البروفيسور ديديه سيكار

الأفاعي قد تكون أخطر مصدر لكورونا

جائحة كورونا رواية، كلما عدنا إلى فصولها الأولى، استطعنا التنبؤ بأشكال تطورها، ومن ثمّ نقترب من وضع نهاية مناسبة لها.
هكذا يرى البروفيسور “ديديه سيكار” (Didier Sicard)، الباحث الفرنسي المتخصص في الأمراض المعدية، فيروس كورونا المستجد. 

“سيكار” البروفيسور المشغول بأخلاقيات العلم، يكافح -حاليًّا- من أجل أن يفهم كل شخص حيوية دوره في سلسلة انتشار الفيروس.
وخلال هذا الحوار، ينطلق “سيكار” إلى الغابات ليسلط الضوء على الحيوانات البرية وهي تتغذى على بعضها بعضًا في تجانس ونظام متوازن، إلى أن تجد نفسها فجأة طعامًا لبعض البشر.

وعبر تلك الرحلة الافتراضية، يدعو “ديديه سيكار” العلماء المنعزلين في معاملهم، إلى أن يغامروا، بالذهاب إلى الكهوف، كي يبحثوا عن أصل فيروس كورونا المستجد.
وإلى نص الحوار:

لماذا تعتقد أنه ينبغي العودة إلى نقطة بدء فيروس كورونا؟

هنالك لا مبالاة بنقطة البدء، كما لو أن العالِم غير مَعنيٍّ سوى بما انتهينا إليه من بحثٍ عن المصل والعلاجات. ولكي نمنع تكرار الأزمة الحالية، يجب أن نعي أهمية النقطة التي بدأ منها فيروس كورونا المستجد (كوفيد-19)، وحتى الآن لا يزال الجميع يهملون ذلك.

نحن نعلم أن هذه الجائحة بدأت من سوق مفتوحة لبيع الحيوانات البرية، كالثعابين والخفافيش وآكل النمر الحرشفي، في مدينة ووهان الصينية، حيث يشتري الناس هذه الحيوانات للاحتفال بعام الفأر، رغم ارتفاع أسعارها.

في سوق ووهان، يلمس الباعة هذه الحيوانات، وتكون مُلطّخة بالبول، وتتجمع القُرادات والبعوض حولها بالآلاف. ما يعني أن بعض الحيوانات المُصابة قد نقلت العدوى بالضرورة إلى حيوانات أخرى خلال بضعة أيام، ويُمكننا افتراض أن بائعًا قد جُرح أثناء التعامل معها، أو أنه قد احتكّ ببولها الملوث قبل أن يلمس وجهه، ثم بدأ الأمر!

آكل النمل

ومن المؤسف عدم المبالاة بأسواق الحيوانات البرية في العالم، لا سيما وأن شرطة الجمارك ضبطت بعض المسافرين يُهرّبون حيوانات كآكل النمل الحرشفي في حقائبهم، ويُقال إن هذه الأسواق تُدر أرباحًا مساوية لما تُدره سوق المخدرات في المكسيك. 

وما مدى خطورة الاستمرار في تجارة الحيوانات البرية؟

مصدر الوباء يجب أن يكون موضوعًا لتحرك دولي حقيقي، نحن كعلماء نعرف أن العديد من الأوبئة ستعاود الظهور في الأعوام القادمة بصورة متكررة إذا لم تُمنع تجارة الحيوانات البرية بشكل قاطع، وينبغي أن تُجرم تلك التجارة تمامًا كتجارة المخدرات.

منذ وقت طويل، تسببت الحيوانات في ظهور أوبئة كالإنفلونزا الموسمية من نوع H5N1، والإيبولا، إضافةً إلى حمى الضنك، والإيدز. وهذه الأمراض الفيروسية تأتي من مخزن حيواني، وعلى الرغم من ذلك لم يُثر الأمر اهتمام كثيرين. 

الخفافيش

هناك 30 نوعًا من فيروس كورونا في أجساد الخفافيش على سبيل المثال، ويجب أن نُجري الدراسات عليها، وينبغي أن ننطلق كعلماء إلى الكهوف، بعد أخذ الاحتياطات اللازمة، لجمع عينات من الأفاعي، وآكل النمل الحرشفي، والنمل، ومراقبة الفيروسات التي تأويها. وحتى الآن لا يُقدّر الباحثون ولا المختبرات أهمية ذلك، ويُفضّل أغلبهم العمل من داخل معامل الأحياء الجزيئية وهم يرتدون السترات الواقية التي تُشبه زيّ رواد الفضاء.

كما أنني أفكر بشكل خاص في مسألة تربية الدجاج والخنازير في “بطاريات” داخل الصين، إذ إنها تتسبب كل عام في المزيد من أوبئة الإنفلونزا المرتبطة بفيروس الإنفلونزا الموسمية. جمع الحيوانات بهذه الطريقة “كارثي”، ولا يدرك فاعلوه خطورته، كما لو أن الصلة منقطعة تمامًا بين الطب البيطري والطب البشري.

هل هناك أمثلة أخرى على أهمية دراسة المصدر الحيواني للأوبئة؟

بالطبع، الطاعون مثال مهم، لأن فهم السلسلة التي ينتقل من خلالها الطاعون ساعدنا في التصدي له؛ إذ إن الفئران هي المخزن الحيواني لهذا المرض، وهناك أنواع من الفئران “مُقاوِمة جدًّا” تنقل البكتيريا العصوية المُسببة للطاعون دون أن تتأثر بها، كما أن هناك أنواعًا أخرى حساسة جدًّا، إذ يكفي أن تلتقي بعض الفئران الحساسة بالفئران المقاوِمة كي تنتقل إليها العدوى وتموت على الفور، وبموتها تبحث البراغيث عن ضحايا جدد لتمص دمهم، حينئذ تنتقل لقرص البشر.

في الدول التي ما زالت تعاني من الطاعون (مثل: إيران، والصين، ومدغشقر، أو ولاية كاليفورنيا بالولايات المتحدة) تُعتبر لحظة موت الفئران هي اللحظة الحاسمة للتدخل، لأننا ندرك وقتها أننا إزاء قنبلة بيولوجية على وشك الانفجار.

من حسن الحظ أن الطاعون صار اليوم مرضًا من الماضي، ولم تعد الإصابات به تتجاوز 4 أو 5 آلاف حالة على مستوى العالم، لكنه يبقى مثالًا على أهمية معرفة المصدر الحيواني للمرض، وهي الخطوة التي نواجه صعوبة حاليًّا في الإحاطة بها.

وأخيرًا، لو استمرت أسواق الحيوانات البرية في بيع لحومها، فإننا سنكون أمام موقف “هزلي”، ويجب علينا تطبيق “الحذر الوقائي” لأن الوقاية خير من العلاج.

ديديه سيكار
ما هي الأبحاث التي يجب أن يُركز عليها العلماء؟

يجب أن نحاول تتبع خط سير الوباء، لكي نتمكن من فهم كيف عاش فيروس كورونا المستجد داخل أجساد الخفافيش طوال ملايين السنين، وعلاوة على ذلك كيف ساهم في انتشارها.

هناك عدة افتراضات على انتقال الفيروس من المصدر الحيواني، من بينها أن الخفافيش عند موتها تسقط من سقوف الكهوف التي تعيش فيها، وهكذا تلتقطها الأفاعي والثعابين، ولا سيما الأنواع التي تشتهي التغذي على تلك الجثث.

كما أن الأمر نفسه يحدث مع صغار الخفافيش التي تلتهمها الثعابين بمجرد سقوطها على الأرض، وبالتالي من المحتمل أن تكون الثعابين مُضيفًا وسيطًا للفيروسات. إضافةً إلى هذا، توجد في الكهوف أعداد كبيرة من البعوض والقراد، وينبغي أن نعرف ما هي الحشرات التي يمكن أن تكون ناقلة للفيروسات.

وهناك افتراض آخر بأن عملية الانتقال تحدث عندما تخرج الخفافيش ليلًا لأكل الفاكهة، لأن لهذه الحيوانات رد فعل غريزيًّا هو التبول بمجرد ابتلاع الطعام، مما يعني أنها يمكن أن تُلوِّث الثمار الموجودة بهذه الأشجار. قطط الزباد كذلك تحب الفاكهة، وحين تأكلها تتعرض للإصابة، ويشارك النمل في هذه الولائم، ويتغذى آكل النمل الحرشفي على النمل بصورة أساسية، فيلتقط العدوى بدوره.

هذه هي السلسلة الغذائية التي يجب اكتشافها، ومن المحتمل أن تكون الثعابين هي أخطر مخزن للفيروسات، فهي التي تقتات على الخفافيش الحاملة لفيروس كورونا، ويمكن اعتبار الثعابين هي التي تأوي هذه الفيروسات بصورة دائمة. لكن يبقى هذا افتراضًا يجب التأكد من صحته، لذا ينبغي جمع عدد من الخفافيش، وكذلك إخضاع النمل، وقطط الزباد، وآكل النمل الحرشفي، للاختبار، كي نفهم طبيعة دورهم في سلسلة نقل الفيروس، وهذا عمل صعب نسبيًّا، لكنه هام وضروري للغاية.

وحتى الآن، ليست لدي إجابات عن كل الأسئلة، لكني أعرف ببساطة أن “نقطة البدء” ما تزال مجهولة، ومُهملة، بينما نُلقي في المؤتمرات خطابات فلكلورية ونتكلم عن الخفافيش كأننا نتكلم عن لعنة الفراعنة.

معهد باستور
هل يمكن القول إن الدراسات التي أُجريت على الخفافيش ليست جادة بما يكفي؟

بالطبع دراسات جادة، لا يسعنى أن أقول العكس، وألمس هذا بنفسي عندما أزور معهد باستور في دولة لاوس المجاورة للصين، حيث أُجريت دراسة تأسيسية في فهم طريقة انتقال الأمراض عن طريق الحيوانات، لكنها لم تحظَ بالشهرة الكافية.

وأخبرني مدير المعهد “بول بري” (Paul prey) عدة مرة أن الخفافيش تحمل أكثر من ثلاثين نوعًا من فيروس كورونا، وكل هذا يعني أن الجهد العلمي المبذول ليس على المستوى المطلوب.

كيف يتعامل سكان لاوس مع هذه الخفافيش؟

ما فاجأني في “لاوس” هو أن مساحة الغابات الطبيعية تتراجع باستمرار، لأن الصينيين يُحلّون محلها المحطات والقطارات، وهذه القطارات التي تعبر الغابة دون أي إجراءات احترازية، يمكن أن تصبح ناقلة للأمراض الطفيلية والفيروسية على طول الصين، ولاوس، وتايلاند، وماليزيا، وحتى سنغافورة. إن طريق الحرير الذي يُنجزه الصينيون حاليًّا قد يُصبح طريقًا لنشر الأمراض الخطيرة.

واقعيًّا، أصبح الوصول إلى الكهوف أكثر سهولة، ويقترب البشر من “كهوف الخفافيش” التي يزداد الطلب عليها كطعام في بعض المناطق، كما يؤسس البشر حدائق من أشجار الفاكهة بالقرب من هذه الكهوف، دون أن يدروا أنهم يؤسسون مناطق زراعية بالقرب من مستودعات الفيروسات الخطيرة.

لماذا تستمر تجارة الحيوانات البرية في الصين؟

هناك تشريع دولي يُحرم بيع الحيوانات البرية، لكن الصين بشكل خاص لا تحترمه، ولذلك ينبغي إنشاء محكمة دولية خاصة للصحة، لأن الدول لو تُركت لتنظيم هذه الأمور داخليًّا، فلن يتغير أي شيء.

كما أن مسألة المحكمة الصحية ضرورة مرحلية، لا سيما بعدما اكتشفنا أن الصين مارست ضغطًا على منظمة الصحة العالمية كي لا تُعلن عن كورونا المستجد كوباء، في محاولة للتعتيم على الموقف، وذلك لأنها تُموّل المنظمة بصورة كبيرة.

ويجب أن تتمتع المحكمة باستقلالية تامة، مثل المحكمة الدولية لجرائم الحرب، والاستعانة بمفتشين دوليين يذهبون للتأكد بأنفسهم مما يحدث على الأرض.

ما هو أكثر ما لفت نظرك في السلوك الجماعي تجاه الوباء؟

تراوح رد الفعل البشري ما بين الاستخفاف والقلق العارم، وهذان السلوكان خاطئان لأن الاستخفاف يؤدي إلى الإصابة بالفيروس، والقلق يقود إلى السلوكيات غير العقلانية. وأستطيع أن أضرب مثلًا بهرب سكان المدن الفرنسية الكبرى -كباريس وليون- إلى الريف ومدن الأقاليم؛ إذ يُبرهن هذا أولًا على ضيق أفق حاد، فالأمر ليس كتقدم الجيوش النازية إبان الحرب العالمية الثانية.

إن سلوك الهرب الفردي تجاه الريف، ينطوي على قدر كبير من الأنانية، وأتصور أنه لو كان باستطاعتنا أن نعزل الأشخاص الأكبر سنًّا مثلًا في الريف، لكُنّا حققنا شيئًا إيجابيًّا، لكن عندما نلتقي أزواجًا من الشباب، أو مجموعات من الأصدقاء يخططون لقضاء عطلة! فإن هذه الصورة صادمة بشكل مماثل لصدمة الوباء، لأن الوباء يُحتم علينا أن نتصرف كنموذج جيد للآخرين.

إذن، أنت تدعو لتغيير السلوك العالمي؟

نعم، ويجب ألا يتعامل المرء مع نفسه بوصفه “استثناءً”. هناك مَنْ يقول: “عمري ثلاثون عامًا، وأتمتع بصحة جيدة”، وهذا تفكير خاطئ، وهناك العديد من الأشخاص يستمرون في سلوكياتهم الخاطئة بزعم أنهم غير مصابين.

وينبغي أن نعلم أن واحدًا من كل ثلاثة مُصابين لا يشكو من أي أعراض. وبالتالي، يجب أن يتعامل كل فرد مع نفسه، بوصفه مصُابًا محتملًا دون أن يعرف.

لقد انتقل الوباء عبر الأشخاص الذين عادوا من الصين ومن إيطاليا، هناك مثلًا السيدة الإيطالية التي عادت من الأرجنتين، وحضرت حفلًا للزفاف وقبّلت كل الناس. ونقلت هذه السيدة العدوى إلى 56 شخصًا! إن انعدام المسئولية في فترة الوباء يؤدي إلى خسائر عظمى.

وفي المقابل، يجب اتّباع الإجراءات الاحترازية وتطبيقها حرفيًّا. مثلًا، إذا ذهبت إلى السوبر ماركت، ووجدت أن هناك الكثير من الناس، فعليك الانتظار على الباب دون الدخول.

Share on facebook
Facebook
Share on twitter
Twitter

قصة

France Culture

مشاركة

أريج جمال

ترجمة

أحمد بيكا

رسوم وجرافيك

Start typing and press Enter to search

Visit Us On FacebookVisit Us On TwitterVisit Us On Instagram