زوايا

البكباشي محمد كامل ..شهيد ثورة ديرمواس

هناك بطولات مجهولة  في تاريخ البوليس المصري لا تقل عن دفاع رجالها عن مبنى مديرية أمن الإسماعيلية لمنع اقتحامه من قِبل جنود الاحتلال الإنجليزي يوم 25 يناير عام 1952م، وهو اليوم الذى تتخذه الشرطة عيدًا سنويًّا لها. 

من أبرز تلك البطولات التي عثرتُ عليها؛ بطولة وقعت في أسيوط، وبالتحديد  في “دير مواس” مع اندلاع الثورة المصرية عام 1919م. 

فور وصول الأنباء عن نزول آلاف المصريين في الشوارع، بعد إلقاء الإنجليز القبض على سعد زغلول ورفاقه، قرر ضابط شرطة يحمل رتبة بكباشي، ويعمل مأمورًا لقسم أسيوط، اسمه محمد كامل، أن يفتح “السلاحليك” أمام الأهالي، وأمام قوة الشرطة. كي يمكنهم الدفاع عن أنفسهم أمام الإنجليز الذين زاد سعارهم فور أن اشتعلت المحافظات بالتظاهرات المنددة بالاحتلال.

في ذلك الوقت؛ كانت الثورة التي قادها الضابط الشاب المولود في قرية “الحوفة” بمركز الوسطى بمحافظة بني سويف، قد نجحت في البداية حتى وصل صداها إلى الثوار بالقاهرة.

لكنَّ الاحتلال الغاشم – وبعد سقوط عدد من ضباطه وجنوده قتلى – استخدم القوة العنيفة مشفوعة بالطائرات والمدافع، فاستُشهد العشرات من المصريين، وأُلقى القبض على المئات، وجرت محاكمتهم عسكريًّا. وقد صدرت أحكامٌ بالإعدام على 51 مصريًّا؛ كان في مقدمتِهم قائد ثورة أسيوط البكباشي محمد كامل.

ضباط إنجليز زمن الاحتلال البريطاني
ضباط إنجليز زمن الاحتلال البريطاني

ترصد مذكرات قادة الثورة – وعلى رأسهم سعد زغلول، وكذلك المؤرخون الذين أرَّخوا لتلك المرحلة – أن الجهاز السري للثورة الذي ترأسه عبد الرحمن فهمي؛ كان قد خطَّط لعشرات العمليات ضد قوات الاحتلال، والتي كانت قد وصلت لحد الاغتيال السياسي لعدد من الإنجليز. وكذلك لسياسيين مصريين متعاونين مع الاحتلال. لكن مظاهرات أسيوط وزفتى ودمياط؛ كانت هَبَّات شعبية خالصة حدثت من غير تخطيط أو تدخُّل من القاهرة!

 في البداية خرجت مظاهرات شعبية من ربوع محافظة أسيوط؛ احتجاجًا على السياسة البريطانية واعتقال سعد زغلول ورفاقه، ونفيهم إلى جزيرة مالطة. واستمرت تلك الاحتجاجات أربعة أيام؛ مما دفع الإنجليز إلى محاولة إخماد تلك المظاهرات. فدفعوا بقوات لاعتقال الشباب بتهمة إثارة الشغب، وتنفيذ أعمال عنف وتحريض. وهو ما دفع أهالي أسيوط لتصعيد الأمر لموجة ثورية ثانية، خاصة مع انتشار الأنباء عن إهانة وتعذيب الثوار داخل السجون.

وقتها هجمت الجماهير على قطار كان يستقلُّه عدد من الضباط والجنود الإنجليز؛ فقتلوا ثلاثة ضباط وخمسة جنود كانوا في طريقهم إلى الأقصر. كما انضم البدو من العرب بأعداد كبيرة للمتظاهرين داخل المدن. فهُرع السكان الإنجليز، وباقي الرعايا الأجانب لاجئين إلى مبنى – كانت فصيلة من الجنود البنجاب تدافع عنه – للاحتماء به. ولم تتمكن السلطات البريطانية من إرسا قوات لفرض وإعادة السيطرة إلا في يوم 25 مارس، بعد أن سارعت بطلب الدعم من باقي المستعمرات؛ خاصة من الهند وسنغافورة.

البكباشي محمد كامل

من جانبه؛ لم يتردد البكباشي محمد كامل مأمور بندر أسيوط، وقرر الوقوف في صف الأهالي، وفتح غرفة السلاحليك أمام الأهالي؛ للتسلح لمقاومة قوات الاحتلال. وظلَّت المعارك الطاحنة بين الأهالي وقوات الاحتلال مشتعلة، والأهالي يرددون هتاف: “الاستقلال التام أو الموت الزؤام”. 

فقام جنود الاحتلال بإطلاق الرصاص على الأهالي، واعتقلوا: المحامي أحمد علوان، ومحمود بسيوني، ومحمد محفوظ باشا. وفور علم الثوار بأنباء إهانة هؤلاء الثوار في معتقل الاحتلال قاموا بتشكيل مجموعات لمهاجمة معسكرات الإنجليز. وقد استُشهد المئات في تلك العملية؛ مما زاد الثوار صلابة وإصرارًا على المقاومة. فاضطُرت سلطات الاحتلال البريطاني إلى جمع الجالية البريطانية في مبنى المدرسة الثانوية، وفرضت حماية قوية حولها .   

مفاجأة السلاحليك

وطبقًا لما كتبه مصطفى أمين عن تلك الفترة؛ فإن أهالي أسيوط سمعوا بما فعله أهالي “زفتى” من إعلانهم الاستقلال، فسارعوا إلى إعلان استقلال أسيوط أيضًا، وعلموا أن كتائب إنجليزية حاشدة في الطريق إلى أسيوط لوأد ذلك التمرد، فقرروا الذهاب إلى قسم بندر أسيوط طالبين الحصول على سلاح؛ ففوجئوا بالبكباشي محمد كامل (مأمور القسم) يُوزِّع عليهم ما لديه من سلاح، معلنًا الجهاد ضد الاحتلال!

وبالفعل احتشد الجنود والضباط المصريون مع لفيف من المتطوعين الشباب ليحملوا البنادق الحكومية، ويهاجموا مقر الحامية البريطانية في أسيوط؛ ما أسفر عن مقتل عشرات الجنود الإنجليز، وإيقاف القطارات حتى يجريَ القبض على كل إنجليزي وإعدامه!

وتثور ثائرة بريطانيا وتُكثِّف الضربات ضد ثوار أسيوط؛ فيسقط عشرات الشهداء. وأخيرًا تنجح قوات الاحتلال في القبض على الثوار، وتسارع إلى محاكمتهم. ويتم الحكم على البكباشي محمد كامل بالإعدام رميًا بالرصاص. فيسعى عدد من الوطنيين المصريين إلى التدخل ومنع تنفيذ الحكم واستبدال السجن به؛ مثلما جرى مع آخرين. لكن الحاكم العسكري البريطاني يأبى ويُصدِّق على حكم الإعدام؛ ليصبح واجب النفاذ. 

ويوم العاشر من يونية من العام نفسه يُنفَّذ الحكم في البكباشي محمد كامل رميًا بالرصاص وسط بندر أسيوط!

شهداء ثورة دير مواس

ووفقًا لـ “الكتاب الممنوع” لمصطفى أمين؛ فإن المحكمة العسكرية البريطانية قضت بإعدام 51 مصريًّا آخرين اشتركوا في أحداث أسيوط، أو كما سُمِّيت “ثورة دير مواس”، ثم عدَّلت عقوبة الإعدام بالنسبة لـ 16 منهم، بينما تم تنفيذ حكم الإعدام في 34 آخرين؛ بينهم البكباشي محمد كامل، مأمور أسيوط الذي قاد الثورة هناك .

مصطفى أمين
مصطفى أمين

كما نفذت سلطات الاحتلال حكم الإعدام في ثلاثة مصريين آخرين قادوا ثورة “الوسطى”، إضافة إلى الآلاف في أنحاء الصعيد، الذين زجَّتْ بهم السلطات البريطانية إلى السجون، وكان مصيرهم أحكامًا بالمؤبد! 

ولم تكن كل قيادات وكوادر الشرطة من الوطنيين بالطبع؛ بل كان هناك مَنْ تحالَف من قوات الاحتلال، وحرَّض ضد الضباط الوطنيين، كما كان منهم من قام بالإيقاع بالثوار؛ بل وتعذيبهم!

وفي واقعة البكباشي محمد كامل هناك إشارات واضحة إلى هذا الصنف من الضباط. ففي محاكمته – وبنصائح وطنية حاولت تخفيف الحكم عليه – دفَع “كامل” عن نفسه التهمة؛ بأن قال: إن جموع المتظاهرين هاجموا البندر، وطلبوا منه تسلحيهم بأسلحة البوليس والخفر. وإنه قام بالاتصال بالمدير “محمد علام باشا”؛ فنصحه بعدم مقاومة الثوار، وتركهم يقتحمون قسم الشرطة ويستولون على الأسلحة. وجرى الاستشهاد بـ “محمد علام باشا”، لكن شهادته جاءت مغايرة لما ذكره البكباشي محمد كامل؛ فحكمت المحكمة عليه بالإعدام رميًا بالرصاص.

بوب السفاح

ومن وقائع البطولات أيضًا لضباط الشرطة في الصعيد خلال تلك المرحلة، أن الإنجليز أرسلوا عددًا من الجنود الإضافيين إلى ديروط لمواجهة أعمال العنف. وكانت مديرية أمن أسيوط قد أرسلت إشارة تليفونية إلى مراكز ونِقاط البوليس تُفيد بأن القطار القادم من الغد يُقلُّ ثلاثة من كبار ضباط الإنجليز؛ على رأسهم القائمقام “بوب” الذي كانوا يُطلقون عليه لقب “السفاح” لقسوته الشديدة.

ويلتقط تلك الإشارة اليوزباشي أبو المجد الناظر، نائب مأمور مركز ديروط ومصطفى حلمي ملاحظ شرطة نقطة دير مواس. وبدلاً من تشديد الحراسة على محطة القطار ذهبوا إلى الثوار وأخبروهم بأن الضباط الإنجليز في طريقهم، وأن من العار أن يصلوا إلى القاهرة أحياء.

وبالفعل اندفع أهالي ديروط داخل عربات القطار يهوون بفؤوسهم على الضباط الإنجليز، حتى خرَّ “السفاح” بوب صريعًا. وفيما بعد حُكم على عدد كبير من ضباط شرطة أسيوط والمنيا بأحكام عديدة تراوحت بين الإعدام والسجن والطرد من الخدمة. 

سر شهيد الصحراء

شهيدٌ آخر للشرطة خلال ثورة 19؛ وهو الضابط مصطفى حمدي، الذي قُبِض عليه سنة 1916م لاشتراكه في خلية سرية لمقاومة الاحتلال. وقد أوصت سلطات الاحتلال بإبعاده عن البوليس. وبالفعل أُجبر على ترك الخدمة ليؤسِّس واحدًا من التنظيمات السرية الخطيرة؛ لقتل واستهداف جنود الاحتلال خلال ثورة 1919م. ومما يُنسب لذلك الرجل ابتكار وسائل تفجير حديثة، وتصنيع كُرات من الحديد مثقوبة من الناحيتين؛ يجري استخدامها في قتل الجنود البريطانيين، بمجرد إلقائها على رؤوسهم!

النقراشي
النقراشي

وقد تولَّى بنفسه تدريب أفراد ذلك التنظيم السري. وكان مِمَّن تلقوا التدريبات المباشرة على يديه كلٌّ من: أحمد ماهر، ومحمود فهمي النقراشي، وعبد الرحمن فهمي.. وقت انخراطهم في العمل السري ضد الاحتلال البريطاني. 

ويشاء القدر أن يلتقي الضابط مصطفى حمدي بأحمد ماهر في الصحراء لتجربة قنبلة جديدة، وتنفجر القنبلة بالخطأ في وجه الضابط فيَلقَى ربَّه. ويقوم أحمد ماهر بدفنه في الصحراءَ، ثم يذهب إلى والدته ويُخبرها بأن ابنَها سافر فجأة إلى تركيا؛ بسبب تضييق السلطات البريطانية عليه!

اقرأ أيضًا: حكاية عمر بك لطفي.. أبو التعاونيات ومؤسس النادي الأهلي

ويقوم الجهاز السري للثورة بإرسال مبلغ مالي ثابت إلى والدته كل شهر. لكنَّ الأمر يُكشف بعد سقوط قتلة “السيرلي ستاك” سردار الجيش البريطاني في السودان على يد خلية سرية، كان يقودها محامٍ شهير اسمه شفيق منصور؛ الذي يعترف بأن صانع القنابل مات منذ سنوات ودُفن في الصحراء، من دون أن يعلم أحد من أهله!

سجل عائلة محمد كامل

عند إعدامه رميًا بالرصاص كان للشهيد الشاب البكباشي محمد كامل ابنٌ وحيد اسمه: محمد كامل أحمد. وكانت الأسماء المركبة شائعة في ذلك الوقت، وقد عمل هذا الابن في  بداية حياته ضابطًا بالمخابرات العامة. ثم التحق مبكرًا بالسلك الدبلوماسي، إلى أن عمل سفيرًا لمصر في كوبا، وكان قد عمل قبلها قنصلا عامًّا لمصر في: نيويورك، وسان فرانسيكو.

وأنجب السفير محمد كامل كلاً من: سهام محمد كامل (التي عملت في الأمم المتحدة). والدكتور مصطفى محمد كامل (رائد التعليم الخاص في مصر؛ والعميد المؤسِّس للمعهد التكنولوجي العالي بالعاشر من رمضان، وأستاذ هندسة الميكانيكا وهندسة الطيران المتفرغ بجامعة القاهرة والجامعة الأمريكية، وأحد مؤسسي جامعة النيل).

المصادر

.  الكتاب الممنوع: مصطفى أمين.

.  هوامش التاريخ.. من دفاتر مصر المنسية: مصطفى عبيد .

.  مقدمة كتاب.. حلم التنمية بالتعليم: د. مصطفى محمد كامل (حفيد الضابط محمد كامل

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى