العيب في “الحلال والحرام”

محمد السيد الطناوي

كاتب مصري

mohamed.altanaw1@gmail.com

بجوار نشاطه الاقتصادي المؤسس، كان “طلعت حرب” صاحب قلم، ألّف الكتب وراسل الصحف، ولعل من أشهر ما كتب ردوده على “قاسم أمين”، فقد عُرف أبو الاقتصاد كرجل محافظ يراعي التقاليد، ويحاذر كل ما رأى فيه تغريبًا للمجتمع، ومن أطرف ما صادف أن طالعته لـ”حرب” مقال عن التحرش.

المقال قرأته منذ ما يزيد على العقد في مجلة كان لها شأن في الحياة الثقافية، هي “وجهات نظر” من إصدارات دار الشروق. كتب “طلعت حرب” يهاجم سلوكًا عدّه مؤشرًا على الانحلال المجتمعي، مستنفرًا الحكومة والناس قبلها للتصدي لهذا السلوك المنحل المتمثل في التحرش بالنساء، وضرب مثالًا على ما تنامى إلى سمعه من تلك الأفعال المشينة بأن يُبادر شاب “صفيق، رقيع” إلى إحدى السيدات في الشارع وهو لا يعرفها فيقول لها: بنسوار يا هانم.

 

أي قارئة تطالع هذه السطور ربما تشعر للحظات بعدم الفهم، ثم سيساورها مزيجٌ من الدهشة والحسرة لأنها لم تسمع يومًا كلمات تطاول تلك العبارة رقةً من أكثر الناس تهذيبًا معها. فكيف حدثت هذه النقلة من “بنسوار يا هانم” زمن “طلعت حرب” إلى ما أمسى عليه التحرش اليوم وبلغ حد الاعتداء الجنسي من آباء وأخوال وأعمام وإخوة ضد ذويهم؟. صورة أخرجتها للعلن عشرات الشهادات المتداولة على وسائل التواصل الاجتماعي بعد واقعة طالب الجامعة الأمريكية.

لكن ما الذي فعلناه لنستحق لعنة كهذه؟!

الحديث عن اللعن يُسلِمنا إلى الميثولوجيا الإغريقية صاحبة النصيب الأكبر من اللعنات بين الميثولوجيات، إلى أسطورة “نرسيس” تحديدًا وما لحق به لدى رفضه حب امرأة حاولت التقرب إليه، فكان إعراضه عنها وانشغاله بنفسه سببًا في هلاكه.

تفاخر “نرسيس” أو “نركيسوس” على الفتاة “إيكو”، واستعلى عليها بجماله، مستغرقًا في نفسه، وَلِهًا بها، فاستحق اللعن، وكانت لعنته -بحسب الرمز في الأسطورة- نائمة فأيقظها رفضه إبصار الآخر، وهو ما يشير إليه المقطع “ناركي” من اللفظة اليونانية “ناركيسوس” وتعني النوم.

وما نبّه لعنتنا هو نفسه الذي أيقظ لعنة الإله الإغريقي بعدما انغلق حول نفسه مُقصِيًا الفتاة التي أحبته أو الآخر.

في زمن “طلعت حرب” خضعت الأخلاق لمنظومة “العيب”، وهي منظومة ترى الآخر وتعترف بوجوده، سواء أكان أجنبيًّا في بلد ازدحمت مدنه الكبرى وقتها بشتى الجنسيات، أو مصريًّا لكن من دينٍ ثانٍ، أو حتى من طبقة مغايرة.

وبذلك كانت هذه المنظومة الأخلاقية أكثر مرونة وأشد اتصالًا بالواقع، لتتراجع فيها مساحة التكلف والادّعاء (ومن ثم الكبت الذي هو بحسب علم النفس مصدر رئيسي للأمراض والعقد النفسية)، وكانت بتعبير آخر أكثر إنسانية.

لكن مثلما فعل “نرسيس”، فمع دخول حقبة السبعينيات وظهور ما سُمي “الصحوة الإسلامية” استجابة لسؤال الهوية، انغلق المجتمع (أو انقسم) على نفسه، لتحل منظومة “الحلال والحرام” محل “العيب”، وتتراجع الأغلبية تدريجيًّا إلى أضيق دوائر انتمائها، دائرة الدين وفق الرؤية الوهابية الوافدة.

 

أُقصي الآخر من المنظومة الجديدة، ورغم أن سابقتها راعت مساحة الحلال والحرام، فكانت مدمجة داخل “العيب” (وهو ما يجب التنبه إليه، فالمقابلة المصطنعة بالمقال لا تعني الانفصال بين المنظومتين)، غير أن دعاة المنظومة الدينية نشدوا ذاتًا صافية نقية من أية شوائب، لتمارس تعاليها على الآخر وتُقصيه بعيدًا، ويوقظ الإبعاد اللعنة النائمة التي فيها هلاك الذات.

الهلاك الموعود مصدره -كما تلمح الأسطورة ويصرح التاريخ أيضًا- التمترس حول الذات وتنحية الآخر، ففي هذا السلوك اختلال للعلاقة مع الواقع، يدلل عليه رفض التعدد وشجب الاختلاف وقمع التنوع، ليتحول الاختلال إلى نوع من المرض النفسي، من قبيل: الشيزوفرينيا، أو الهلاوس (هذه الصورة تبصرها واضحة في خطاب شيوخ السلفية، حيث تتبدى مظاهر الانفصال عن الواقع جلية في تصوراتهم التي هي أقرب إلى التخيلات المرضية).

استهدف دعاة منظومة “الحلال والحرام” تمايزًا يستعرض المجتمعات الإنسانية منفصلة، متفرقة، متباعدة، حرصًا على الهوية من التفكك، لكن هل كانت منظومة “العيب” تلغي التمايز، وتقضي على التفرد، وتنفي الجذور التاريخية لتضيع الهوية؟.

قد لا يحدث توافقٌ على إجابة السؤال، لكن المؤكد أنه عندما كنا نخضع لسلطان منظومة “العيب”، وكان التحرش في أكثر أشكاله “صفاقة” ينحصر في “بنسوار يا هانم”؛ كنا أقرب إلى الإنسانية، وأبعد عن صور تقترب من فوضوية الحياة البدائية الأولى. ولدى انتقال المجتمع إلى حكم منظومة “الحلال والحرام”، حيث لا وجود للآخر إلا خارج أفق الذات؛ استحال التحرش إلى صور هي أدنى إلى المرض النفسي.

 

والمؤكّد كذلك أنه في حين بات الحس الإنساني أكثر رهافة لدى أغلب المجتمعات البشرية، أمسينا وقد ضعف الرابط مع إنسانية ننتمي إليها، وفي الوقت ذاته لم نتمثل هوية سعينا لتثبيتها، كخير أمة أُخرجت للناس، بل ربما صرنا ولا خير فينا بالمرة.

Share on facebook
Facebook
Share on twitter
Twitter

Start typing and press Enter to search