حدود الانتصار

الآفاق المسدودة للوجود التركي في ليبيا

على مدار سنوات، حاولت أنقرة بشتى الطرق أن تجد موطئ قدم لها في ليبيا، ووجدت ضالتها أخيرًا في طلب حكومة الوفاق الوطني بدعمها، وهو الدعم الذي شمل إرسال عناصر مرتزقة وعتاد عسكري، أحبط تقدم الجيش الوطني الليبي نحو العاصمة طرابلس.

ومن شأن التدخل التركي الذي يستهدف تعزيز النفوذ والحصول على مكاسب سياسية واقتصادية مستقبلية، أن يزيد ليس فقط من تعقيدات الصراع السياسي في ليبيا، وإنما أيضًا من التوترات في الإقليم. لذا لا يثير التوغل التركي في الصراع الليبي قلقًا واضحًا من جانب القوى المعنية فقط، بل إن ثمة أطرافًا أخرى دولية وإقليمية تُبدي حذرًا لافتًا تجاه المسارات المحتملة للتدخل التركي، خاصة أن أنقرة لا تزال تتجه نحو توسيع نطاق أهدافها في ليبيا.

وظهرت هذه السياسة في طلب أنقرة من حكومة “السراج” استخدام الجيش التركي لقاعدة مصراتة البحرية وقاعدة الوطية الجوية بغرض إكمال متطلّباتها اللوجستية من جهة، ومن جهة أخرى تكريس وجود تركي دائم في منطقة جنوب المتوسط.

كما سعت تركيا إلى الإمساك بتلابيب الاقتصاد الليبي، يشير إلى ذلك تأكيد الرئيس التركي “رجب طيب أردوغان”، في 5 يونيو الحالي، أن بلاده قد توسّع تعاونها في ليبيا بصفقات في مجالي الطاقة والبناء فور انتهاء الصراع.

وفي سياق متصل، كان وزير الطاقة والموارد الطبيعيّة التركي “فاتح دونماز”، أعلن الاثنين الماضي أنّ بلاده تقدّمت بطلبات للحصول على تراخيص للتنقيب عن النفط وإنتاجه في ليبيا، في إطار الاتفاقيّة الموقّعة بين البلدين.

ويُعد هذا تتمةً لمذكرة التعاون الأمني والعسكري التي وقعتها تركيا مع حكومة الوفاق في أواخر نوفمبر 2019، في محاولة لشرعنة التدخل العسكري. كما أبرم الجانبان -في الشهر نفسه- مذكرة لإقامة منطقة اقتصادية خالصة تمتد من الساحل التركي الجنوبي على المتوسط إلى شواحل شمال شرق ليبيا، وهو إجراء واجه انتقادات دولية وإقليمية واسعة لانتهاكه السيادة الليبية وسيادة الدول المجاورة مثل اليونان.
في المقابل، تتعارض المواقف السياسية والأهداف التركية في ليبيا مع توجهات المجتمع الدولي، لذلك أطلقت أوروبا عملية “إيريني” نهاية مارس الماضي لمراقبة حظر تصدير السلاح إلى ليبيا، والذي يستهدف تركيا بالدرجة الأولى، فضلًا عن توافق أوروبي-صيني على الحل السياسي الشامل في ليبيا.

كما بدأت واشنطن تتخلى عن مواقفها الضبابية تجاه النزاع القائم في ليبيا وتدخل على خط الصراع، وتجلى ذلك في تصريحات أطلقها -في 14 يونيو الجاري- مساعد وزير الخارجية الأمريكي لشئون الشرق الأوسط “ديفيد شينكير”، قال فيها: “إننا نعتبر أن العملية الأممية ومنصة برلين تشكلان إطارًا أكثر فعالية لإطلاق المفاوضات من أجل تحقيق تقدم في مسألة وقف إطلاق النار في ليبيا”.

والأرجح أن واشنطن بدأت تعي أن موقف اللا مبالاة تجاه ليبيا قد يُتيح لروسيا وتركيا مواطئ قدم مهمة استراتيجيًا في منطقة شرق البحر المتوسط. كما أبدت الإدارة الأمريكية مؤخرًا مخاوف من أن تقوم تركيا وروسيا -ضمنيًّا- بالاتفاق على تقسيم ليبيا فيما بينهما، والقيام بعملية مماثلة لعملية أستانة التي بدأتها الدولتان من أجل تحديد مصير سوريا بدون دور للولايات المتحدة.

أولًا: حسابات خاصة

ثمة العديد من المحركات التي تدفع أنقرة إلى تعزيز مكانتها في الصراع الليبي، وهو ما يمكن توضيحه على النحو التالي:

1- إعادة تشكيل الأوضاع الجيوسياسية شرق المتوسط:

تريد أنقرة، من وراء التدخل في ليبيا، أن يكون لها رأي في شرق المتوسط، لا سيما في ظل تنامي الاكتشافات النفطية في منطقة البحر المتوسط، وظهر ذلك في التصريحات التي أطلقها الرئيس التركي عشية استقباله “السراج” في 4 يونيو الجاري، حيث قال إن “حفتر”: “ليس لديه صفة تمثيلية تمكنه من التفاوض على ما يجب أن يكون حلًّا شرعيًّا وعادلًا”.

وأضاف “أردوغان”: “إن قوات حفتر الانقلابية لن يُسمح لها بعد الآن ببيع النفط الليبي بطريقة غير مشروعة”. وفي تصريحات مماثلة قال وزير الطاقة والموارد الطبيعية “فاتح دونماز” في مايو الماضي: “ستبدأ أنشطة التنقيب في ليبيا في غضون ثلاثة إلى أربعة أشهر ضمن الاتفاقية الموقّعة بين الجانبين”.

كما اتجهت أنقرة -مطلع مايو الماضي- إلى تفعيل الاتفاقية الموقعة مع حكومة الوفاق في نوفمبر الماضي لوضع يدها على الثروات الطبيعية لليبيا، حيث قدمت شركة البترول التركية “TPAO” طلبًا إلى حكومة “السراج” في العاصمة الليبية طرابلس للحصول على إذن بالتنقيب عن النفط في المنطقة الاقتصادية الخالصة لليبيا.

والأرجح أن مساهمات هذه المشاريع في البحر الأبيض المتوسط لن تقتصر على حماية الحقوق الجيوسياسية فحسب، مثل حماية الحقوق الاقتصادية لتركيا وجمهورية شمال قبرص التركية؛ بل ستشمل أيضًا تلبية جزء كبير من احتياجات تركيا من النفط.

وبموازاة ذلك، تهدف تركيا إلى إعادة صياغة توجهاتها الاستراتيجية في ليبيا من أجل تعزيز هيمنتها على السواحل البحرية، وتجلى ذلك في اتفاقية ترسيم الحدود البحرية الموقعة بين “أردوغان” و”السراج”.

يهدف أردوغان إلى تعزيز الهيمنة البحرية من خلال اتفاقه مع حكومة السراج

وعلى الرغم من محاولة تركيا تنويع مصادر الطاقة لديها؛ إلا أن ما يقرب من نصف وارداتها من الغاز من روسيا، مقابل ما يقرب من 27% من احتياجاتها النفطية يتم تلبيته من إيران، لذلك تمثل ليبيا أولوية مستقبلية في الاستراتيجية التركية الجديدة، لعدة أسباب؛ أولها: جودة النفط الليبي، فقبل الاضطرابات كانت ليبيا تنتج 1.6 مليون برميل من النفط عالي الجودة وسهل المعالجة يوميًّا مع نسبة عالية من الكبريت.

وثانيها: أن أنقرة لا تستطيع في المرحلة الحالية الاعتماد على طهران التي تواجه عقوبات أمريكية، وكذلك موسكو (شريك الضرورة) ومهندس التفاهمات بين دمشق والقوات الكردية الحليفة للولايات المتحدة.

كذلك، فإن تطوير مشاريع مشتركة للطاقة مع ليبيا، خاصة في المنطقة التي تُسمى بالهلال النفطي على البحر المتوسط بما في ذلك سرت ومرزق، ستوفر فرص عمل كبيرة للأتراك من جهة، ومن جهة أخرى فإن هذه المشاريع تراها تركيا مهمة لحماية حقوقها الجيوسياسية والاقتصادية ولجمهورية شمال قبرص التركية، فضلًا عن أن التحركات التركية للهيمنة على السواحل الليبية ترتبط بالصراع الدولي على الموارد الطبيعية في منطقة شرق المتوسط.

2- محاصرة الخصوم

تستهدف المساعي التركية للهيمنة على ليبيا محاصرة دول المعارضة للنزعة التوسعية التركية في الإقليم، كما أن ترسيخ وجودها في ليبيا يمنحها موقعًا استراتيجيًّا بالقرب من خصومها، وبخاصة القاهرة واليونان وقبرص.

كما ترغب تركيا في امتلاك مزيدٍ من الأوراق الضاغطة على الاتحاد الأوروبي بعدما فشلت ورقة اللاجئين في ابتزاز دول الاتحاد، وشهدت العلاقة بين الجانبين حالة من التوتر بعد توجه الاتحاد لفرض عقوبات على أنقرة بسبب عمليات التنقيب عن البترول قبالة سواحل جزيرة قبرص، في وقتٍ تُصرّ فيه تركيا على ما تسمّيه “حقوقها في شرق المتوسط”.

تركيا تنوي إنشاء قاعدتين عسكريتين دائمتين في ليبيا

واتجهت تركيا طوال الأعوام التي خلت نحو محاصرة خصومها من خلال دعم التيارات الإسلامية والتدخل في شئونها الخاصة، بالإضافة إلى التوسع في تأسيس القواعد العسكرية، وتجلى ذلك في التسريبات التي كشفت عنها صحيفة “يني شفق” التركية الموالية للنظام في 13 يونيو الجاري، والتي أكدت أن تركيا تنوي إنشاء قاعدتين عسكريتين دائمتين في أراضي ليبيا.

وأشارت الصحيفة إلى محاولات تُجريها أنقرة حاليًّا لإعادة تشغيل قاعدة الوطية الجوية العسكرية لتكون ملائمة لبناء قاعدة جوية فيها، حيث من المقرر أن تحتضن طائرات مسيرة ومنظومات دفاع جوي تركية، كما يتم اتخاذ خطوات مماثلة في ميناء مدينة مصراتة الساحلية التي تطل على البحر المتوسط، ليتم فيه بناء قاعدة بحرية مع تحصين قاعدة الوطية بالطائرات المسيرة والأنظمة الجوية.

3- مقايضة موسكو

تسعى تركيا إلى التوصل إلى أرضية توازن/توافق سياسي وعسكري مع موسكو، من خلال تحديد دوائر النفوذ من خلال ربط ملفي سوريا وليبيا في إطار عملية تفاوضية متكاملة. وفي الوقت الذي نجحت فيه حكومة الوفاق بدعم تركي من استعادة طرابلس وترهونة والتوغل نحو سرت، اتجهت موسكو إلى فتح بابٍ للحوار مع تركيا.

وتُشير بعض القرائن إلى أن أنقرة تهدف لعقد مقايضة موسكو في الملف الليبي، أساسها أن تدع أنقرة روسيا والنظام السوري يستعيدان السيطرة على جيب إدلب مع التلويح بإمكان انسحاب جيشها من جزء من شمال سوريا، في مقابل أن تتخلى روسيا عن طرابلس وخليج سرت لحكومة الوفاق الوطني المدعومة من تركيا.

وقد تشمل الصفقة الحصول على موافقة روسية بشأن الاحتفاظ بالمناطق التي استولت عليها تركيا شمال غرب سوريا في عامي 2016 و2018، وكذلك الحصول على موافقة روسيا على المنطقة العازلة التي حاولت إنشاءها في شمال شرق سوريا بعد الانسحاب الأمريكي عام 2019.

يحاول أردوغان التوصل لاتفاق مع بوتين بشأن ليبيا وسوريا

وعلى هذا النحو، يمكن تفسير قيام روسيا بضرباتها الجوية لأول مرة منذ اتفاق وقف النار الذي وقعته مع تركيا على ريف إدلب في جبل الزاوية ومناطق سهل الغاب، وكذلك توقف قوات الوفاق المدعومة تركيًّا عند مداخل سرت دون دخولها، بعد تحريك موسكو ورقة إدلب من الضربات الجوية الأخيرة، ومن ثّم يبدو أن هناك توافقات سياسية غير مباشرة تحدث بين الطرفين لحين انتظار اتفاق مباشر في الأيام المقبلة.

4- استعادة الإرث التاريخي

أنقرة لديها مطامع إمبراطورية في ليبيا التي كانت حتى 1912 جزءًا من الإمبراطورية العثمانية، ويكشف عن ذلك توجهات السياسة الخارجية التركية بشأن العلاقة مع ليبيا، وفي ظل رؤية “العثمانية الجديدة” بزعامة “أردوغان” تم إعداد استراتيجية لإعادة تشكيل الأوضاع الجيوسياسية في منطقة شمال إفريقيا عبر مدخل ليبيا التي تقول أنقرة إن ثمة روابط تاريخية عميقة لها مع الليبيين.

ثانيًا: سيناريوهات مستقبل التواجد التركي في ليبيا

تواصل تركيا دعمها العسكري والسياسي لحكومة الوفاق غرب ليبيا، وذلك على خلفية التقدم الذي أحدثته قوات حكومة “السراج” والميلشيات الموالية لها، والذي كان أبرز ملامحه استعادة العاصمة طرابلس والمناطق المحيطة، فضلًا عن استعادة مدينة ترهونة والتقدم نحو سرت.

غير أن تصاعد الانتقادات الدولية والعربية للدور التركي العدواني في ليبيا، وغير المقبول على نحو متزايد؛ دفع أنقرة للتفكير في التحايل على هذه الانتقادات عبر تصريحات متناقضة تروج لأهمية العملية التي تجريها الأمم المتحدة للتوصل إلى حل سياسي للصراع، وهو ما يطرح ثلاثة مسارات محتملة للانخراط التركي مستقبلًا في ليبيا.

السيناريو الأول:

استمرار الدعم العسكري: قد تستمر تركيا في تقديم الدعم العسكري والسياسي لحكومة الوفاق الليبية، وهو ما ركزت عليه أنقرة وتحشد له كل أدواتها، ومن المتوقع أن يستمر بصرف النظر عن ردود الفعل على المستويين الإقليمي والدولي، خاصة أن النجاحات العسكرية الأخيرة لحكومة الوفاق تساهم في ترسيخ نفوذ تركيا المستقبلي في ليبيا، وتضمن تعزيز موقع أنقرة في رهانات إقليمية أخرى، فضلًا عن أنها تسمح لأنقرة ببسط نفوذها بشكل أكثر فاعلية خارج محيطها المباشر بالنسبة لملفات حيوية، مثل: تقاسم مكامن الطاقة في شرق المتوسط، والنزاع في سوريا، والهجرة إلى أوروبا.

كذلك فإن من شأن استعادة حكومة الوفاق السيطرة على ترهونة وتأمين العاصمة طرابلس، أن يمنح تركيا موقعًا استراتيجيًّا بالقرب من خصومها في منطقة شرق المتوسط، وبخاصة القاهرة واليونان وقبرص.

وتصاعدت خلافات تركيا مع دول حوض المتوسط بسبب محاولات الأولى التنقيب في المناطق الاقتصادية الخالصة لقبرص واليونان، بالإضافة إلى محاولات أنقرة الطعن على الاتفاقيات القانونية الخاصة بترسيم الحدود بين دول حوض المتوسط.

من المتوقع إقدام أردوغان على إرسال مرتزقة إلى ليبيا مجددا

ووصل التوتر الذروة بين أنقرة ودول حوض المتوسط، بعدما وصفت الثانية الاتفاق البحري الذي وقعه “أردوغان” في نوفمبر الماضي مع “السراج” بأنه “غير قانوني” وهو اتهام تنفيه أنقرة.

والواقع أن ثمة مؤشرات تُرجّح هذا السيناريو؛ أولها رفض أنقرة “إعلان القاهرة” الصادر في 6 يونيو الجاري، والذي تضمن مبادرة مصرية لوقف إطلاق النار وإطلاق عملية سياسية في ليبيا، ووصف وزير الخارجية التركي المبادرة بـ”الباطلة”، واعتبرها محاولة يائسة تهدف إلى إنقاذ “خليفة حفتر” بعد فشل هجومه لانتزاع السيطرة على العاصمة طرابلس.

وثانيها مواصلة حكومة العدالة والتنمية تمرير شحنات السلاح والعتاد باتجاه ليبيا، متجاوزة القانون الدولي وقرارات مجلس الأمن ذات الصلة بالأزمة الليبية، وظهر ذلك في معارضة أنقرة، في 8 يونيو الحالي، قيام مهمة بحرية أوروبية “إيريني” بتفتيش سفينة شحن تركية يُشتبه في خرقها حظر الأمم المتحدة على الأسلحة إلى ليبيا.

كما أجرت تركيا -في 9 يونيو الجاري- مناورات “أعالي البحار” في المياه الدولية بالبحر المتوسط، وشاركت سفن حربية ومقاتلات و8 فرقاطات وطرادات و17 مقاتلة في هذه التدريبات التي استمرت ثماني ساعات على 2000 كم ذهابًا وإيابًا من الشرق إلى الغرب، فيما يبدو أنه استعراض للقوة مرتبط بالنزاع في ليبيا.

السيناريو الثاني:

دفع العملية السياسية: مع توسيع دوائر الاشتباك ودخول قوى إقليمية ودولية باتجاه دعم الجيش الوطني الليبي، ربما تدفع أنقرة باتجاه العملية السياسية في ليبيا.

كما أن تركيا تعي وتدرك أن الجيش الليبي ما زال يسيطر على وسط وشرق وجنوب ليبيا واقعيًّا، وأن انسحابه من تخوم طرابلس تكتيكي وليس خسارة عسكرية كبيرة، وبالتالي فإن التوقع باستمرار المواجهات العسكرية وارد، فضلًا عن إدراك أنقرة أن ليبيا ليست طرابلس فقط، فليبيا مقسمة إلى أقاليم كبيرة، فبالإضافة إلى طرابلس هناك “برقة وفزان”، ومن ثم فإن حكومة الوفاق المدعومة من تركيا لا يمكنها عمليًّا الانفتاح على كل ليبيا الكبيرة التي لا يمكن تطويعها بسهولة أو السيطرة عليها.

أردوغان لجأ إلى ألمانيا للدفع باتجاه عملية السلام في ليبيا

على صعيد ذي شأن، ثمة محاولات تقودها دول عربية -في الصدارة منها الإمارات والسعودية- نحو تحجيم النفوذ التركي، من خلال بناء تحالف عربي أوروبي لتسوية الصراع الليبي، وتمتلك الإمارات والسعودية أوراقًا مهمة لتشجيع أوروبا على تسريع هذا التحالف معهما، فقد عملتا على تطويق نفوذ الإسلام السياسي في أماكن مختلفة بينها مصر والسودان، ونجحتا من خلال التدخل باليمن في حماية الملاحة في البحر الأحمر، فضلًا عن شراكة متطورة مع دول القرن الإفريقي لضمان حماية أكثر أمنًا.

كما ساهمت أبوظبي والرياض والقاهرة في دفع تركيا إلى خسارة إطلالتها على البحر الأحمر من خلال جزيرة سواكن من خلال الدعم المقدم للحكومة الانتقالية في السودان.

ويمكن فهم محاولات تركيا استمالة قوى إقليمية ودولية لدفع عملية السلام، وظهر ذلك في مؤتمر جمع الرئيس التركي والمستشارة الألمانية “أنجيلا ميركل” في 15 يونيو الجاري عبر تقنية الفيديو، وتأكيد الأول على أهمية الحل السياسي، كما فتحت أنقرة بابًا للحوار مع موسكو التي تدعم قوات الجيش الوطني الليبي بقيادة “خليفة حفتر” لوضع أسس مشتركة للاتفاق بينهما على إدارة الصراع في ليبيا.

كما اتجهت أنقرة مؤخرًا إلى “تليين” العلاقة مع القاهرة، ففي تصريحات له على قناة NTV التركية في 9 يونيو الجاري، قال وزير الخارجية التركي “مولود أوغلو”: “إن الطريقة الأكثر عقلانية لعودة العلاقات التركية المصرية، تكون عبر الحوار والتعاون مع تركيا بدلًا من تجاهلها”.

وأضاف “أوغلو” أنه “بتفويض من الرئيس رجب طيب أردوغان، أجرى اتصالات مختلفة مع مصر في السابق، إلا أن التوازنات في ليبيا أدت إلى توتر العلاقات قليلًا”.

السيناريو الثالث:

تقليص الدعم لاستيعاب الضغوط: صعّدت باريس وجامعة الدول العربية وأطراف دولية معتبرة موقفها تجاه التدخلات التركية في ليبيا، كما طلب الاتحاد الأوروبي في 10 يونيو الجاري مساعدة حلف “الناتو” في فرض احترام حظر التسليح على ليبيا، وذلك بعد منع القوات التركية عناصر قوة العملية “إيريني” التي انطلقت في 31 مارس الماضي من تفتيش سفينة تركية كانت تحمل أسلحة لحكومة الوفاق.

الاتحاد الأوروبي يتعاون مع حلف "الناتو" لفرض احترام حظر التسليح على ليبيا

ولم تقتصر الضغوط الدولية والإقليمية على تركيا على ما سبق، ففي مايو الماضي أوضح بيان أصدره وزراء خارجية فرنسا واليونان وقبرص والإمارات ومصر مخاوفهم من التحركات التركية غير القانونية في المنطقة الاقتصادية الخالصة لجمهورية قبرص ومياهها الإقليمية، وهو ما يشكل انتهاكًا صريحًا للقانون الدولي وفقًا لاتفاقية الأمم المتحدة لقانون البحار

وفي هذا السياق، قد تتجه تركيا في محاولة لاستيعاب الضغوط الدولية عليها نحو إعادة تحديد استراتيجيتها في ليبيا من خلال تأمين مصالحها مع شركاء دوليين مثل روسيا، خاصة أنها باتت تتحكم بالمسارين السياسي والعسكري غرب ليبيا. 

كما أنها نجحت في تعزيز مكانتها في الصراع الليبي بسبب مجموعة من العوامل، أهمها: ضعف حكومة الوفاق، وافتقادها إلى بنية عسكرية مؤسساتية، إذ تعتمد بالأساس على التسليح التركي، كذلك تستند أنقرة إلى قوة قانونية واقتصادية وفرها توقيع الرئيس التركي اتفاقية لترسيم الحدود البحرية مع حكومة الوفاق في نوفمبر الماضي، بالإضافة إلى الاستحواذ على عدد معتبر من المشروعات الاقتصادية وإصلاح البنية التحتية غرب ليبيا.

خاتمة

في التحليل الأخير يمكن القول إن التدخل العسكري التركي في ليبيا زاد من تعقيد الأزمة، وأدى إلى إعادة صياغة أنماط التفاعلات بين القوى المحلية والإقليمية والدولية المعنية بالأزمة الليبية، لذلك تعرضت تركيا إلى انتقادات غير مسبوقة، وهو ما قد يدفعها إما للاستمرار في دعم حكومة الوفاق عسكريًّا، أو ربما البحث عن مسارات مختلفة لكن من دون أن تضعف حضورها في المشهد الليبي في المرحلة الحالية أو مستقبلًا.

Share on facebook
Facebook
Share on twitter
Twitter

كتبتها

كرم سعيد

باحث متخصص في الشأن التركي

مشاركة

أحمد بيكا

غُلاف رئيسي

Start typing and press Enter to search

Visit Us On FacebookVisit Us On TwitterVisit Us On Instagram