البحث عن حكومة

لبنان.. وقت مستقطع على تخوم "جهنم"

بات واضحًا منذ الخامس عشر من سبتمبر/أيلول الحالي، أن الملف اللبناني بات عند مفترق طرق بين الإنقاذ الصعب والانهيار الجهنمي.

فشل مصطفى أديب المكلف بتشكيل الحكومة اللبنانية، في الاستجابة لمهلة الأيام الخمسة عشر التي حددها الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون لإتمام عملية تشكيل الحكومة الجديدة، في تكرار لسيناريو بات منذ سنوات تقليدًا مدمرًا في اللعبة السياسية اللبنانية منذ انتهاء حقبة الوصاية السورية على لبنان عام 2005.

حين دخلت البلاد نادي الأرقام القياسية في طول فترة إنجاز الاستحقاقات الداخلية المفصلية، ليعلن أديب أخيرًا اعتذاره، بعد وقت مستقطع كاد يساوي المهلة الأصلية، عدم تمكنه من إتمام المهمة التي وكلت إليه، في تطور من شأنه أن يفتح الباب لكثير من السيناريوهات الخطيرة على مستقبل البلاد.

مصطفى أديب
نهاية لعبة الفراغ

لطالما أجادت الطبقة السياسية في لبنان لعبة الفراغ، في سياق سعيها الدائم لتوظيف التناقضات الإقليمية والدولية لتصفية حساباتها الداخلية، أو تحقيقًا لمكاسب تحاصصية أو تمهيدًا لطموحات معينة. لكن هذه اللعبة باتت منتهية الصلاحية، ذلك أن الاشتباكين الداخلي والخارجي باتا محكومين بقواعد مختلفة، ليست أقلها الأزمة الاقتصادية-الاجتماعية التي تفجرت غضبًا في الشارع في السابع عشر من أكتوبر/تشرين الأول الماضي، أو حتى الكارثة “الهيروشيمية” التي حلت بالعاصمة اللبنانية، والتي أذنت لانفجار المنظومة الحاكمة للبلاد منذ اتفاق الطائف الذي أنهى الحرب الأهلية (1975-1990).

رغم ما سبق، أظهر فشل تأليف الحكومة اللبنانية أن كل أطراف تلك الطبقة يعيش ما يمكن تسميته “حالة إنكار” للمتغيرات التي فرضتها نهاية “شهر العسل” الطويل بين السلطة السياسية، ونظيرتها النقدية التي ضمنت لسنوات مديدة تأمين الغطاء السياسي للمخططات الاقتصادية المعتمدة من الأولى، لقاء التمويل المالي لاستمرارية منظومة الحكم من الثانية. وهي المعادلة التي ظلت تحكم الوضع الداخلي في لبنان، المتأثر دومًا بالمتغيرات الخارجية، وفي القلب الصراع الأمريكي-الإيراني.

في سياق “حالة الإنكار” نفسها، افترضت القوى السياسية اللبنانية، التي كانت حتى الأمس القريب شريكة في منظومة الحكم، أن بإمكانها الحفاظ على هوامش المناورة، وهو ما طبع سلوكها العبثي مع المبادرة التي طرحها إيمانويل ماكرون في أول زيارة له إلى بيروت، غداة انفجار الرابع من أغسطس/آب الماضي، وبلور خطوطها العريضة في زيارته الثانية في مطلع سبتمبر/أيلول.

زيارة ماكرون للبنان

ما سمح للقوى السياسية بالمناورة، وقاد بالتالي إلى فشل عملية التشكيل الحكومي، هو أن المبادرة الفرنسية نفسها عانت في الأصل من نقاط ضعف كثيرة، جعلت خطواتها غارقة في الرمال المتحركة للسياسة اللبنانية من جهة، ومن جهة أخرى سائرة بين ألغام شديدة التفجر تتجاوز حدود لبنان، لتتصل بالملفات الإقليمية، لا سيما الملف الإيراني، الذي بات في الآونة الأخيرة عنوانًا لتناقضات حادة في المواقف على ضفتي الأطلسي. 

في الجانب الداخلي، تمثلت نقطة ضعف المبادرة الفرنسية في اقتصارها على القواعد المبدئية لعملية التأليف الحكومي، والتي يمكن تلخيصها في 3 نقاط:

حكومة “إنقاذية”، حكومة اختصاصيين، وحكومة ممثلة لكل المكونات السياسية بما في ذلك “حزب الله”.

بذلك تجاهلت باريس “شيطان التفاصيل” الذي عطل الاستحقاقات الحكومية، والذي من المؤكد فيه أن إصرار “الثنائي الشيعي”، (حركة “أمل” و”حزب الله”) بتسمية وزير المالية وبتكريس “شيعية” المنصب كعرف دستوري، لم يكن سوى الرأس الظاهر من جبل الجليد الذي يحوي باطنه الكثير من التناقضات المتصلة بالتوازنات/التناقضات الطائفية في لبنان.

ماكرون وعون
إفشال أمريكي لماكرون؟

أما في الجانب الخارجي، فكان واضحًا أن إيمانويل ماكرون استعجل التفاؤل بشأن تأمين الغطاء الأمريكي لمبادرته، أو أن ثمة تحوّلاً طرأ، كما يقول دبلوماسيون غربيون في بيروت، على موقف واشنطن مع انقضاء الأسبوع الأول من مهلة الأيام الخمسة عشر التي حددها الرئيس الفرنسي في مؤتمره الصحفي في “قصر الصنوبر”، مقر السفارة الفرنسية الذي شهد قبل مئة عام ولادة “لبنان الكبير”. فالإجراءات الأمريكية المتجددة ضد “حزب الله”، والتي تمثلت في إدراج وزيرين سابقين حليفين للحزب على قائمة العقوبات، كانت بمثابة رسالة للفرنسيين تفيد بأن الولايات المتحدة لا يمكن أن تخلي الساحة اللبنانية لمبادرتهم، التي من شأنها إستراتيجيًّا أن تشكل نقطة ارتكاز معينة في طموحات باريس في شرق المتوسط، إلا في مقابل أثمان سياسية محددة كتجديد الحظر المفروض على إيران، والضغط على لبنان لإنجاز عملية ترسيم الحدود البحرية بالصيغة التي تخدم الشروط الإسرائيلية.

ما سبق يكفي لفهم تريّث إيمانويل ماكرون في إعلان فشل مبادرته، وهو ما تبدّى في الوقت المستقطع الذي منحه لعملية تشكيل الحكومة، قبل إعلان مصطفى أديب اعتذاره عن عدم التأليف، وأيضًا في الاتصالات المكثفة التي أجرتها الدبلوماسية الفرنسية خلال الأيام الماضية على خطين:

الأول لبناني، وقد أثمرت مبادرة “تجرّع كأس السم” التي أطلقها رئيس الحكومة الأسبق سعد الحريري، والتي قبل بموجبها أن يكون وزير المالية من الطائفة الشيعية “لمرّة واحدة” على أن “يسمّيه الرئيس المكلّف”.

أما الثاني فدولي، وشمل العواصم المعنية بالملف اللبناني ابتداءً من واشنطن، ومرورًا بموسكو، ووصولاً إلى طهران.

انفجار بيروت

ومع ذلك، فإن الحراك الفرنسي المكثف لم يكن يعني في الأساس أن وجهة الحل يمكن حسمها في وقت مستقطع، أيًّا كان سقفه الزمني، فاحتمالات النجاح والفشل في تشكيل الحكومة اللبنانية ظلت متساوية منذ بدء سريان المهلة الفرنسية في الأول من سبتمبر/أيلول، بدليل أن كل زيارة يقوم بها مصطفى أديب إلى القصر الرئاسي غالبًا ما كانت مشفوعة بتسريبات إعلامية تفيد بأن الرجل “قد يقدم تشكيلته أو يعتذر عن عدم التأليف”، وهو الخيار الذي ظل مطروحًا منذ أن لاحت بوادر التعثر، إلى أن حسمه رئيس الحكومة المكلف أخيرًا.

متوالية العُقَد السياسية

بعد اعتذار مصطفى أديب، بات المشهد ضبابيًّا أكثر فأكثر، ولعلّ الأكثر تعبيرًا عن هذا الواقع هو رد الفعل الفوري في سوق الصرف السوداء، التي باتت “باروميتر” السياسة اللبنانية منذ أكثر من عام. فقد فضّل بعض الصيارفة غير الشرعيين عدم بيع العملة الأمريكية بعدما سجلت ارتفاعًا سريعًا من 7500 إلى 8500 ليرة لبنانية.

أما السؤال الذي بات على لسان الكل، فهو: ماذا بعد الاعتذار؟

من المؤكد أن ضبابية المشهد تمنع تقديم إجابة حاسمة على هذا السؤال، فالمرجّح أن فرنسا ستتريّث كثيرًا قبل أن تنعى مبادرتها، وهو أمرٌ يدركه الجميع في لبنان، بدليل أن الكل سارع إلى تأكيد تمسكه بالمبادرة الفرنسية، بمن في ذلك رئيس الحكومة المكلّف/المعتذر، وهو ما يُفترض معه أن تستكمل باريس جهودها، ولو في وقت مستقطع أخير، مع بروز متغيّر إضافي، وهو أن الأمور قد عادت إلى نقطة الصفر، أي إلى نقطة ما قبل تكليف مصطفى أديب بتشكيل الحكومة.

اجتماع ماكرون والقوى السياسية في لبنان

بذلك، فإنّ الحراك الفرنسي سينصب أساسًا، خلال الأيام المقبلة، على الدفع في اتجاه تكليف شخصية جديدة بمهمة التأليف الصعب، ما يفتح الباب مجددًا لسعد الحريري لتصدّر المشهد الحكومي، وإن كان التكليف المرتقب لا يشي بالضرورة بأنّ حل الأزمة السياسية ممكن، إلا في حال أجرت باريس تعديلاً جوهريًّا على مبادرتها على النحو الذي يضمن توافقًا ضمن حزمة متكاملة.

