دراسات وتحليلاتمختارات

التضامن الضار مع مسلمي فرنسا.. لماذا أفرَغَ اليسار الساحة لليمين؟

 

تعيش فرنسا أكثر من أزمة، جميعها ليست وليدة اليوم. النيو ليبرالية، وصعود اليمين المتطرف، والانفصالية الإسلامية، وعجز اليسار “الهوياتي”. وتندرج هذه الأزمات تحت إطار أزمة سياسية كبرى يعيشها المجتمع، والتي سبق أن وصفها الجغرافي الفرنسي كريستوف جيلوي، في نظريته عن “فرنسا الطرفية”، بأنها تَمركز الطبقة الحاكمة، السياسي والتنموي حول المدن الكبرى، مع انفصال شبه تام عن الأطراف مُمثلةً في الريف وضواحي المدن.

حراك السترات الصفراء الذي هز الجمهورية الفرنسية العام الماضي

لقد فَضح حراك “السترات الصفراء” الواسع في 2018، حماقة وعجز اليسار الفرنسي الغارق في “سياسات الهوية”، عن تبني وتدعيم هذا الحراك الريفي – الطرفي لمواجهة تحالف نيو ليبرالية البنوك بقيادة إيمانويل ماكرون.

فشل مُركَّب

تمامًا مثلما فشل جانب كبير من اليسار في توجيه الأزمة التي يعشيها المهاجرون من أصول مُسلمة (مهمشو الضواحي) في اتجاهها الصحيح، أي العلماني والتقدمي سياسيًّا وأيديولوجيًّا، وذلك عبر مساعدتهم لتشكيل وعي مُطابق لأوضاعهم المُزرية (التي تتحكم فيها مُعدلات البطالة ومصالح البنوك) ودفع نضالهم لأجل مزيد من الفرص في التعليم والعمل، وبالتالي قطع الطريق على حجة اليمين المتطرف القائلة بأنهم عالة على المجتمع، حيث تَرَكهم جزء كبير من اليسار فريسة لنزعات انفصالية، ورجعية، وعدمية تُمثلها التيارات الأصولية النامية في أوساط الفرنسيين المُسلمين، والتي تسعى لتكوين خصوصية طائفية للمسلمين، والسطو على المجال العام، وإهدار الحريات المدنية، وحرية (السلوك) الفردية للفرنسيين مُسلمين وغير مسلمين على حد السواء، وذلك عبر مُطالبة الحكومة الفرنسية بتطبيق امتيازات مُعينة تُراعي الشريعة الإسلامية داخل المجال العام.

وتحولت هذه المُطالبات، ويا للأسف، ويا لتعاسة الأصوليين الذين دفعوا الجزء الأكبر من جاليتهم في وجه المدفع، إلى نقيضها، إذ انقلب الانحياز الإيجابي الذي كان يُطالب به الأصوليون إلى انحياز سلبي مُعادٍ، تحت ضغط الحاجات الانتخابية للرئيس ماكرون، الذي تحوّل تدريجيًّا إلى كسب ود اليمين.

لكن ذلك لا ينفي حقيقة حديث ماكرون حول الانفصالية الإسلامية، فالخطأ الأكبر التي ترتكبه بقية الأطراف (جانب من جمهور المسلمين أنفسهم، وجزء كبير من اليسار الفرنسي) هو ترك الأزمة لمعالجة اليمين المُتطرف، بدلاً من معالجتها بأنفسهم بالدعاية لأجل وتحفيز إجراء إصلاحات تقدمية في سياسات اليسار الهوياتية، وبالمثل إصلاحات لاهوتية داخل الفكر الإسلامي، تجعله قادرًا على تبني القيم الكونية للحداثة، وعلى رأسها حرية الضمير والرأي والبحث العلمي.

مظاهرة للأقلية المسلمة في فرنسا

سأحاول عبر الفقرات التالية، توضيح كيف أدت “سياسات الهوية” التي تنتهجها أطياف من اليسار الفرنسي، إلى إفراغ الساحة السياسية الفرنسية من أية بدائل ممكنة، سواء لأوليجاركية الشركات التي يمثلها ماكرون، أم لليمين المتطرف؛ أو للأصولية الإسلامية المتصاعدة داخل الضواحي (وبخاصة أوساط الشباب)، وللانعزالية الثقافية التي تُحاول فرضها على الجالية المُسلمة.

هذه الانعزالية، لا تقل خطورة عن صعود اليمين المتطرف، بل إنها تطابقه في تصوراته عن الإسلام، وفي طموحاته الرجعية.

سأوضح أيضًا كيف تغذي هذه الأطياف (أو تتجاهل في أفضل الأحوال) عبر خطاب متسامح ظاهريًّا، ورافض للحداثة، تلك الانعزالية الرجعية النامية في صفوف المهاجرين من أصول مُسلمة، بحجة تسوية الماضي الاستعماري، بطريقة تُعيد إنتاج نفس مقولات الاستعمار.

فاعلية للحزب الشيوعي الفرنسي

انتهازية يسار الهُويات

كما يُلاحظ الفيلسوف الفرنسي جان كلود ميشا، فإن القاعدة الأساسية التي يتكون منها يسار الهويات في فرنسا، هي الطبقات الوسطى المدينية الجديدة، الصاعدة منذ عهد ميتران، والتي لا تزال (رغم الضربات النيو ليبرالية المُتلاحقة المُوجهة ضدها) طامحة إلى الاستفادة من عضوية النخبة التقنية والسياسية والثقافية للشركات الكبرى الاحتكارية.

إنهم بكلمات أخرى، طلاب ومهنيون يسعون لإيجاد موطئ قدم داخل النخبة المُعاصرة المُستفيدة من العولمة (والمُرتبطة غالبًا بالبنوك وشركات التكنولوجيا والتسويق والمُضاربة)، مع الاحتفاظ بمظهر راديكالي، لأُناس صاروا يُفضلون القضايا السهلة التي توافق عليها الشركات الكبرى، ونضال يحفظ لهم المكانة المُحترمة للمثقف الذي يُدافع عن قضايا الآخرين، ولذلك يُفضّل هؤلاء عادة، الانحياز إلى مسائل مُتعلقة بالهويات حصرًا، ومُفرّغة من أية أبعاد اجتماعية.

من هنا، يُمكن ربط تحليل ميشا بتحليل كريستوف جيلوي سابق الذكر، فبينما يدور الصراع داخل النخب اليسارية المدينية حول مسائل من قبيل الصوابية السياسية (كتغيير لفظ في رواية أو جملة في إعلان)، لا يجد التوسع النيو ليبرالي للاقتصاد الفرنسي (الذي اشتد سُعاره بدءًا بمحاولة ماكرون تعديل قانون العمل في 2016) من يُجابهه بحزم.

فأطياف من اليسار أيدت منذ أواخر القرن العشرين تلك السياسات، بل وزايدت عليها في بعض الأحيان، لدرجة جعلتها تبدو أكثر يمينية حتى من اليمين نفسه!

هكذا، بدأت كلتا النخبتين في الانفصال أكثر فأكثر عن مُحيط البلاد من الريف والضواحي (التي تضم النسبة الأكبر من المُهاجرين) الواقعة على أطراف المدن.

من المؤكد أن هذا التحول ليس وليد اليوم، وإنما يُمكن رده إلى تراكمات 40 عامًا مضت، بالتزامن مع التوسع النيوليبرالي، وانحطاط الأحزاب اليسارية التقليدية، وسيطرة النزعة ما بعد الحداثية، التي تُنكر صلاحية السرديات الكبرى داخل المجتمع الاستهلاكي، ومنها بالطبع سرديات: الصراع الطبقي، والأممية، وكونية حقوق الإنسان، وذلك لصالح سرديات ماهوية وجماعية أصغر، تُركز على نضال الأفراد المنخرطين في مجموعات على أساس انتماءاتهم الإثنية أو الثقافية أو الجنسية… إلخ.

المفكر اللبناني جلبير الأشقر

هكذا، تُمكِن ملاحظة 3 أنماط أساسية للسياسة الفرنسية الداخلية، تتقدم متوازية: انفصال المركز الفرنسي (أيًّا كان من يحكم) عن محيطه، وانفصال اليسار عن قواعده الشعبية التقليدية (والتي لم تكن لتَستثني ولو نظريًّا النضالات الإثنية أو الجنسانية).

وأخيرًا، كما يُلاحظ جلبير الأشقر، “المنعطف الهام الذي أصاب الدراسات الشرقية والإسلامية في فرنسا” والذي تزامن – كما يصف الأشقر- مع صعود الأصولية الإسلامية في أفغانستان وإيران بين عامي 1978 و1979.

هذا المنعطف أدى بالباحثين “المُرتدين” غالبًا عن ماركسية الستينات إلى صياغة رؤاهم وفق منظور هوياتي، مُتعاطف إلى هذا الحد أو ذاك مع تلك الأصولية الصاعدة بوصفها نموذجًا لـ”حداثة” المُسلمين، بعد أن فشلت الأيديولوجيات العلمانية: القومية والليبرالية والماركسية (في رأيهم) في إنجاز حداثة المجتمعات ذات الغالبية المسلمة.

من بين هؤلاء الباحثين كان أوليفييه روي، الماوي السابق، والذي قارن في منتصف الثمانينات الأصولية الإسلامية الجهادية بالإصلاح البروتستانتي.[1] بالتأكيد تُظهر أمثال هذه الادعاءات عدم دقة طرح روي، فالأصولية السَلف-أشعرية المُؤسَسة على احتكار تفسير النصوص بسلطة إجماع العلماء، تُشبه -بالنسبة إلى روي- حرية المسيحي العادي في تأويل الكتاب المُقدس التي أقرها مارتن لوثر!

بالطبع، لا يزال أمثال روي غارقين في مستنقع الكليشيهات المحفوظة من قبيل خلو الإسلام السني من “الإكليروس المُنظم” (طبقة رجال الدين التي تحتكر تأويل النصوص وتراقب الإيمان)، فهل سَمع السيد روي عما يُدْعَى في الفقه الإسلامي بالإجماع، أو سلطة رواة الأحاديث والمُفسرين المنتمين إلى مدارس تتفق جميعها على أولوية النقل، في مقابل التأويل السياقي (التاريخي والأدبي.. إلخ) باستخدام المناهج الحديثة؟

يتحدث الاسشتراقيون، واليمينيون، ويساريو الهويات، والإسلاميون بأطيافهم، عن نسخة واحدة من الإسلام، بصفتها إسلامًا أزليًّا خارج التاريخ، نسخة موجودة في خيالهم فحسب، لا تنطبق على دراسة ادعاءاته وتطوراته: المناهج النقدية والعلمية الحديثة، سواء أكانت تاريخية أم غير هذا، ويؤكدون جميعًا أن الحداثة (بما تحتويه من قيم وحقوق كونية) غير صالحة هنا.

ولذا، رغم ما قد يطفو على السطح من اختلافات بين كل من اليمين الغربي، والإسلام السياسي، واليسار الهوياتي، فإن ثلاثتهم تجمعهم رؤية واحدة لمسألة الإسلام في أوروبا عمومًا، وفرنسا خصوصًا.

ماري لوبان زعيمة اليمين المتطرف في فرنسا

بين اليمين واليمين

هكذا، أعادت الأطراف الثلاثة اجترار نفس فرضياتها، نحو صريح أو ضمني، إثر مقتل مُدرس التاريخ الفرنسي صامويل باتي على يد مُراهق عَدمي إسلامي.

فالأصوليون أعادوا ترديد الشعارات نفسها حول احترام المقدسات، تُغذيها بكائيات المظلومية التاريخية، التي تَنسِب جرائم الاستعمار إلى مُدرس تاريخ يُدرِب تلامذته على استخدام حقهم في حرية التعبير، وعلى تَقبّل النقد في صوره المُختلفة، ومن ضمنها السخرية.

وحتى لو افترضنا أنها سخرية الرسوم المقصودة، فقد كانت سخرية عابثة، غير هادفة إلى نقد، وهذا لا يُبرر بأي حال رد الفعل الإجرامي ذاك. لا يُبرر ذاك إلا عقل مريض ببارانويا الاضطهاد، أو عقل عوّدته محفوظات النسخة السائدة من الإسلام على أن مُقدَّسَه هو المُقدَّس الوحيد في العالم.

في حين لم تُعلِّمه أن ما يبدو مُقدَّسًا بالنسبة إليه، قد يبدو عاديًّا للغاية بالنسبة إلى الآخرين، ولم تُعلمه أن الحياة الإنسانية هي المُقدَّس الأكبر. إن الجميع، من الأزهر وحتى ماري لوبان، يعتقد أن هذه هي النسخة الوحيدة للتدين وهي نسخة مُحتقنة، ومُنغلقة، واستبدادية.

إنهم يجهلون أو يتجاهلون حقيقة أن البلدان ذات الغالبية المُسلمة شهدت عبر تاريخها انقسامات ومجادلات، أدت إلى وجود نسخ متباينة للتدين ربما أكثر من جميع الفرق التي وُجدت يومًا في العالم “المسيحي”، على الأقل حتى نهاية العصور الوسطى، وأنه لا يزال بالإمكان، مثلما كان ممُكنًا في الماضي، خلق نسخة للتدين أكثر تحررًا وقبولاً لحرية التعبير. ويتجاهلون حقيقة أن الشعراء العرب أنفسهم قد سخروا من الدين والنبوة (المعري وابن برد.. إلخ) تمامًا مثلما سخر المُسلمون من الجاهلية العربية ما قبل الإسلام.

إن هذا الشرخ الجذري، غير القابل للإصلاح، الذي يقول به اليمين الغربي ومؤسسة الإسلام السائد، بين الحداثة “الأوروبية” والإسلام، هو وهم خالص، يُلوّح به “مناهضو الاستعمار” الزائفون على شاشات التلفاز، الذين يؤيدون (بوعي أو من دونه) تَعفُّن البنى الاجتماعية في المُستعمَرات السابقة، حتى تسهل مهمة الشركات الكبرى في استنزاف ثروات تلك البلاد دون مقاومة.

هذا الوهم الخالص ليس سوى السردية الاستعمارية – الاستشراقية. إنهم يتحدثون عن خصوصية ثقافية، تجعل المسلمين الفرنسيين غير قادرين على الاندماج في الإطار العلماني للدولة والمجتمع المدني الفرنسيين، مثلما تجعل نظرائهم في بلدانهم الأصلية عاجزين عن إنجاز حداثة كاملة.

وهي نفس النبرة التي تحدث بها مستعمرو القرن 19 عن أن المسلمين غير قادرين على تبني الحداثة. لقد آن أوان فك الربط السطحي بين قرن الاستعمار، أي القرن 19، والقرن 18 إذ برز التنوير كمشروع إنساني كوني، كان كما يصفه مكسيم رودنسون، “يحترم الحضارات والشعوب التي هي خارج أوروبا، ويُسجل بحق، سواء في تطورها التاريخي أو بنيتها المعاصرة، ملامح إنسانية كونية”. [2]

لقد هدف هذا المشروع دون شك إلى تفكيك المُقدسات، التي ابتلعت الإنسان وسببت اغترابه عن ذاته وعن عالمه طيلة قرون.

الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون

تيه اليسار

بدلاً من أن يعمل اليسار على نشر وعي تقدمي وعلماني في صفوف الفرنسيين المُسلمين والمهاجرين المُسلمين، بصفتهم قادرين على تبني الحداثة بما تحمله من مبادئ، وبدلاً من أن يدفع حراكًا يهدف إلى زيادة الفرص المُتاحة لهم للحصول على تعليم أو وظيفة، فيقطع الطريق على اليمين الذي يُروج دعايته بأن المسلمين عالة تعيش على منح البطالة، راح هذا اليسار يخون مهمته، وأصبح يُداعب البنوك والشركات الكبرى تارة، أو يُناضل لتعديل جملة عنصرية في رواية. أو يتعاطف مع تيارات رجعية تارة أخرى، أقصى ما ستحتمله من تسامح تجاه اليسار إذا انتصرت، أن تتركه يتعفن في السجون إن لم تقطع رأسه. بتنكّرهم لانتماءاتهم الحداثية التي لا مفر منها، ترَك اليساريون الحبل على الغارب لماكرون كي يفعل ما يشاء، ثم عادوا ليشتكوا من “فاشيته”.

إن الفكر الإسلامي في أزمة حقيقية، وعميقة، وتهدد بمستويات من العدمية، كافية لتحطيم كل حياة بشرية بريئة لأتفه الأسباب، وكل مُنجز بشري مادي أو ثقافي، لكن الجميع مُصِرّ على إنكار هذا.

لقد ذهب بعضهم للقول بأن الكاثوليكية أيضًا تواجه أزمة، كأن الكاثوليكية لم تُنجز ما أنجزته من إصلاحات خلال قرن ونَيِّف، وكأنها الآن تطارد راسمي المسيح الساخرين، أو تدعو لقطع الرقاب.

الفكر الإسلامي بحاجة إلى إصلاح عاجل، قادر على أن يتبنى مبادئ الحقوق الطبيعية، والحقوق المدنية والسياسية المُنبثقة عنها، وحرية الرأي والتعبير. وكل ثانية تؤخر ذلك، تُهدد بمصائب سيكون اليسار أكبر ضحاياها السياسيين.

مراجع :

[1]  Islam and Resistance in Afghanistan, by Olivier Roy 1990 by Cambridge University Press, p4

[2] جاذبية الإسلام، مكسيم رودنسون، ترجمة إلياس مرقُص،  ص 57

 

حسين داوود

كاتب مصري

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى