وجهات نظر

التصوف الإسلامي في فرنسا ومعضلة “الانعزالية الإسلامية”

ما الذي يمكن أن يقدمه التصوف الإسلامي في فرنسا للجالية المسلمة هناك، في معرض التفاعل مع القلاقل التي تمر بها خلال السنوات الأخيرة، والقلاقل المقبلة، بمقتضى مؤشرات الساحة هناك؟ وكيف نفسر غياب الخوض في التديّن الصوفي هناك، على هامش تفاعل النخب السياسية والإعلامية والفكرية مع تلك القلاقل؟ وما الذي جرى مع الجالية المسلمة، التي تتميز بأنها تنهل من تديّن إسلامي، سني، أشعري، ونسبه منه صوفي، كونها أصبحت اليوم في صلب قلاقل وصلت إلى درجة حديث أعلى سلطة سياسية في البلاد عن ضرورة مواجهة “الانعزالية الإسلامية” أو “الانفصالية الإسلامية” بتعبير الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون كما جاء في خطابه في 2 أكتوبر 2020؟

هذه بعض الأسئلة الغائبة كلياً، مع بعض استثناءات، في أغلب النقاشات التي تدور في فلك الجالية المسلمة، بما في ذلك النقاشات السياسية والإعلامية والفكرية التي تدور بين تيار “اليسار الإسلامي”، والتيار المصنف في خانة “التخويف من الإسلام”، أو تيار “الإسلاموفوبيا” حسب الاصطلاح البريطاني، الذي انتقل بين ليلة وضحاها إلى النقاشات الفرنسية حول قضايا المسلمين.

ولا يقتصر الأمر على هذا المقام، بل يمتد إلى النقاش الدائر بين دوائر صناعة القرار في فرنسا، ولأنه يصعب حصر الأمثلة، نتوقف هنا عند أحدها، ويتعلق الأمر بمضامين تقرير صدر عن لجنة التحقيق في مجلس الشيوخ الفرنسي، والمؤرخ في 7 يوليو 2020، بمشاركة 20 عضواً في مجلس الشيوخ، تحت رئاسة نتالي دولاتر، وقد أشرف على التقرير هشام القروي، الذي عينه الرئيس الفرنسي منذ سنين، للإشراف على ما يمكن الاصطلاح عليه بـ”إعادة هيكلة الحقل الإسلامي في فرنسا”، على غرار ما نعاينه من إعادة هيكلة حقل إسلامي في بعض دول المنطقة العربية خلال العقد الجاري.

نقرأ في أهم محاور التقرير العناوين التالية: الإسلاموية في فرنسا بين النفوذ الخارجي والطابع الداخلي؛ إنتاج التطرف يقع في الداخل، فهو لم يعد بضاعة مستوردة؛ التضارب في موقف السلطات الفرنسية؛ انقسام الجماعات الإسلامية؛ القطيعة مع المجتمع أو الموقف التوفيقي؛ خمس جماعات رئيسية في فرنسا؛ جماعة التبليغ: منظمة أقرب إلى حركة طائفية؛ السلفيون: تيار طهراني يحن إلى استعادة الأيام الأولى للإسلام؛ عنوان آخر عن جماعة الإخوان المسلمون ووجودها الحركي والسياسي.

وإجمالاً، توصل التقرير إلى حصر أهم التيارات الإسلامية الحركية في خمس تيارات، وهي جماعة “الدعوة والتبليغ”، التيار السلفي ، التيار الإخواني، التيار الجهادي، والمشروع الإسلامي التركي في فرنسا.

اقرأ أيضا: تاريخ ونشأة ومعنى التصوف

ما يُثير الانتباه أيضاً في هذا التنصيف وهذه الخريطة الموزعة على 244 صفحة، غياب أي إحالة على الطرق الصوفية، رغم أن هذه الطرق حاضرة في فرنسا، خطاباً وممارسة، بل إن بعض النخب الفرنسية المسلمة، تنهل من تديّن صوفي، من قبيل شكيبة خياري (فاعلة سياسية)، إريك جوفروا (باحث)، الشاب عبد المالك (فنان)، وأسماء أخرى، وبعضها بالمناسبة، يزور دول المنطقة العربية للمشاركة في مؤتمرات أو الحضور ضمن أنشطة صوفية، وخاصة المغرب ومصر، حيث الحضور الصوفي الجلي في تديّن الشعبين، على غرار السائد في دول أخرى، من قبيل السودان وتركيا وموريتانيا.. إلخ، إلا أن الفعاليات الصوفية في المغرب ومصر، أكبر مقارنة مع باقي دول المنطقة.

وموازاة مع ذلك، نعاين اشتغال العديد من الإصدارات البحثية في الساحة الفرنسية، على التعريف بالخطاب الصوفي للجمهور هناك، حتى إن أحدث الإصدارات البحثية حول الموضوع، التي صدرت منذ أسابيع فقط، يصب في هذا الاتجاه، والحديث عن كتاب الباحثة كهينة بهلول، وجاء تحت عنوان “إسلامي حريتي”، وتنتصر فيه المؤلفة للمرجعية الصوفية في معرض الدفاع عن خطاب إسلامي إصلاحي، يأخذ مسافة من الخطاب الإسلامي الحركي هناك.

نقول هذا أخذاً بعين الاعتبار أن التصوف خطاب ديني، كما أن العمل الصوفي يتضمن الدعوة والتوجيه والإرشاد، مثل ما تقوم به بعض الحركات الإسلامية، مع فارق في المرجعية والأداء والمضامين، إضافة إلى وجود عمل صوفي ميداني على أرض الواقع حتى في منظمات المجتمع المدني، سواء بشكل فردي أو بشكل جماعي، على غرار ما يُصدر عن الإسلاميين، وبالرغم من وجود عدة قواسم بين العمل الصوفي والعمل الإسلاموي، إلا أن التقرير الرسمي سالف الذكر، لم يتوقف قط عند العمل الصوفي، بقدر ما سلط الضوء على معالم تلك الخريطة الإسلامية والقلاقل التي تصدر عن أتباع الحركات الإسلامية، من سلفية وإخوان وجهاديين، على قلة هؤلاء.

واضح أن البحث عن سبب غياب إدراج أهل التصوف ضمن التقرير أعلاه، يُحيل على الفوارق بين العمل الصوفي والعمل الإسلامي الحركي، سواء تعلق الأمر بالفوارق في الخطاب أو الممارسة، ما دامت هذه الممارسة مجرد تطبيق لمعالم ذلك الخطاب.

من الصعب إحصاء هذه الفوارق، أقلها النزعة الإنسانية التي تميز الخطاب الصوفي مقارنة مع غياب هذه النزعة عند الحركات الإسلامية، والتي تتعامل مع موضوع الانتماء للمشروع، كأنه يُحيل على الانتماء إلى النسخة الصحيحة للإسلام، أو بتعبير سعيد حوى الذي يؤمن أنه “ليس أمام  المسلمين إلا فكر الأستاذ البنا إذا ما أرادوا الانطلاق الصحيح”، أو أنه “لا زالت دعوة الإخوان المسلمين وحدها هي الجسم الذي على أساسه يمكن أن يتم التجمع الإسلامي في العالم”، أو كما نقرأ له في مقام آخر: “إذا كانت الجماعة [الإخوان] هذا شأنها فلا يجوز لمسلم الخروج عنها، قال عليه السلام “من فارق الجماعة قيد شبر فقد خلع ربقة الإسلام من عنقه”، ضمن أدبيات أخرى.

هذه الإشارة لسعيد حوى، ضمن إشارات أخرى في عدة أدبيات، مهمة لقراءة تعامل أعضاء الحركة الإسلامية مع أي عضو أخذ مسافة من التنظيم والانفصال عنه، كأنه خرج تواً من الإسلام، بينما في الواقع خرج من نمط معين من التديّن، ولم يخرج من الدين، حتى لو كان هذا التديّن هو التصوف، مع ظاهرة “ما بعد الطرقية”، أي انفصال أعضاء صوفيين عن طريقة صوفية.

عاينا هذا التعامل العدائي مع العديد من الحالات في الساحة المغربية، فالأحرى في الساحة العربية والإسلامية، من قبيل ما جرى مع فريد الأنصاري في المغرب، عندما اتهم بأنه “سلفي” كما لو أنه أصبح عدوا للحركة الإسلامية التي كان ينتمي إليها، ضمن أمثلة أخرى هنا في المنطقة.

ومن النماذج أيضاً، ما جرى مع حالة الباحث محمد لويزي في فرنسا، وكان عضواً في حركة “التوحيد والإصلاح” في المغرب، وبعد الهجرة إلى فرنسا، بقي وفياً للمشروع للإخواني هناك، قبل انخراطه في المراجعات وإعلان الانفصال عن المشروع.

ومن نتائج هذا الانفصال، كما جاء ذلك بالتوثيق في كتابه “لماذا انفصلت عن الإخوان المسلمين؟”، (2016) حيث نعاين في الصفحة 326 من الكتاب، صورتان، تظهر الأولى لويزي رفقة أعضاء من التيار الإخواني، مؤرخة في 2005، في حقبة الانتماء، ومعها صورة ثانية للأعضاء أنفسهم، مؤرخة في 2008، في حقبة انفصل فيها بشكل نهائي عن المشروع، ولكن تمت تغطية وجهه من الصورة عبر تقنية فوتوشوب، كأنه أصبح خارج الإسلام في لا وعي هؤلاء، تحت اسم الخروج عن الإسلام السياسي، وهذه ممارسة تلخص الشيء الكثير في الجهاز المفاهيمي لبعض هذه الجماعات، وهي إشارة تحيل على الفوارق بين العمل الصوفي والعمل الإسلاموي، دون أن يُفيد ذلك أن العمل الصوفي لا يعاني من أعطاب، وأكدنا مراراً أنه يمر من قلاقل هو الآخر، بدليل الحديث عن “ما بعد الطرقية”.

لا يمكن أن يُدرج مجلس المستشارين الفرنسي وغيره من المؤسسات الأوربية والغربية، أهل العمل الصوفي ضمن الخريطة الإسلامية الحركية، لأن الخطاب الصوفي غير معني بأدبيات “الطائفة المنصورة” و”الجاهلية” و”التقية” و”الحاكمية”، أي أدبيات المودودي وسيد قطب وسعيد حوى وأسماء أخرى، حررت أعمالاً في سياقات زمنية معينة، ولكن الحركات الإسلامية في المنطقة، ومعها الحركات الإسلامية في فرنسا، مصرة على إسقاط مقتضى تلك الأدبيات على مجالات ثقافية مغايرة للمجالات الثقافية والظروف الاجتماعية والحالات النفسية التي حررت فيها تلك الأعمال.

بل إن بعض مميزات الخطاب الصوفي، تقف وراء اعتناق الفرنسيين والأوربيين للإسلام، وانخراط بعضهم في ترجمة أعمال أبي حامد الغزالي وابن عربي وعبد القادر الجيلاني وأسماء أخرى.

لهذه الأسباب، ضمن أخرى، لم يتم إدراج الطرق الصوفية في الخريطة الإسلاموية الصادرة عن تقرير رسمي لمجلس المستشارين الفرنسي.

منتصر حمادة

كاتب وباحث مغربي

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى