البحث عن مدفن

شائعة نقل العدوى لا زالت تطارد "موتى كورونا"

جلس “سيد نصر” داخل سيارة نقل الموتى، شارد الوجه، متكئًا على صندوق خشبي يحوي جثمان جدته العجوز، بينما كان سائق السيارة يتنقل من محافظةٍ لأخرى بحثًا عن قبرٍ لتُوارَى الجدة الثرى.

امتدت الرحلة ساعات طويلة، بدءًا من مستشفى العجوزة للعزل بحي العجوزة (محافظة الجيزة)، مرورًا بمحافظة القليوبية، وانتهاءً بقرية كفر “كلا الباب”، إحدى قرى محافظة الغربية (شمال القاهرة)؛ ليتمكن الشاب العشريني في نهاية المطاف، من دفن جدته تحت حراسة قوات الأمن.

الدفن بعد تدخل قوات الأمن، سَبَّبَ صدمةً نفسيةً لسيد؛ خاصةً أنَّ وفاة جدته جاءت بعد موجة من الغضب العارم على مواقع التواصل الاجتماعي، بعد محاولة أهالي قرية بالدقهلية منع دفن طبيبة توفيت بفيروس “كورونا”، وبعد تاكيد شيخ الأزهر ضرورة “إكرام من ماتوا بسرعة دفنهم والدعاء لهم” وتصريح دار الإفتاء بـ”أنَّ التشاؤم بالمصابين والمرضى، سلوك ذميم منهي عنه شرعًا”.

وقبل أسابيع قليلة، كان “سيد” يحتفل مع عائلته بزفاف أحد أقاربهم في شبرا الخيمة (شمال القاهرة)، دون أنّ يدري أيٌّ منهم أنَّ فيروس “كورونا” المستجد (كوفيد-19)، يُشارك هو الآخر في الاحتفال لكن بطريقته الخاصة.

بعد ساعات من انقضاء الحفل، انتقلت العائلة بكاملها إلى مستشفى العزل بحي العجوزة، وأثبتت التحاليل التي أُجريت لهم إصابة 33 منهم بفيروس “كورونا”، وخلال ساعات قليلة تُوفيت الجدة “غالية”.

لا يزال “سيد” يذكر ذلك الاتصال، الذي أُبلغ فيه بوفاة جدته، كما يقول لـ”ذات مصر”، مضيفًا أنّه توجه بعده إلى المستشفى؛ لاستلام جثمان جدته، ومتابعة إجراءت الدفن.

استقل “سيد” سيارة دفن الموتى برفقة طبيب من مستشفى العزل، وهو يُلقي نظرات الوداع على جثمان جدته، ويستدعي ذكرياته معها، ومن ثَمَّ توجّهت السيارة إلى مقابر العائلة بمنطقة بهتيم (محافظة القليوبية)، غير أنَّ الأهالي تجمهروا وقرروا منع دفن السيدة العجوز، خوفًا من انتقال العدوى إليهم.

بعد دقائق وصلت قوات الأمن المصرية إلى المقابر، وحاولت إقناع الأهالي بالموافقة على مواراة الجثمان الثرى، وأكد الطبيب المرافق لـ”سيد” للأهالي أنَّ الفيروس لا ينتقل بعد وفاة المصاب به، غير أنّهم أصروا على منع الدفن، وبعد أنّ فشلت المحاولات وتطورت الأمور إلى مشادات بين الأمن والأهالي، عاد “سيد” ليحمل جثمان الجدة، ويستقل السيارة؛ ليتوجه إلى مقبرة أخرى بعد أنّ أخبره أحد رجال الأمن بالبحث عن مكان آخر ليدفن جدته.

قطعت السيارة نحو 62 كم في نحو ساعتين، من بهتيم حتى كفر “كلا الباب” بمحافظة الغربية (شمال القاهرة) مسقط رأس الجدة “غالية”، وما إنّ وصلت إلى مقابر القرية حتى تجمع الأهالي؛ للاعتراض على عملية الدفن، وحضرت قوات الأمن للتفاوض مع الأهالي أيضًا.

نقل جثمان سيدة لـقرابة 62 كم ورفض أهالي القرية دفنها

حلَّ الظلام على المكان بينما استمرت مفاوضات الدفن؛ لينجح رجال الأمن في إقناع الأهالي بإتمام العملية، وعندها حمل الشاب العشريني جدته على كتفه، ونزل بها إلى القبر؛ لتنتهي رحلتها مع الحياة في البلدة التي وُلِدت فيها.

عاد “سيد” إلى منزل والده في شبرا الخيمة، وبعد وقت قصير نقلته سيارات الإسعاف إلى مستشفى العزل، لكونه مخالطًا للحالات المصابة بالفيروس خلال حفل الزفاف، وعندما وصل إلى المستشفى تلقى اتصالًا آخرَ يخبره بوفاة عمه.

لم يتمكن “سيد” من الخروج لدفن عمه، وتطوع بعض أصدقائه لإتمام المهمة، غير أنّهم عانوا من الأزمة نفسها التي عانى منها، في “بهتيم” وكفر “كلا الباب”؛ لينتهي المطاف بالجثمان في إحدى مقابر الصدقة، التي تُخصصها الجمعيات الخيرية للمتوفين.

قواعد مشددة من الطب الوقائي لدفن موتى "كورونا"

“نتخذ الإجراءات الوقائية المناسبة، ويرافق أطباؤنا جثامين المتوفين حتى مثواهم الأخير”، بهذه الكلمات استهلَّت الدكتورة “ألفت عبدالرؤوف”، مدير عام الطب الوقائي بوزارة الصحة المصرية، حديثها مع “ذات مصر” حول طريقة التعامل مع الحالات المتوفاة، نتيجة الإصابة بفيروس “كورونا” المستجد.

وتضيف مدير عام الطب الوقائي: “مهمة أطبائنا الإشراف ومتابعة اتخاذ إجراءات الوقاية من قِبل أهل المُتوفَّى، الذين يقومون بمهمة حمل الجثمان ودفنه داخل المقبرة”.

وتُشير مدير عام الطب الوقائي بوزارة الصحة إلى أنَّ الإجراءات تشمل وضع الجثمان بعد الغُسل والتكفين داخل كيس غير منفذ للسوائل، وتوضع عليه علامة خطر الإصابة بالعدوى، إضافةً إلى نقل الجثمان داخل صندوق مغلق قابل للتنظيف والتطهير، مع مراعاة عدم فتحه إلا بالمدفن، على أنّ يلتزم الأشخاص الذين يقومون بالدفن بارتداء الواقيات المناسبة، ويقومون لاحقًا بغسل أيديهم وتطهيرها بالمطهرات والكحول، وتنظيف كافة الأسطح التي لامسها الجثمان قبل الدفن.

جثمان مصاب "كورونا" في كيس عزل طبي

ودّعَت “شروق إبراهيم” والدها على أبواب مستشفى المبرة ببورسعيد (شمال شرق القاهرة)، وعادت إلى منزلها برفقة القلق الذي صاحبها منذ أنّ علمت بإصابة والدها بفيروس “كورونا” المستجد.

داخل المنزل جلست “شروق” ووالدتها ترددان الدعوات، وتتمنيان أنّ يعود “الشيخ إبراهيم” للمنزل الذي مكث فيه نحو 66 عامًا، وبعد ساعتين فقط تَلَقَّتَا اتصالًا من إدارة المستشفى التي أبلغتهم بوفاة والدهم، وطلبت منهما الحضور مبكرًا لإتمام الإجراءات واستلام الجثمان.

صباح اليوم التالي، ذهبت “شروق” مع والدتها وشقيقيها لاستلام الجثمان، لكنهم تفاجئوا برفض العاملين في المستشفى تغسيل الجثمان خوفًا من إصابتهم بالعدوى، وبعد فترة طويلة من البحث، تطوع أحد الأطباء بإحضار شخص؛ ليقوم بتغسيل الجثمان وتكفينه طبقًا للشريعة الإسلامية، ووضعه في كيس العزل الطبي، وفقًا للاحتياطات الوقائية لوزارة الصحة المصرية.

بعدما انتهى الطبيب من عمله، بدأت رحلة معاناة أخرى في نقل الجثمان؛ إذ أخبرتهم إدارة المستشفى بأنّه من غير الممكن خروجه في أحد الصناديق الخشبية من المستشفى، إضافةً إلى عدم وجود سيارة نقل للموتى بعد رفض السائقين نقله.

ساعات عدة قضتها أسرة “شروق” داخل المستشفى، بينما انشغل الأشقاء بالبحث عن سيارة دون جدوى، وفي النهاية أخبرتهم المستشفى بأن شخصًا تطوع لنقل جثمان والدهم على سيارة “ربع نقل”.

حمل شقيقا “شروق” الجثمان على كتفيهما دون صندوق خشبي أو تابوت، ووضع الجثمان داخل صندوق السيارة، وانتقلت السيارة نحو المقابر تُلاحقها نظرات عشرات الأشخاص، الذين اندهشوا لرؤية الجثمان يطوف الشوارع داخل كيس العزل.

جثامين المصابين بـ"كورونا" لا تنقل العدوى

يؤكد الدكتور “علاء حشيش”، مسؤول الأمراض المُعدِيَة بمكتب منظمة الصحة العالمية داخل مصر، أنَّ جثامين المصابين بفيروس “كورونا” المستجد لا تنقل العدوى بعد دفنها، موضحًا أنَّ الفيروس يموت داخل الرئة والدم بعد وفاة المصاب.

ويشير “حشيش” إلى أنَّ وزارة الصحة المصرية، تتخذ العديد من الإجراءات الوقائية الإضافية، كوضع المُتوفَّى داخل كيس من غير منفذ للسوائل؛ لضمان عدم انتقال العدوى.

وينتقد المسؤول بمنظمة الصحة العالمية وصم المصابين والمتوفين بفيروس “كورونا”، لافتًا إلى أنَّ البعض دعا لدفن تلك الجثامين في الصحراء دون مراعاة للفوارق البيئية بين مصر وغيرها من الدول الصحراوية؛ ما ينم عن ضعف المعرفة العلمية.

دفن بالقوة الجبرية

في الفترة الأخيرة من حياته، كان لـ”عبدالمنعم عبدالواحد” أُمنيّة أخيرة، هي أنّ يُدفن بمقابر عائلته في قرية “بولس” بمحافظة البحيرة (غرب القاهرة)، دون أنّ يدري أنَّ دفنه سيتم بالقوة الجبرية، كما يقول “محمد عبدالمنعم” أحد أفراد عائلته.

أُصيب الشيخ السبعيني بفيروس “كورونا”، ونُقِل إلى مستشفى العزل بمحافظة الإسكندرية، قبل أنّ تتطور حالته ويفارق الحياة.

قررت عائلته أنّ تُنفذ وصيته، فحملت الجثمان إلى مقابر القرية؛ ليتفاجئوا باحتشاد بعض أهالي القرية؛ لمنع عملية الدفن، بعد أنّ أبلغهم حارس المقابر بأنَّ دفن الجثمان يُشكل خطرًا على حياتهم، وقد يصبح سببًا لنشر الوباء داخل القرية.

اعترض الأهالي سبيل سيارة نقل الجثمان، ومنعوها من الوصول إلى المقابر، قبل أنّ تحضر قوات الأمن إلى المكان، وتُفرق المجتمعين، بعد إطلاق قنابل الغاز المُسيل للدموع.

نقل الجثامين لعدوى "كورونا" شائعة

يُعلق الدكتور “شريف حتة”، استشاري الصحة العامة والطب الوقائي، على الواقعة قائلًا: “لا يوجد دليل علمي على أنَّ جثامين المصابين تنقل عدوى “كورونا”، ومنظمة الصحة العالمية نفت تلك المعلومات المغلوطة التي يتداولها البعض”.

ويُضيف “حتة” لـ”ذات مصر”، أنَّ الإجراءات التي تتبعها وزارة الصحة في التعامل مع المصابين المتوفين كفيلة بمنع انتقال العدوى نهائيًّا، مشيرًا إلى أنَّ اشتراط عدم إقامة الجنازة هو لضمان عدم إقامة تجمعات، وليس خوفًا من نقل الجثمان للعدوى.

الدكتور “جمال فرويز”، أستاذ الطب النفسي بالأكاديمية الطبية، يُفسر ظاهرة التجمهر لمنع دفن موتى “كورونا”، بأنّها نتيجة دوافع نفسية متشابكة ناتجة عن قلة الوعي، وعدم المعرفة الكاملة بطبيعة الفيروس وطرق انتشاره.

ويضيف “فرويز” لـ”ذات مصر”، أنَّ استقاء المعلومات من مصادر خاطئة، أدى لفهم مغلوط عند بعض الأشخاص، وانعكس ذلك على سلوكهم، وتجمعهم لمنع دفن بعض المتوفين نتيجة الفيروس.

في حين تعتبر الدكتورة “سامية خضر”، أستاذ علم الاجتماع بجامعة عين شمس، أنَّ بعض المصريين ليس لديهم وعي كافٍ، معتبرةً أنَّ المسؤولية الكبرى تقع على الإعلام؛ لإيصال التوعية الصحيحة للشعب، الذي تبلغ نسبة الأميّة فيه نحو 30 %.

وتوضح “خضر” أنَّ الدول الكبرى تعمل على إيصال المعلومات الصحيحة للجماهير، مشيرةً إلى أهمية حملات التوعية في بناء المستقبل، والحيلولة دون تكرار سلوك التجمهر لمنع دفن الموتى.

أبناء يرفضون استلام جثمان والدهم المُتوفَّى بـ"كورونا"

في الأيام الماضية، ساد الحزن، اليومي والمعتاد، أروقة أحد مستشفيات العزل؛ لوفاة مصاب بـ”كورونا”، تهامس الأطباء بأنَّ على أحدهم إخبار أسرته؛ حتى يقوموا بالاستعداد لعملية الغُسل والدفن، وسارع طبيب منهم لإخبار أسرة المُتوفَّى؛ لكنَّ الرد جاء صادمًا “لن نستطيع استلام الجثمان”.

“محمد” شاب في العشرين من عمره يعيش بأحد الأحياء الشعبية في شبرا الخيمة بمحافظة القليوبية، ويعمل في أحد مصانع الملابس القريبة من محل إقامته، ترددّ الشاب كثيرًا في الحديث مع “ذات مصر” حول الواقعة، لكنّه بادر للحديث لاحقًا، متذكرًا اليوم الذي رفض فيه أبناء عمومته استلام جثمان والدهم العجوز، 74 عامًا، الذي طالما دعا الله في صلاته أن يرحل قبل أبنائه؛ حتى يجد من يحمله إلى مثواه الأخير.

عمل الراحل لسنوات طويلة باليومية في مجال الإنشاءات؛ حتى يستطيع الإنفاق على أبنائه، لكن في سنوات حياته الأخيرة داهم المرض جسده، ولم يعد يقوَ على العمل فالتزم منزله، ولم يخرج إلا على فترات قليلة سواء للذهاب إلى أرضه الصغيرة، أو لزيارة أقربائه، وفي أحد الأيام تفاجئت أسرتهأ بإصابته بفيروس “كورونا”، وجرى نقله إلى مستشفى العزل، ووضع أبنائه تحت الحجر الصحي، وظلّت حالته تتدهور في المستشفى حتى وفاته.

يقول محمد: “لم يتوقع أحد أنّ يرفض أبنائه استلام جثمانه ليس خوفًا من العدوى، بل خوفًا من أهالي القرية الذين عاملوهم وكأنهم منبوذين، فور علمهم بإصابة الوالد”.

إجراءات مشددة في التعامل مع موتى كورونا

محاولات عدة قضاها الأطباء مع اثنين من أبناء المُتوفَّى؛ لإقناعهم بالمساهمة في عملية غُسل والدهم؛ حتى يتمكنوا من استلامه، لكن الرفض كان إجابتهم الوحيدة، وبعدما يأس الأطباء تبرع أحد الممرضين لتغسيل المُتوفَّى، وأشرف طبيب آخر على الصلاة عليه داخل المستشفى ثم نقله إلى قريته.

كان الصادم بالنسبة إلى الطبيب المشرف على نقل الجنازة، أنَّ أهل القرية رفضوا أنّ يتم دفن المُتوفَّى في مقابر العائلة، ولم يعترض الأبناء على الوضع بل خضعوا لموقف أهل القرية، وقرروا وضع أبيهم داخل مقبرة صغيرة وحيدة وسط أراضي زراعية، تبعد عن مقابر القرية الرئيسية، تلك المقبرة التي لم ينتهِ تجهيزها بعد؛ لكنّهم قرروا استخدامها ودفن والدهم داخلها كونها تقع على أطراف القرية؛ لتتميز تلك المقبرة بأنَّ بداخلها مُتوفَّى “كورونا” لا يقترب منها أحد، بحسب حديث محمد.

Share on facebook
Facebook
Share on twitter
Twitter
قصة
سارة أبو شادي

صحافية مصرية

مشاركة
أحمد بيكا

رسوم وجرافيك

Start typing and press Enter to search