بعد حكم دام نحو عقدين من الزمان، وهي سابع انتخابات برلمانية منذ ثلاثين عامًا احتكرت فيهم جبهة التحرير الوطني العمل الحزبي.

جاءت تلك الانتخابات في إطار تعهد من جانب الرئيس الجزائري الحالي “عبد المجيد تبون”، بالقيام بإصلاحات سياسية واقتصادية جذرية يمتص من خلالها غضب الشارع الجزائري، وذلك في توقيت تتعرض فيه الجزائر لضغوط مالية -نتيجة الانخفاض الحاد في عائدات الطاقة- دفعت بإدارة تبون نحو خفض الإنفاق، وتأجيل بعض المشروعات الاستثمارية المُخطَّط لها.

ومن أجل تلبية مطالب المتظاهرين الذين بلغ عددهم الآلاف في الحراك الشعبي الأخير، أعلن تبون في مارس من العام الجاري (2021) عن إقامة انتخابات تشريعية مبكرة عقب حل المجلس الشعبي الوطني، وأطلق سراح العديد من أنصار الحراك من السجون.

غير أن الحراك رفض تأييد تلك الانتخابات، وشكّك في جدواها ومدى نزاهتها، وهو ما يفسر زيادة دعوات المقاطعة التي أسفرت عن ضعف إقبال المُصوِّتين على العملية الانتخابية في الجزائر.

الرئيس الجزائري عبد المجيد تبون

أبرز المتنافسين في الانتخابات التشريعية

شهدت العملية الانتخابية في الجزائر استقطابًا أيديولوجيًا حادًا، ساهم في احتدام التنافس بين المرشحين، برز ذلك بدخول 1438 قائمة تمثل الأحزاب والمستقلين، ضمت أكثر من 15 ألف مترشح يتنافسون للفوز بمقاعد مجلس النواب البالغ عددها 407 مقعد. وفيما يلي نتناول أبرز المتنافسين في الانتخابات التشريعية:

  1. جبهة التحرير الوطني:

هيمن ذلك الحزب على الحياة السياسية في الجزائر منذ اللحظة الأولى التي وصل فيها بوتفليقة إلى سدة الحكم في عام 1999، وقبل ذلك ظل يحكم منفردًا منذ استقلال الجزائر في عام 1962.

تراجعت شعبة حزب جبهة التحرير الوطني بسبب احتكاره للسلطة في الجزائر، مما دفع الشعب الجزائري للثورة على نظام بوتفليقة والمطالبة برحيله، ومع سقوط ذلك النظام كان من المُتوقع أن ينتهي ذلك الحزب، غير أنه لا يزال يتمتع بنقاط قوة مُحافظًا على هيكله ومقراته رغم القبض على الكثير من قياداته وإيداعهم في السجون.

  1. حركة مجتمع السلم:

تعد تلك الحركة أكبر حزب إسلامي في الجزائر، تحت قيادة “عبد الرزاق مقري”، وتتمتع بانتشار واسع في معظم الولايات، إلا أنها عانت من العديد من الانقسامات التي نتج عنها انشقاق عدة أحزاب منها؛ كحركة التغيير التي عاودت الاندماج فيها، وكذلك حركة البناء الوطني، وتجمع أمل الجزائر.

  1. حركة البناء الوطني:

خرجت الحركة من رحم حركة مجتمع السلم، وقد تأسست على يد “مصطفى بلمهدي” و”رفيق محفوظ نحناح” و”محمد بوسليماني”، الذين مثّلوا النواة الأولى لجماعة الإخوان المسلمين في الجزائر.

بيد أن بلمهدي قد ترك قيادة الحركة لوزير السياحة السابق “عبد القادر بن قرينة”، الذي سبق أن ترشح في الانتخابات الرئاسية السابقة في الثاني عشر من ديسمبر لعام 2019، وجاء في المرتبة الثانية وراء تبون بعد حصوله على مليون ونصف صوت.

  1. بروز أحزاب جديدة:

خلال الحملات الانتخابية التي أقيمت للترويج للمرشحين، برزت أربعة أحزاب سياسية جديدة، كان أولهما حزب “جيل جديد”، تحت قيادة أحد أكبر المعارضين للنظام السابق وهو “جيلالي سفيان”.

أما الحزب الثاني، فهو حزب “الفجر الجديد” بقيادة “الطاهر بن بعيبش”، وتتشكل قاعدة ذلك الحزب بشكل رئيسي من أبناء شهداء ثورة التحرير.

بينما الحزب الثالث، فهو حزب “صوت الشعب”، أمّا رابع تلك الأحزاب الجديدة التي خاضت الاستحقاق التشريعي للمرة الأولى، هو حزب “طلائع الحريات”، الذي تأسس على يد “علي بن فليس” رئيس الحكومة الأسبق، غير أنه انسحب من قيادة الحزب بعد انتخابات 2019، وتسبّبت الخلافات التنظيمية بين قياداته في إضعاف الحزب.

  1. المستقلون:

بلغ عدد القوائم الانتخابية المستقلة في تلك الانتخابات نحو 837 قائمة من مجموع 1483 قائمة مشاركة في الانتخابات، وهو ما لم يحدث من قبل في تاريخ الانتخابات الجزائرية. كما قدَّمت السلطة الجزائرية للمرة الأولى الدعم المادي للمرشحين المستقلين من الشباب بقيمة 300 ألف دينار جزائري، أي ما يُعادل حوالي ألفي دولار لكل مترشح، لمساعدته في تغطية نفقات الحملة الانتخابية.

الانتخابات التشريعية الجزائرية

نتائج الانتخابات ودلالاتها

في 15 يونيو، أعلنت السلطة الوطنية المستقلة للانتخابات عن تصدر جبهة التحرير الوطني، الحزب الرئيس في البرلمان الجزائري السابق، لنتائج الانتخابات رغم التراجع الكبير في عدد المقاعد التي حصدتها الجبهة وسط مقاطعة شعبية واسعة.

إذ حصلت الجبهة على 105 مقعد من أصل 407، وحلَّ المستقلون في المرتبة الثانية بحصولهم على 78 مقعدًا، بينما حصدت حركة مجتمع السلم، الحزب الإسلامي الرئيسي في الجزائر، نحو 64 مقعدًا لتأتي في المرتبة الثالثة بعد جبهة التحرير الوطني وقوائم المستقلين.

كما جنى حزب التجمع الوطني الديمقراطي، الذي مثّل الحليف الأول لجبهة التحرير الوطني في الحكم سابقًا والداعم الأبرز له، نحو 57 مقعدًا، بينما حصلت جبهة المستقبل، وهو حزب من تيار الوسط تأسس في عام 2012 بعد انفصال رئيسه عبد العزيز بلعيد عن حزب جبهة التحرير الوطني، على نحو 48 مقعدًا، وأخيرًا فقد كان هناك 40 مقعد كان من نصيب حركة البناء الوطني الإسلامي.

فيما توزعت بقية المقاعد بين أحزاب الحكم الراشد، والعدالة والتنمية، والحرية والعدالة، وصوت الشعب، وجيل جديد، وحزب الفجر الجديد، وحزب الكرامة، وجبهة الجزائر الجديدة.

ويمكن القول إن هذه النتائج قد كشفت عن دلالات رئيسية، يمكن تناولها في الآتي:

  1. ضعف الإقبال على الانتخابات:

بلغ عدد المصوِّتين في الانتخابات التشريعية الجزائرية  نحو أقل من ستة ملايين، من بينهم حوالي مليون ورقة ملغاة، ووفقًا لتلك الأرقام، فإن نسبة المشاركة النهائية في الانتخابات لم تتجاوز 23%، وهي النسبة الأدنى تاريخيًا منذ عشرين عامًا. ففي انتخابات عام 2017، بلغت نسبة المشاركة نحو 35.7%، فيما سجلت انتخابات عام 2012 نسبة مشاركة قُدرِّت بـ 42.9%.

ولعل ضعف الإقبال، يعكس بقدر كبير عدم رضاء الشارع الجزائري عن خارطة الطريق التي وضعتها الحكومة، كما أن تجاهل الحكومة إلى مطالب الجزائريين التي أعلنوها في الحراك الشعبي الأخير، وكذلك عدم التفات النظام لقطاع كبير من الجزائريين الذين دعوا لمقاطعة الانتخابات، كان دافعًا لنقمة المعارضين على العملية الانتخابية ورفضهم أن يكونوا جزءً منها بأي شكل.

  1. إعادة انتاج نظام بوتفليقة:

في الوقت الذي فشل الحراك الشعبي فيه في تنظيم نفسه في إطار سياسي محدد، ولم يأخذ الفرصة في الدعم أو التمثيل من قبل أي حزب يدّعي تمثيل مطالبه، كانت جبهة التحرير الوطني مستمرة في إرساء دعائم وجودها السياسي والترويج لنفسها.

ولعل تصدر جبهة التحرير الوطني الموالية لنظام بوتفليقة كان وراءه ثقة كبيرة في الفوز، فقد صرّح الأمين العام للجبهة “أبو الفضل بعجي”، قبل  الإعلان عن النتائج الرسمية للانتخابات البرلمانية، أنه:

“كنا ننتظر هذه النتائج، وكنت شخصيًا انتظر حصول الحزب على المركز الأول بهذه التشريعيات، وسبق لي أن صرحت بهذا مرارًا وتكرارًا بمختلف التجمعات الشعبية التي نشطتها بمختلف مناطق البلاد. وقد أكدت أن الحزب هدفه الأول في هذه الانتخابات هو المحافظة على الريادة التي كان يحوز عليها من قبل”.

ورغم التراجع الكبير في عدد المقاعد التي حصدتها الجبهة في الانتخابات مقارنة بعدد المقاعد التي حصلت عليها في الانتخابات التشريعية لعام 2017 البالغ عددها 164 أي خسارتها نحو 61 مقعد، إلا أن الجبهة في انتخابات 2021 -رغم تلك الخسارة- ظلت متصدرة بفارق 27 مقعد بينها وبين قوائم المستقلين التي جاءت في المرتبة الثانية.

  1. صعود كبير للمستقلين:

حصلت قوائم المستقلين على تشجيعًا من قبل السلطة، وذلك عبر إعطاء الفرصة للمرشحين من دون الأربعين لتمويل حملاتهم الانتخابية. ورغم ما واجهه المستقلون من تحدي رئيسي تمثل في عتبة الـ 5 % من أصوات الناخبين التي كان يحتاجها المستقلون لتجاوز قائمتهم على المستوى الوطني من أجل الحصول على مقاعد، إلا أنهم حلّوا في المرتبة الثانية وجنوا 78 مقعدًا، الأمر الذي يعد سابقة هي الأولى من نوعها في تاريخ الجزائر، وهو رقم كبير مقارنة بعدد المقاعد التي حصل عليها المستقلون في انتخابات عام 2017، والتي بلغت  نحو 28 مقعدًا فقط. وبذلك فقد دخلوا -بقوة- ضمن حسابات تشكيل الحكومة الجديدة، الأمر الذي يمثل مؤشر إيجابي.

  1. اخفاق حركة مجتمع السلم في توقعاتها:

ارتفعت توقعات حركة مجتمع السلم في ظل تقربها من السلطة، وراهنت على حصد الأغلبية في مقاعد البرلمان، ولعل ما ساهم في رفع سقف طموحاتهم هو ضعف المنافسة بين الأحزاب السياسية المشاركة في الانتخابات.

الأمر الذي دفع حركة مجتمع السلم لاستباق النتائج وإعلان تصدرها في معظم المحافظات وفي الخارج، كما دعت الرئيس الجزائري للتدخل لحماية “الإرادة الشعبية” من أي محاولات من شأنها التلاعب في النتائج، والوفاء بتعهده لحماية حق الجزائريين في الانتخاب وحماية الصناديق بما يضمن الشفافية في العملية الانتخابية.

حركة مجتمع السلم

غير أن نتائج الانتخابات جاءت مُخيِّبة للآمال مع حصول الحزب على 64 مقعد فقط، بيد أن الحزب نال بذلك نحو ضعف عدد المقاعد التي حصدها في تحالفه مع جبهة التغيير في انتخابات 2017 والتي بلغت نحو 33 مقعدًا، وهو بذلك تقدم يُحسَب لصالح الحركة وفرصة لتمكينه وتمثيله في الحكومة. خاصةً وأن الحركة قد أبدت استعدادها للدخول في تشكيل الحكومة، ففور الإعلان عن نتائج الانتخابات، صرّحت حركة مجتمع السلم أنها: “ستدرس أي عرض يُقدَّم لها لدخول الحكومة القادمة بشرط أن يكون جديًا ويتوافق مع رؤيتها وبرنامجها”.

إجمالاً، شهدت الانتخابات في الجمهورية الجزائرية أكبر نسبة مقاطعة في تاريخها منذ عشرين عامًا، ما يعني أن الشعب الجزائري غير راضٍ تمامًا عن العملية الانتخابية برمتها. ولعل نتائج الانتخابات في ظل عدم وجود أغلبية برلمانية،  تزيد من مساحة الاحتمالات: فإمّا حكومة “توافقية” مُكوَّنة من أحزاب عديدة، أو حكومة سياسية مُشكَّلة من الأغلبية النيابية الداعمة للرئيس، أو حكومة كفاءات غير متحزبة، تشمل أعضاء من المستقلين، يمكن أن يقدمها الرئيس كي تنال دعم الأغلبية الرئاسية في البرلمان.

إقرأ أيضا: في ذكرى الحراك الجزائري..  “تبون” يودع طريقته القديمة لتفادي مصير “بوتفليقة”

سهير الشربيني

باحثة مصرية في العلوم السياسية

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى