التائب من رحلة التكفير

أيوب الإندونيسي: الآن فهمت

أبو بكر باعشير

تحرك بنا القطار من جاكرتا العاصمة إلى جاوا الغربية مع رفاق جولاتنا التي شملت بعض مناطق وجزر إندونيسيا، حيث خضنا نقاشات وحوارات مع متشددين وقادة جماعات متطرفة وألقينا محاضرات في جامعات ومساجد، ضمن برنامج فكري أشرفت عليه المؤسسة الدينية الرسمية بإندونيسيا.. خلال الرحلة، وفيما كان رفاقنا من مترجمين ومشرفين ورجال أمن كعادتهم يتناقلون الميكروفون على موسيقى أغانٍ يغنونها بأداء راقٍ، كنت كعادتي أسأل مترجمي عن معاني بعض الكلمات، ومنها أغنية تتحدث عن الزوجة الثانية وكيف أن الأولى يحبها والثانية يحتاج إليها.

أثار فضولي وجه جديد لم أره في الجولات السابقة لم يكن بعيدًا عني، ولاحظتُ أنه مختلف، فلا سمته بلحيته الخفيفة ولا هيئته وملابسه التي تشبه ثياب الأفغان تشي بأنه مترجم أو رجل أمن، وعندما استفسرت من مترجمي فوجئت بأن رفيقنا الجديد قليل الكلام قصير القامة ضئيل الحجم، يرسم على وجهه بسيط الملامح ابتسامة محببة، كان هو عبد الرحمن أيوب، الرجل الثاني في الجماعة الإسلامية بإندونيسيا بعد أبو بكر باعشير، وأنه كان أقرب أصدقاء باعشير وموضع ثقته ومبعوثه لسنوات عديدة إلى أوروبا.

آثرت خلال الرحلة وما تبعها أن أجعل أيوب أحد اهتماماتي، وقد رافقنا في كل جولاتنا المتبقية مستمعًا للأطروحات والرؤى باهتمام بالغ، لا يترك فكرة ولا إجابة عن سؤال ولا تصورًا جديدًا بشأن تفكيك إحدى المعضلات الأيديولوجية للجماعات إلا سجلها، فأحسست أن وراء هذا الشغف أسرارًا كبيرة.

في إندونيسيا، كما في مصر، تحققت نجاحات في تبريد سخونة الأفكار المتطرفة واحتواء معتنقيها داخل الحالة الوطنية وتصحيح أفكار الآلاف من المتطرفين والإرهابيين السابقين، وكان المدخل الرئيس المشترك في الحالتين إقناع المريدين والأتباع بالتحولات الفكرية الجديدة عبر نفس القادة المنتجين لمنهج العنف القديم الذين قادوا لاحقًا مسيرة المراجعات الفكرية ووضعوا أسسها، ولذلك تصدر الدكتور ناجح إبراهيم، أحد القادة المؤسسين للجماعة الإسلامية المصرية، معنا تلك النقاشات الثرية مع قادة وأعضاء الجماعات الناشطة بإندونيسيا.

تبين لنا أن أعضاء الجماعات بإندونيسيا، حتى وهم في السجون، مطلعون على تفاصيل ما يدور من جدال بين قادة الجماعة الإسلامية المصرية، وكان من بين أسباب الانقسام وتعدد الأجنحة في المشهد الإندونيسي وجود من يتبنى موقف الجناح المتشدد داخل الجماعة المصرية، بمعنى اعتبار المبادرة مجرد إجراء سياسي تكتيكي أكثر من كونه منهجًا فكريًّا، بما يتيح إلقاء السلاح وحل الأجنحة المسلحة والسرية مع البقاء على نفس القناعات الفكرية القديمة.

خضنا مناظرات فكرية شهدت جولات ملتهبة من الجدل الفكري والفقهي، وغالبًا ما كانت تنتهي بانسحاب القائد الداعشي، وهو التصرف الذي كرره أمان عبد الرحمن كثيرًا، في حين أن باعشير أظهر احترامًا لمحاوريه.

وسهل مهمتنا أن تأثير منهج الجماعة الإسلامية المصرية هو المهيمن على تصورات قادة وأعضاء الحالة الجهادية الإندونيسية، خاصة أن أحد واضعي أساس هذه الأفكار في الحالة المصرية حاضر معنا، ومشارك بقوة في توضيح خطأ تصوراته القديمة.

داخل معسكر الجماعة المصرية، الذي أقامته بخوست في عام 1987م، وجد الجهاديون الإندونيسيون أن الجماعة الإسلامية المصرية أقرب إليهم، حيث تتبنى الآراء الفقهية الصارمة حتى في المسائل الخلافية، وعادوا من الحرب أكثر قناعة بأن منهجها هو الأقدر على تحقيق هدف إقامة ما يسمى “الدولة الإسلامية”.

نجحنا في نقل تجربة المراجعات الفكرية من مصر إلى إندونيسيا خلال جولات فكرية امتدت حتى عام 2016م، وهو ما نتج عنه تجاوب الكثيرين مع الأطروحات الجديدة، وهذا راجع إلى الارتباط صعودًا ونزولاً بالتجربة المصرية، فالجماعة الإندونيسية كانت قد استقت أيديولوجيتها الموضوعة بعنوان “المبادئ التوجيهية لتطبيق الإسلام وفقًا للقرآن والسنة” من كتاب “ميثاق العمل الإسلامي”، الذي صاغه قادتها في السجن عام 1985م تحت إشراف زعيمها الروحي عمر عبد الرحمن، وهذا الأخير أحد اثنين يمثلان القدوة لـ”أبو بكر باعشير”، بالإضافة إلى أسامة بن لادن.

قوات الأمن الإندونيسية
"أيوب" ودوره في تنظيم الدولة الإندونيسي

عبد الرحمن أيوب، المولود فى جاكرتا عام 1963م، درس في معهد العلوم الإسلامية التابع لجامعة الإمام محمد بن سعود في جاكرتا وتخرج فيه عام 1986م، وهاجر إلى ماليزيا في نفس العام بعد أن بايع “باعشير” على الإمارة كزعيم للجمهورية الإسلامية الإندونيسية، بما ينطوي على أن باعشير قد سبق أبا بكر البغدادي بإعلان نفسه خليفةً وقائدًا لتنظيم دولة إسلامية.

بدأ هذا المشروع بعد استقلال إندونيسيا عام 1945م عندما فكر بعض الإسلاميين في إنشاء جمهورية إسلامية تحكم بالشريعة حسب مفهومها ولا تدين بالولاء والطاعة للسلطة القائمة، وبالفعل أُعلِنت الجمهورية الإسلامية بقيادة عبد الله سونكار، وكان نائبه هو أبو بكر باعشير وبايعهما الكثيرون، وكان مكان البيعة مدينة سولو في جاوا الوسطى.

قامت تلك الدولة التي سبقت داعش بعقود بجنوب شرق آسيا على المنهج التكفيري الانعزالي، فهي تكفر المجتمع والحكام والسلطة، أما المسلمون فهم فقط المنضوون تحت لواء الجمهورية الإسلامية ومن أعطوا البيعة لزعيمها وقائدها.

تمركزت قوة الجمهورية الإسلامية في إندونيسيا بقيادة سونكار وباعشير في جزيرة جاوا، وكان مصدر التمويل هو الأغنياء من المتعاطفين، خاصة أن الجماعة كانت تنفذ عمليات عسكرية ضد بقايا الاحتلال الهولندي بعد رحيله، فضلاً عن عملياتها ضد السلطة المحلية والسياح على اعتبار هذه السلطة مناوئة ومناهضة لسلطة “جمهورية إندونيسيا الإسلامية” التي صاروا قادتها وزعماءها.

في الثمانينات من القرن الماضي دخل باعشير وسونكار تحالفًا مع كيان آخر روج لجمهورية إسلامية إندونيسية أخرى بقيادة أجنجان مصدوقي، وتولى سونكار منصب وزير الخارجية وأسندت إلى باعشير مهمة نائب وزير الشؤون الخارجية، وفي هذه الأثناء هرب سونكار وباعشير إلى ماليزيا بسبب المضايقات الأمنية التي أعقبت بعض التفجيرات، ما أدى إلى القبض على غالبية الخلايا والأسر التي شكلاها قبل هذا التحالف.

وقف الرئيس الإندونيسي السابق سوهارتو بالمرصاد للجماعات الإسلامية الإندونيسية، وطارد معظمها، ما اضطر قادتها إلى اللجوء إلى دول الجوار، ومثّل تنحى سوهارتو فرصة كبيرة لإعادة تنظيم الجماعات في إندونيسيا، وفي عام 2000م تجمع نحو 18 ألف من أنصار التنظيمات المتطرفة الإندونيسية في مدينة جوقجاكرتا، وتشكل بناء على هذا الاجتماع ما عُرف بمجلس مجاهدي إندونيسيا، واختير أبو بكر باعشير أميرًا للمجاهدين، وشكلت هيئة للحل والعقد برئاسته.

أبو بكر باعشير

وسّع الثنائي باعشير وسونكار من دائرة شعبيتهما في الأوساط الطلابية والشبابية عبر استخدام إذاعة “راديو الدعوة الإسلامية” الذي يطلق عليه “راديس” بمدينة سولو مع الحرص على تبني المواقف الأكثر تشددًا، كمثال معارضة احترام العلم الإندونيسي بزعم مخالفة هذا التقديس للشريعة الإسلامية، الأمر الذي عرضهما للسجن والملاحقات القضائية، وسُجنا للمرة الأولى لمدة 6 أسابيع في عام 1997م بتهمة مقاطعة الانتخابات والدعوة لذلك،

 ثم 4 سنوات بتهمة معارضة المبادئ الخمسة للجمهورية الواردة في ديباجة الدستور الإندونيسي وكذلك بتهمة السعي لإقامة دولة إسلامية.

عممت الجماعة الإسلامية الإندونيسية هذا المنهج بهدف إقامة دولة إسلامية موازية تشمل فروعها بجنوب شرق آسيا، وهو ما عبر عنه الاجتماع الأول لباعشير بعد وفاة رفيقه عبد الله سونكار مباشرة تحت عنوان “رابطة المجاهدين”، والذي عقد في سوبانج سيلانغور على مقربة من العاصمة الماليزية عام 1999م.

عاد عبد الرحمن أيوب من أفغانستان عام 1992م، وبحث معه كل من أبي قتادة الفلسطيني وعبد الله سونكار وأبي بكر باعشير عن زوجة ثانية له، وبالفعل وجدوها وكانت ماليزية، وأنجب منها 7، منهم 4 أولاد و3 بنات. 

بعد هجرته إلى أستراليا عام 1997م عمل عبد الرحمن أيوب ممثلاً للجماعة الإسلامية بأستراليا، ثم مثل باعشير في أوروبا بعد ذلك، وكانت طبيعة عمله دعوية وفكرية ولوجيستية بغرض مد جسور التواصل بين الجماعة في إندونيسيا ورجال العلم والدعاة والجمعيات الإسلامية في أوروبا.

تلك الأثناء كانت ذروة انتشار الجماعة وأفكارها داخل إندونيسيا وخارجها تأسيسًا على ما تحقق منذ منتصف سبعينات القرن الماضي عبر تعاون باعشير مع سونكار اللذين عملا على تأسيس حركة دينية واسعة تنهض بأفكارهما وتسعى لتطبيقها، ونشطا في إقامة التحالفات وأخذ البيعة في سوراكارتا تحت عنوان “جماعة المجاهدين أنصار الله”، وتحت عنوان الجماعة الإسلامية في سولو، وفي كلتيهما أحدثا تغييرًا مؤثرًا وغير مسبوق.

كانت إحدى مهام عبد الرحمن أيوب الحرص على نشر الاعتقاد على مذهب السلفية النجدية الذي حقق لباعشير وسونكار مرادهما بإقامة كيان إسلامي موازٍ، بخلاف ما كان سائدًا من قبل، إذ ظلت الجمعيات الإسلامية التقليدية بإندونيسيا مثل جمعية نهضة العلماء وغيرها تدرس الاعتقاد على المذهب الشافعي.

تفجيرات جزيرة بالي
عبد الرحمن أيوب.. جاسوس أسترالي والمشتبه به الأول في تفجيرات بالي

في عام 2002 وقعت تفجيرات جزيرة بالي التي كانت الأكثر دموية في تاريخ البلاد، وبعدها صُنفت الجماعة الإسلامية كمنظمة إرهابية في كل من أستراليا وكندا والمملكة المتحدة والولايات المتحدة وإندونيسيا وماليزيا والفلبين وسلطنة بروناي وتايلاند وسنغافورة.

عندما وقعت تفجيرات بالى كان عبد الرحمن أيوب عاد لتوه من أوروبا عقب تفجيرات نيويورك عام 2001م، ولم تعرف الشرطة هوية من نفذوا التفجيرات، بل إن الشرطة اشتبهت في أيوب نفسه، فقد وقعت التفجيرات عقب عودته من أوروبا مباشرة وظنوا أنه جاسوس أسترالي.

الحقيقة كانت غير ذلك تمامًا، فقد عاد أيوب إلى إندونيسيا ساخطًا وناقمًا على ما جرى من سفك دماء بريئة ومن تسبب في تشويه صورة الإسلام في الغرب وتضييق وملاحقات للمسلمين هناك، تحت ضغط حملة الكراهية التي اجتاحت أوروبا كلها عقب تفجيرات سبتمبر/ أيلول 2001م ، إذ نظروا إلى كل ملتح على أنه “إرهابي منبوذ”، وفى قلبه نية العودة إلى صحيح السنة والشرع والابتعاد عن التكفير والصدام مع الحكومة ومناهضة الحاكم بوصفه طاغوتًا ينافس سلطان الله.

تشكك البوليس في أن عبد الرحمن أيوب، نظرًا إلى سجله الجهادي، أحد مدبري التفجيرات، وحضرت أجهزة الأمن للقبض عليه، لكنه تمكن بأعجوبة من الهرب، واستطاع الاختباء لمدة 3 أشهر متنقلاً من مكان إلى آخر.

فترة الاختباء كانت فرصة للابتعاد عن أفراد الجماعة وعدم التواصل مع زملائه القادة بحجة الوضع الأمني، واستغلها أيوب كانطلاقة لقطع علاقته تمامًا بهذا التيار ليبدأ صفحة جديدة مع الحياة.

تابع أيوب الأحداث من التلفاز وتعرف على منفذي تفجيرات بالي، أحدهم اسمه مخلص علي غفران، وكان زميلاً له في رحلات أفغانستان، والثاني تلميذ من تلامذته واسمه إمام سامودرا، وثالث اسمه أمرازى، وهم جميعًا إندونيسيون منتمون إلى الجماعة الإسلامية التابعة لباعشير، وجميعهم حُكم عليه بالإعدام.

نجا باعشير من الحكم ضده بالإعدام في أثناء المحاكمة التي نظرت تفجيرات بالي، عندما تبرأ من قيادة الجماعة الإسلامية، زاعمًا أن منصبه القيادي هو إمارة مجلس المجاهدين الإندونيسي وليس إمارة الجماعة الإسلامية، ولذلك جاء الحكم عليه مخففًا على خلفية انتهاكه قوانين الهجرة وليس لارتكابه أعمال عنف أو للتحريض عليها.

بعدها قدم باعشير استقالته من الجماعة ومن مجلس المجاهدين الإندونيسي في 19 يوليو/ تموز 2008م، وكوّن مع عدد من المقربين منه من ذوي الميول الدعوية جماعة جديدة اسمها “جماعة أنصار التوحيد”.

الباحث هشام النجار رفقة أبوأيوب الأندونيسي
أيوب.. التائب من الذنب

أفادت معرفة التباينات داخل الحركة في تشكيل إدراك أعمق بحركية التنظيم ومسار النشاطات العنيفة والمسلحة، وتاليًا أفادت كثيرًا في تشريح الحركة وتقسيمها بين متشدد ومعتدل لدى مباشرة تقييم نشاط المراجعات والحوارات الفكرية.

على هذا الأساس ضمت الجماعة فريقين كلاهما يدين بالطاعة والولاء لسونكار وأيوب وباعشير، أحدهما دعوي جهادي دون مغالاة في التكفير أو إمعان في العنف، والآخر يميل أكثر إلى تبني أفكار القاعدة وبن لادن، ومنهم منفذو تفجيرات بالي.

من هذا المنطق وضع عبد الرحمن أيوب خطته في مناقشة أفراد جماعته السابقة لإقناعهم بالعدول عن أفكارهم وتبني المفاهيم الإسلامية الصحيحة، وتوخى الاتصال الفكري بمن هم أقل تشددًا من غير المنحازين لرؤى القاعدة أو المنجذبين لزعيمه السابق أسامة بن لادن.

وحرص أيوب على عدم تضييع الوقت في مناقشة المنتمين لداعش، بعدما نبتت من فرع القاعدة المتشدد بإندونيسيا خلايا صغيرة موالية لداعش يبلغ عدد أفرادها مجتمعة ما يقارب 2200 عنصر، وينتظم البعض منهم داخل كيانات معلنة مثل جماعة “مجاهدي تيمور” التي تنشط في مقاطعتي جاوا وسولاويزي وجماعة عسكر الجهاد التي تأسست عام 2000م، وتنزوي الغالبية كخلايا نائمة وذئاب منفردة، ويدين أعضاء داعش مجتمعين بالولاء لأمان عبد الرحمن والي داعش في إندونيسيا.

حدث هذا في الوقت الذي يندمج فيه متطرفون سابقون تابعون للجماعة الإسلامية الإندونيسية ومن مجموعة باعشير التي نجحت معهم تجربة استنساخ مراجعات الجماعة الإسلامية المصرية، ويحتفلون بمشاركة الأجهزة الأمنية بعيد الاستقلال.

وأجريت ضمن برنامج احتفال هذا العام، والذي شارك فيه عبد الرحمن أيوب بإحدى مقاطعات محافظة جاوا الشرقية مسابقة لحفظ المبادئ الخمسة ومقدمة الدستور الوطني وخطاب الاستقلال.

في أثناء وجوده بأستراليا أجرى عبد الرحمن أيوب محادثات على الإنترنت مع طلبة علم ودعاة وبعض العلماء العرب، وتعمق في النقاش معهم حول جميع القضايا الملتبسة لديه والمتعلقة بالتكفير والجهاد ومصطلحات الجاهلية والحاكمية والطاغوت.. إلخ، علاوة على مدى شرعية العمليات القتالية داخل المجتمعات الإسلامية. 

الشيخ عمر عبد الرحمن

من أستراليا بدأ أيوب بجدية مراجعة أفكاره السابقة واسترجع كل ما مضى ووضعه على ميزان الواقع والشرع، فوجد أنه ابتعد كثيرًا جدًا وتجاوز حدود الدين وأصول السنة، ورسخت داخله قناعة بالخروج من هذا الإطار وهذه القوقعة الخطيرة والعودة إلى رحاب الدين السمح الوسطي، بانفتاحه ويسره ورحمته وعدله مع المسلم وغير المسلم وتسامحه وإحسانه حتى مع المسيء.

تيقن أنه سيتخذ هذه الخطوة لا محالة، لكن هذه الخطوة الكبيرة كانت تحتاج إلى التأني واختيار الوقت المناسب لإعلانها نظرًا إلى حساسية موقفه وعلاقته القوية بأبي بكر باعشير ومسؤولياته الكبيرة داخل الجماعة، واضطر إلى المهادنة لفترة قصيرة كانت خلالها الجماعة لا تزال في قوتها، مبطنًا التوبة والرجوع ويحضر الاجتماعات بنية صلة الرحم فقط، وفي الظاهر كانوا هم يظنون أنه لا يزال معهم.

خشي عبد الرحمن أيوب لو أعلن حينها موقفه الجديد أن يلحقوا به الأذى، لأن الجماعة ساعتها كانت قوية ومرهوبة ومسموعة الكلمة، خاصة أنهم قتلوا 5 من زملائهم بتهمة الخيانة والنكوص عن العهد والبيعة.

في عام 2004م كتب عبد الرحمن أيوب رسالة إلى صديقه ورفيق دربه السابق أبو بكر باعشير فى السجن، قال له فيها: “الآن فهمت ووضعت عقلي وقلبي على طريق سنة الرسول الصحيحة، بعد أن أيقنت أنني كنت في ضلال وبدع”.

أرسلها وتوقع ألا يغضب صديقه باعشير، الذي يعتبر أيوب أستاذه وفي مقام والده، وكانت هناك حدود لا يستطيع هو تخطيها مع أيوب بالذات، فضلاً عن رحلة صحبة وكفاح وجهاد طويلة ليس في إندونيسيا فقط، بل في ماليزيا ومورو وأفغانستان، كان أيوب خلال هذه المحطات جميعًا الصديق الأقرب لباعشير وموضع ثقته ومشورته.

منذ ذلك الوقت عزم عبد الرحمن أيوب ألا يضع نفسه موضع الريبة، وألا يورط نفسه في تنظيمات أو جماعات توظف الدين التوظيف الخاطئ وترتكب أفعالًا تشوهه وتضر بالأوطان، وحرص على اكتساب المزيد من الخبرات والمعارف التي تمكنه من تفكيك الأفكار المتطرفة والرد على شبهات منظري الجماعات التكفيرية، مجتهدًا قدر استطاعته في جذب أكبر عدد من رفاقه القدامى لبر الأمان والسلام والتسامح والنضال السلمي اللا عنفي.

يعتقد “أيوب” أن للتوبة من الإرهاب شروطًا لا يقبلها الله إلا بها، فلا يكفي الانفصال عن الكيان ولا يكفي الكف عن العنف وإلقاء السلاح، ولا يكفي اعتناق أفكار جديدة وتصحيح المفاهيم بصفة شخصية، إنما لا بد من التكفير عن الذنب العظيم بمحو كل آثاره على الأرض حتى لا يبقى على سطحها ما يذكره به، ويجد أن إسهاماته في تصحيح مفاهيم الشباب والحيلولة دون وقوعهم في براثن الفكر التكفيري هم أعظم تكفير عن ذنب الوقوع في هذا الشرك، والإسهام سابقًا في الترويج له ودفع الشباب للسقوط فيه.

يستجيب شباب كثُر لأطروحات عبد الرحمن أيوب بشأن القضايا والملفات التي يناقشهم فيها، فهو يعلم تلاميذه، الذين غادروا خط التطرف وانضووا تحت مدرسته، العقيدة الصحيحة والفهم الصحيح للإسلام ولنصوص القرآن والسنة.

منهج الجماعة الإسلامية قائم على رفض المبادئ الخمسة الأساسية في الدستور الإندونيسي التي تمثل منهج وفلسفة الدولة بعد الاستقلال، وبسبب إعلان باعشير رفضه للدستور وللمبادئ الخمسة دخل السجن عام 1982م في عهد الرئيس سوهارتو، ولذلك يعمد عبد الرحمن أيوب إلى تربية تلاميذه على المبادئ الخمسة، عبر التوفيق بينها وبين مبادئ الإسلام ومقاصده، بغرض تنشئة إنسان إندونيسي مسلم ووطني شريف.

اعتقال أحد المطلوبين في إندونيسيا

لم يكن باعشير حافظًا للقرآن الكريم، وكان مستواه في تحصيل العلم الشرعي عاديًّا أو أقل من المتوسط ويتحدث العربية، وكان يمتلك ويدير معهدًا تعليميًّا خاصًا، ملحقًا به مسجد يخطب فيه، ونجح في جذب الكثيرين لنهجه التكفيري المتطرف، ليس لبراعته العلمية وإنما عبر توظيف هيئته المحببة وحنوه على أتباعه والمبالغة في التودد إليهم، عامدًا إلى إظهار الحب للناس العاديين لكي يقبلوا على جماعته وينضموا إليها، على الرغم من أنه يكفرهم لكونهم خارجين عن الجمهورية الإسلامية ولم يعطوه البيعة.

استعار عبد الرحمن أيوب نفس تكتيكات رفيقه السابق، لكن هذه المرة بغرض توفير عوامل جذب لدى الشباب للفكر الوسطي الرافض للتطرف والتكفير، ويعتقد أيوب أن الدعاة إلى الإسلام الحق وإلى المنهج الإسلامي الصحيح هم الأولى بالتحلي بالرفق، والأجدر بأن تجذب أخلاقهم الودودة الناس إلى أفكارهم ومناهجهم السليمة.

يرى أيوب أن الدعوة إلى الإسلام لا تثمر إلا بالرحمة وإرادة هداية الناس إلى الخير، وهي تعيش بين الناس وتتوارثها الأجيال بالتودد وخفض الجناح للناس والعطاء والبذل والإيثار والسماحة، وجميع هذه الصفات هي التي أحبها الإندونيسيون قديمًا في الإسلام فاعتنقوه، وهي أيضًا صفاتهم التي يحيون بها وعليها، فلما وجدوها في الإسلام أحبوه وعاشوا في رحابه.

Share on facebook
Facebook
Share on twitter
Twitter

قصة

هشام النجار

صحفي مصري

مشاركة

أحمد بيكا

رسوم

Start typing and press Enter to search

Visit Us On FacebookVisit Us On TwitterVisit Us On Instagram