البهتيمي

صاحب الحسنيين

ينساب صوته عبر الأثير، فيأسر أذن المستمع، ويفرض عليه أن ينتبه، فهنا تلاوة وإنشاد وتاريخ ونغم.. كامل يوسف البهتيمي، اسم محفور في تاريخ التلاوة والإنشاد، بصوت من تلك الأصوات الكبيرة التي نعد أصحابها على الأصابع.. مساحة تجاوز ديوانين كاملين، تنتشر في أغلب تسجيلاته بين درجة لا عشيران وجواب الحسيني، إلا أن بعض تلاواته التي استهلها من درجة أو درجتين أعلى لامس فيها جواب الكردان، وربما –وفي مرات نادرة- وصل صوته إلى درجة جواب جواب الري، أو ما يُعرف بجواب المحير. 

مع هذه المساحة الواسعة، والقوة الهائلة، والعرب الأصيلة، يرسل البهتيمي صوته سليما نقيا في كل درجاته من أخفضها إلى أعلاها، فهو من الأصوات القليلة التي يلتذ لها السامع قرارا ووسطا وجوابا وجواب الجواب.. إن شاء أرسله رقيقا كنسمة الهواء، وإن شاء أرسله مزمجرا كبركان يتأجج، فصوته مطواع، معبر، قادر على التنفيذ. 

البهتيمي يتلو من سورة فصلت

والبهتيمي من أخبر قرائنا الكبار بطرائق الأداء المقامي، والإجادة النغمية، كيف لا وقد تشرب أصول الإنشاد الديني، وأجاد فيه وتفوق، إلا أن الرجل في تلاوته كان شديد الوقار، يبتعد تماما على الجمل الاستعراضية، والقفلات الغريبة، ولعله كان الأحرص بين أعلام القراء على السمت العام التقليدي المتوارث لمدرسة التلاوة المصرية، فيقدم الرجل جماليات التلاوة بطريقة الغني المقتصد، كأنه يقول: نقدر على أكثر من هذا، لكن للقرآن جلاله.. خلت تلاوة الرجل من القفزات البهلوانية، وسلالم الكروماتيك، وجاء أداؤه عربيا شرقيا مهيبا رصينا جميلا أخاذا.

وحتى في إنشاده، يقدم الرجل درسا بليغا، فيقول لك: هذا إنشاد ديني.. ومديح نبوي.. وليس غناء دنيويا تتلاعب فيه بالصوت والنغم كما تشاء.
والبهتيمي بأسلوبه بقدم درسا مهما جدا لقراء أيامنا هذه، الذين لم يفيدوا من طريقة “الغني المقتصد” ووقعوا في طريقة “الفقير المسرف”.. فجلسوا يعصرون أنفسهم، ويتلوون أمام الميكرفون، ويتحيرون في انتقالات نافرة شاذة، وشغلوا أنفسهم بتقديم جمل وقفلات جديدة، دون أن يمتلكوا موهبة حقيقية، ولا إمكانات صوتية تؤهلهم لهذه المهمة.

والشيخ كامل، كان من تلك الكوكبة الفريدة التي جمعت باقتدار وتفوق بين التلاوة والإنشاد، وفي تلاوته ينطلق واثقا من صوته، فينتقل في هدوء بين المقامات، مشبعا كل مقام في أدب وأناقة وتهذيب، فإذا تصاعد إلى الدرجات العليا، شعرت أنك أمام قطار سيدهس من يقف في طريقه من قوته وعنفوانه وطلاوة صوته.

أما تراثه من الإنشاد، فيمثل كنزا فنيا غاليا، قدم أجل القصائد وأعظمها، وعرفت المكتبة الإنشادية أعمالا بقيمة “أهواك يا كعبة الأنوار أهواك”، و”فؤادي غدا من شدة الوجد في ظما” و”شهدت على الربا زهرا نديا”، و”يا نبيا سمت بك العلياء”، و”بذكر محمد تحيا القلوب”، وغيرها، وكلها أداها الشيخ أداء عربيا مطربا بصوته الجهوري العميق.

توشيح شهدت على الربا زهرا نديا.. الشيخ كامل وبطانته

وبالرغم من أن رحلة البهتيمي مع التلاوة كانت قصيرة نسبيا، لأنه توفي في سن السابعة والأربعين، إلا أن الرجل ترك ثروة من التسجيلات، التي أفسحت له مكانا ومكانة بين كوكبة القراء العباقرة الذين شادوا معالم فن التلاوة في مصر، وأكسبوه تلك السمعة العالمية التي لم يحزها قراء أي بلد إسلامي آخر.. والمؤكد أن كثيرا من تسجيلات هذا القارئ الفذ لم تظهر إلى النور حتى الآن، ولم تصافح آذان كثيرين من محبي هذا الفن عموما، ومحبي صوت البهتيمي على وجه الخصوص، فتراث الرجل إذن كبير وضخم، وإذا أخذنا رحيله المبكر في الاعتبار، فلابد أن نصل إلى نتيجة مفادها أن الرجل كان يقرأ القرآن في المحافل والسرادقات بصورة شبه يومية، غير تلاواته في الإذاعة ثم التليفزيون، وهو أيضا من القراء الذين تكاد مساحة الاختلاف تتلاشى بين تلاواتهم في المحافل وتلاواتهم في الاستوديو، لذا يعد أي تسجيل له جزءا مهما من تراثه.

وفي حديثنا عن مفقودات البهتيمي أو لياليه التي ضاعت فلم تسجل، علينا أن نتذكر أن الرجل كان منشدا كبيرا، وأنه حتما أحيا ليالي كبيرة وكثيرة بالإنشاد وتلاوة المولد، وهو جانب مهم للرجل لم يصلنا منه تسجيل واحد، وتلك خسارة ربما تفوق ضياع بعض تلاواته.

لو توقفنا مع تلاوته الشهيرة من سور الفرقان والقيامة والعلق، لنتعامل معها باعتبارها نموذجا واضحا لأسلوب البهتيمي في التلاوة الجماهيرية، فيمكن أن نقول: إن الشيخ بدأ كعادته بقرار دافئ صاف، ومن مقام البياتي كما هو مستقر في التلاوات الفنية المصرية، وبعد نحو 3 دقائق، يبدأ في التصعيد الصوتي، كما يترك رواية حفص عن عاصم، ليمسك برواية ورش عن نافع، ليلتذ السامع بالراءات المرققة في سراجا، ومنيرا.

تلاوته الشهيرة.. الفرقان والقيامة والعلق 1960

يمكث الشيخ في مقام البياتي بعض الوقت، ويصل إلى درجاته العليا، وفي أواخر الدقيقة السابعة من التلاوة ينتقل إلى مقام الصبا، مع قوله تعالى: “والذين يقولون ربنا اصرف عنا عذاب جهنم إن عذابها كان غراما إنها ساءت مستقرا ومقاما”.. وكما في البياتي، يتبين أن الشيخ لا يتعجل ترك الصبا كما يفعل كثير من القراء.

ومن الصبا إلى النهاوند، ليقرأ به المقطع الشهير: “فأؤلئك يبدل الله سيئاتهم حسنات وكان الله غفورا رحيما”، ثم يعيد المقطع مع إضافات صوتية وزخرفية في غاية البراعة.. ومع انتهاء الدقيقة 15 يحين موعد الانقال إلى مقام الراست، وتحديدا مع قوله تعال: والذين يقولون ربنا هب لنا…” ليصل به إلى المقطع الذي اشتهر وذاع “ربنا هب لنا من أزواجنا وذرياتنا قرة أعين”، منهيا سورة الفرقان على نفس المقام.

ومن تغيير نغمي، يدخل الشيخ إلى سورة القيامة، ويكرر آياتها الأولى بأساليب مختلفة، ويصل بصوته إلى درجات حادة.. يكتفي الشيخ من مقام الراست، فينتقل إلى السيكاة، فيقرأ به قوله تعالى “لا تحرك به لسانك لتعجل به…” ويستخدم جمالية الترميل مع إعادة “ثم إن علينا بيانه”.

مع الدقيقة 31 يدخل الشيخ إلى مقام الجهاركاة، من منطقة القرار، ثم يصعد بصوته جواباته، لتنتهي سورة القيامة، وتبدأ سورة العلق التي يدخلها الشيخ بعودة إلى السيكاة، لكن مع انتهاء المقطع الأول من السورة تنتهي التلاوة، بانتقال سريع ورشيق إلى البياتي تمهيدا للختام.. وليست هذه التلاوة إلا نموذجا للوقار والتهذيب، الذي كان يؤثره الشيخ عند تلاوته للقرآن الكريم.. لا ريب أن المستوى المرتفع الذي أدى به البهتيمي تلاواته القرآنية، مع تمكنه وبراعته في أداء القصائد والتواشيح، ييسر لنا أن نسميه “صاحب الحسنيين”. 

Share on facebook
Facebook
Share on twitter
Twitter

قصة

هيثم أبوزيد

كاتب مصري

مشاركة

أحمد بيكا

رسوم

Start typing and press Enter to search

Visit Us On FacebookVisit Us On TwitterVisit Us On Instagram