هذا التحديث يفترض أن يأخذ في الحسبان حقيقة ربما غابت عن صنّاع المبادرة الفرنسية، وهي أن كل عقدة حكومية في لبنان غالبًا ما يؤدي حلها إلى إنتاج عُقَد أخرى، تسير معها عملية التأليف في دوامة مفرغة، وهي نمطية تتجدد اليوم على نحو أكثر حدّة، وتخاطر معه القوى السياسية بإضاعة ما بات يصف به كثرٌ في لبنان المبادرة الفرنسية بأنها “الفرصة الأخيرة”، وهو ما عبر عنه الرئيس اللبناني على نحو صادم للغاية حين قال “ذاهبون إلى جهنم”، ردًّا على سؤال عما سيؤول إليه فشل مبادرة ماكرون.

الأمثلة على حلقة العُقَد الحكومية المترابطة، يمكن على الأقل تلخيصها بمتاهات المطبات والعراقيل، التي حالت دون إتمام التقليد الرسمي في عملية تشكيل الحكومات اللبنانية، والذي غالبًا ما يكون دخانه الأبيض يوجه رئيس الحكومة المكلف إلى القصر الجمهوري، ومن ثمَّ دعوة رئيس مجلس النواب إلى الحضور، تمهيدًا لتوقيع المراسيم:

أولًا، العُقدة الشيعية لا تزال  وستظل غير محسومة بالكامل، رغم الاختراق الظاهر الذي تبدَّى في موقف سعد الحريري، ذلك أن مبادرة الأخير ما زالت تصطدم بموقف “نادي رؤساء الحكومات” الرافض لتقديم هذا “التنازل” -حتى إن ثمة من يعتقد أن التعارض في الموقفين ليس سوى عملية تبادل أدوار بعض مبادرة يمكن وصفها بـ”الطوباوية” طرحها الرئيس اللبناني باقتراحه إلغاء التوزيع الطائفي للوزارات السيادية- لا بل إن الموقف السنّي الذي عبر عنه رؤساء الحكومة السابقون يتلاقى مع الموقف المسيحي الرافض لتكريس “شيعية” وزارة المال، على النحو الذي عبّر عنه كل من ميشال عون والبطريرك الماروني بشارة الراعي.

حسن نصر الله

ثانيًا، حل العقدة الشيعية لا شك أنه سيفتح الباب أمام عقدة مسيحية، فعلى الرغم من إعلان التيار الوطني الحر، الموالي لعون، عدم رغبته في المشاركة في الحكومة الجديدة، تسهيلاً لتأليفها، فإن الاستجابة لشرط حركة “أمل” و”حزب الله” بتسمية الوزراء الشيعة لا شك أنه سيقابل بشرط مماثل يتمثل في تكريس رئيس الجمهورية في اختيار الوزراء المسيحيين، وهو ما أكد عليه عون ضمنيًّا في مؤتمره الصحفي الأخير حين ذكر بضرورة توقيعه على التشكيلة المقترحة لكي تصبح الحكومة سارية المفعول.

ثالثًا، من الواضح أن ثمة إصرارًا من “حزب الله” على أن يحظى بتمثيل أساسي في الحكومة الجديدة، انطلاقًا من رغبته في أن يكون شريكًا أساسيًّا في القرار، بما يحقق له مظلة سياسية داخلية من شأنها أن تخفف عنه تداعيات حملة العقوبات الأمريكية المتجددة، وهو أمر من شأنه أن يصعّب فرص التوافق بين باريس، التي أبدت مرونة في التعامل مع الحزب، قابلها انزعاج لم تُخفِه واشنطن على النحو الذي تبدّى في تصريحات مسؤوليها، وهذا ما يلقي المزيد من الشكوك على احتمالات نجاح المبادرة الفرنسية في سياقها الخارجي.

"اشتدي يا أزمة" أو انفجري!

على هذا الأساس، فإنّ لبنان يبدو مقبلاً على سيناريو من اثنين: إما أن يشكل اعتذار مصطفى أديب صدمة إيجابية تدفع مسار التأليف الحكومي إلى قواعد جديدة تضمن نجاح المبادرة الفرنسية، وفق مقولة ابن النحوي الترزي “اشتدي أزمة تنفرجي”، بما يفتح كوة في الجدار المسدود، وإما أن يستمر الفراغ الحكومي وتسير بالتالي بالبلاد إلى “جهنم”، خصوصًا في ظل حالة الاحتقان القائمة في الشارع والتي تتراوح تأثيراتها المرتقبة بين حدّ أدنى يتمثل في انفجار اجتماعي غير مسبوق يحذر منه الجميع، وبين حدّ أقصى يتمثل في فتن باتت تطلّ برأسها في بروفات شهدها أكثر من شارع حزبي.

Share on facebook
Facebook
Share on twitter
Twitter

قصة

وسام متى

صحفي لبناني

مشاركة

أحمد بيكا

غُلاف رئيسي

Start typing and press Enter to search