“البابا تواضروس” بين تحديات التحول وسؤال الإصلاح والتجديد

رامي شفيق

كاتب مصري

غيّب الموت “البابا شنودة الثالث” في مارس عام 2012، بينما أدار “الأنبا باخوميوس”، قائمقام البطريرك، الكنيسة في فترة الانتخابات الرئاسية، حيث تولى “محمد مرسي” الحكم. وفي المقابل، وصل الأنبا “تواضروس الثاني” إلى كرسي مارمرقس الرسول، إذ كانت تلك الفترة تبرز تحديات جمة واجهت البابا والكنيسة في آن معًا، تمثلت في اعتداء عناصر من جماعة الإخوان على المقر البابوي، للمرة الأولى في التاريخ المصري، وذلك في أبريل عام 2013، وسط غياب أي تحرك إيجابي من مؤسسة الرئاسة آنذاك، فيما بدت الكنيسة والبطريرك وكأنهما يواجهان المجهول.

وسرعان ما احتشد المصريون بقوة وكثافة في ميدان التحرير، وعدد آخر من ميادين المحافظات المصرية، في 30 يونيو عام 2013، مما نجم عنه الإطاحة بحكم الإخوان. وقد شاركت الكنيسة في الإعلان عن خارطة الطريق لبناء مصر، الأمر الذي وضع الكنيسة والوطن حينها أمام سؤال المستقبل.

على مدى عقود طويلة، تعددت القضايا والملفات الشائكة التي شكّلت تحديات أمام المؤسسة الكنسية، وذلك في سياقات تاريخية وسياسية متفاوتة. فمنذ لحظة انعقاد أول مجلس ملي عام 1874، والذي سطر أول اشتباك حقيقي بين العلمانيين والإكليروس فيما يتصل بمسألة الإصلاح والتجديد؛ ظلت العلاقة بين الطرفين تتراوح بين التوتر والحدة، ويجمعهما الالتباس والريبة، وقد استمر الأمر على هذا النحو حتى تجمد في آخر مجلس ملي انعقد في عام 2011، قبل وفاة “البابا شنودة الثالث” بعام.

ثمة ملفات عديدة واجهت “البابا تواضروس الثاني”، من بينها الرهبنة، والمجلس الملي، حيث سعى البطريرك إلى أن يجد طريقًا ممهدًا يعبر من خلاله بالكنيسة إلى الاستقرار، وفي إطار ذلك استطاع “البابا تواضروس” أن يقوم بتغيير منظومة مركزية التحكم والقرار في قضايا الأحوال الشخصية، من خلال المجلس الإكليريكي للأحوال الشخصية، سواء من خلال التغيير الكامل لكل اللجان الرئيسية والفرعية للمجالس الإكليريكية، أو عبر ضم أطباء نفسيين ومستشارين قانونيين لها، للمرة الأولى، وذلك بمراعاة أبعاد جديدة لم تكن تؤخذ في الحسبان قبل ذلك، والعمل على إعادة النظر في مقولة “الأنبا شنودة الثالث” بأنه: “لا طلاق إلا لعلة الزنا”، وبالتالي منح الفرصة لدماء جديدة تضخ في ملف الأحوال الشخصية، الذي تولاه “الأنبا بولا”، أسقف طنطا منفردًا، لأكثر من خمس وعشرين سنة مضت.

كل ما سبق جاء في إطار سعي “البابا تواضروس الثاني” لبعث الإصلاح في جنبات الكنيسة، بينما قام في سبيل تعزيز رؤيته بأكبر حركة تغييرات داخل أروقة المجمع المقدس، بغية تجديد النظام الإداري للكنيسة، وإعادة هيكلة الإدارة الكنسية، حسب المسئوليات، سواء بتداول تولي المسئوليات بالانتخاب، أو بالتعيين لسكرتارية المجمع المقدس، لمدة عامين، بحد أقصى، دورتين متتاليتين، ومن ثم دعم ما يبقى بوجود معهد متخصص للعلوم الإدارية لتقديم دورات تدريبية متخصصة لرجال الدين.
وفي إطار سعي “البابا تواضروس” لضبط الحياة الرهبانية، في ضوء حادث مقتل “الأنبا أبيفانيوس”، أسقف ورئيس دير أبو مقار، بوادي النطرون؛ عقدت لجنة الرهبنة بالمجمع المقدس اجتماعًا في أغسطس 2018 برئاسة البطريرك، وأصدرت عدة قرارات كان من أهمها على الإطلاق:

1- وقف رهبنة أو قبول إخوة جدد في جميع الأديرة داخل مصر لمدة عام يبدأ من أغسطس 2018.
2- تحديد عدد الراهبات في كل دير بحسب ظروفه وإمكانياته، وعدم تجاوز هذا العدد لضبط الحياة الرهبانية وتجويد العمل الرهباني.
3- إيقاف رسامة الرهبان في الدرجات الكهنوتية “قسيس وقمص” لمدة ثلاث سنوات.
4- الاهتمام بحياة الراهب والتزامه الرهباني داخل الدير واهتمامه بأبديته التي خرج من أجلها.

وتبعًا لذلك، تحدد أن كل راهب يأتي بالأفعال التالية يُعرّض نفسه للمساءلة والتجريد من الرهبنة والكهنوت وإعلان ذلك رسميًّا:

1- الظهور الإعلامي بأية صورة أو وسيلة.
2- التورط في أية معاملات مالية أو مشروعات لم يكلفه بها ديره.
3- التواجد خارج الدير دون مبرر.
4- مناشدة جموع الأقباط بعدم الدخول في أي معاملات مالية أو مشروعات مع الرهبان أو الراهبات، وعدم تقديم أي تبرعات عينية أو مادية إلا من خلال رئاسة الدير.

تأسست الحركة البتولية بحسب إجماع الدارسين على ركائز أربع هي: البتولية، الوحدة، التجرد، الطاعة. وذلك ما يحمي مسيرة الراهب في سعيه الدءوب نحو الأبدية، حتى يشعر الراهب بحاجته المستمرة لرحمة الله.

وثمة ملاحظة يشير إليها المفكر القبطي “كمال زاخر”، في كتابه “قراءة في واقعنا الكنسي.. شهادة ورؤية” حيث يقول: “إن رواد الرهبنة الأوائل في عصور الازدهار لم يحصلوا على أية درجة كهنوتية، بل رفضوا بإصرار، وهربوا من الضغوط المتوالية من قبل الكنيسة لإعطائهم أيًّا منها، حتى درجة الشموسية”. ويضيف “زاخر”: “أن الآباء الأساقفة المعاصرين الذين تناولوا الحركة الرهبانية في كتاباتهم، لم تستطع كتاباتهم أن تُخفي أنينًا مكتومًا يعتمل في قلوبهم، وكأنهم يتمنون فرصة للعودة إلى قلاليهم الأولى”.

كما تأسست الأديرة المصرية في تاريخها الطويل، منذ القرن الرابع الميلادي وحتى أواخر القرن الماضي، على مجموعة من العناصر المؤسسة، ومن بينها الرهبنة التي تُبنى على ثلاثة مبادئ أساسية: أولها الزهد والفقر الاختياري، وثانيها اعتزال العالم، وثالثها البتولية والعفة.

ولأن الزهد يعني عدم الاهتمام بالماديات فكان من أساسيات الرهبنة، بيد أنه مع بدايات النصف الثاني من القرن المنصرم، بدأ اهتمام الأديرة بالمشروعات الإنتاجية التي تُدر ربحًا ومالًا، بغرض استخدامه في مشروعات خيرية كثيرة، وفي مساعدة الفقراء، واضطرت الأديرة لتكليف رهبان بعينهم بمسئولية إدارة هذه المشروعات، ما حدا بالرهبان إلى حيازة المال واستثماره في إطار تحقيق هذه الخدمات، وبالتبعية أدى ذلك إلى تطور في حياة الرهبان.

ومن خلال ذلك، تتضح التساؤلات المحددة حول مدى ما يواجه الإصلاح الكنسي من صراع قديم وتقليدي بين الإكليروس والعلمانيين، وتتباين الأسئلة حول: هل أضحى الصراع الآن بين تيارات الإكليروس الذين عاصروا “البابا شنودة”؟ وعليه، هل تريد الأخيرة أن يستمر الأمر كما كان في حوزتهم دون مزاحمة العلمانيين؟ أم إن ثمة رغبة لدى “البابا تواضروس الثاني”، وقد أعلن عنها أكثر من مرة، حين قام بتعديل اسم ولائحة ومضمون المجلس الملي، بحيث تتوافق مع رؤيته في إصلاح وإدارة شئون الكنيسة؟

ثمة رؤيتان تتحكمان أو تتشكل داخلهما مسارات الإصلاح الكنسي؛ الرؤية الأولى جاءت من خارج رجال الإكليروس، وذلك في محاولتهم تشكيل المجلس الملي عام 1874، عقب نياحة “الأنبا ديمتريوس الثاني”، وجلوس البطريرك “كيرلس الخامس”، الذي استمر على كرسي مارمرقس الرسول قرابة نصف قرن، وتوفي في لحظة فارقة في تاريخ مصر في عام 1927، حيث كان الصراع والخلاف المحتدم هو عنوان تلك المرحلة بين البطريرك والمجلس الملي.

الرؤية الثانية، جاءت عبر جيل الرهبان الجامعيين، الذين دخلوا سلك الرهبنة، في الأربعينيات من القرن الماضي، وآمنوا بأن الإصلاح الكنسي لن يتم إلا من داخل الكنيسة، وكان من بين هؤلاء “الأنبا شنودة الثالث” بطريرك الكنيسة، و”الأب متى المسكين”، و”الأنبا غريغوريوس” أسقف البحث العلمي، و”الأنبا صموئيل” أسقف الخدمات.

وعلى مستوى الرؤية الأولى، فقد كانت إصلاحية في جوهرها، حيث برز منذ عام 1898 الأرشيدياكون “حبيب جرجس”، الذي أصبح مديرًا للمدرسة الإكليريكية عام 1918، في حبرية البابا “كيرلس الخامس”، وعمل على ترقية المستوى العلمي والثقافي لرجال الإكليروس، حتى اكتملت حركة مدارس الأحد، في صورة مؤسسة داخل الكنيسة القبطية، في عام 1918. وكان من الواضح أن من أبرز الدوافع التي أدت إلى تشكيل مدارس الأحد، هي مواجهة سعي الكنيسة الإنجيلية إلى استقطاب الشباب الأرثوذكسي إلى مدارسها، وذلك في إطار نشاط الحركات التبشيرية التي نشطت من خلال بريطانيا والولايات المتحدة الأمريكية.

أما الثانية، فكانت سياسية -بالأساس- ومن خارج الكنيسة. وقد جاءت الحركة الاحتجاجية الثانية عبر جماعة الأمة القبطية التي تأسست في عام 1952، وكان على رأس المؤسسين شاب في العشرينيات من عمره هو المحامي “إبراهيم فهمي هلال”، وسجلت الجماعة نفسها في وزارة الشئون الاجتماعية كجماعة دينية، لا تشتغل بالسياسة. واختلفت الجماعة مع “البطريرك يوساب الثاني”، الذي عرف عصره التذمر بين صفوف الأقباط من جراء مظاهر الفساد، الذي اقترن بدوائر مقربة من البطريرك، ثم ما لبث في عام 1954 أن قامت مجموعة منهم وتحت تهديد السلاح بالهجوم على المقر البابوي، وأرغمت البابا على التوقيع على وثيقتين؛ إحداهما تنازله عن منصبه، والأخرى تتضمن دعوة المجلس المقدس والمجلس الملي العام للاجتماع والإعداد لانتخابات جديدة، غير أن السلطات ألقت القبض على الفاعلين وقدمتهم للمحاكمة، وتم حل التنظيم.

Share on facebook
Facebook
Share on twitter
Twitter

Start typing and press Enter to search