التعبّد في ظل التباعد: الأديان على المحك

سعيد ناشيد

كاتب وباحث مغربي

لقد جاء فيروس كورونا المستجد على حين غرّة وبدون سابق إنذار، أو لعل الإنذار لم يكن واضحا بما يكفي لكي يثير انتباه الكثيرين، ورغم أنه جاء من خارج المجتمع البشري إلا أنه لم يأت من خارج الطبيعة، فهو مثل كثير من الفيروسات الأخرى جاء إلينا قادما من عالم الحيوانات لأجل تنبيهنا مرّة أخرى إلى أن صحة الحيوان ينبغي أن تعنينا ضمن سياساتنا الصحية والأمنية، بيد أن الفيروس إياه لم يأت لكي يلقننا الدرس ثم يرجع إلى حال سبيله، بل جاء لكي يبقى معنا بصفة دائمة.

سيكون ضيفا ثقيلا بلا شك، غير مرغوب فيه بكل تأكيد، بيد أن القضاء عليه نهائيا غير ممكن، فقد جاء لكي يمكث في هوائنا إلى أجل غير مسمى، قد يفتر حينا لكي ينشط أحيانا، قد يخمد لحظة قبل يشتعل لعدة لحظات، قد ينحسر لعوامل معينة قبل أن يعاود الانتشار، لكن لا يمكن القضاء عليه بنحو نهائي.

بهذا المعنى يكون كوفيد 19 قد نجح في إسقاط نظرية “الحل النهائي” التي تبنتها كثير من الإيديولوجيات الخلاصية، وكانت لها نتائج مدمرة في آخر الأحوال. علما بأن الرهان على “الحل النهائي” لا يمثل سوى إحدى مظاهر الرؤية السحرية للعالم. أما داخل مجال العلم فلا يوجد شيء اسمه “الحل النهائي”؛ ذلك أن الطرق في مجال العلم لا تنتهي، والتحديات لا تتوقف، والمشاريع لا تكتمل.

لذلك يبقى الهدف الطبي الذي يمكن العمل على تحقيقه هو التلقيح. لكن، ما الذي يعنيه التلقيح؟ إنه يعني ببساطة تحسين القدرة على التعايش مع فيروس لا يمكننا إبادته بأي حال من الأحوال. لذلك ستستمر على الأرجح إجراءات الحد من التجمهر الجسدي لزمن طويل، وسيستمر الوضع على ذلك الحال حتى بعد الوصول إلى التلقيح الفعال والذي سيحتاج بدوره إلى زمن طويل لأجل اختبار فعاليته على البشر في مختلف الظروف والأعمار، وقد تحتاج الفعالية بدورها إلى تحسين تدريجي، ذلك أن الرهان الأكبر هو تفادي موجات تالية من الوباء قد تندلع مرة أخرى في أي مكان من العالم، لا سيما بعد نهاية فصل الصيف القادم، فضلا عن الحاجة إلى التحوّط الدائم من أي فيروس تنفسي قاتل قد يباغت الجميع في أي لحظة، وقد لا يقلّ شراسة، وهي الاحتياطات التي ستزيد من تعقيد إجراءات السفر بين الدول لا محالة، فضلا عن إجراء تعديلات دائمة في طبيعة الأنشطة الرياضية والفنية.

في هذه الظروف يكون أمام الأديان تحد غير بسيط وغير مسبوق كذلك، ذلك أن التجمهر والحضور الجسدي معطيان “جوهريان” داخل معظم الديانات بالعالم، غير أن إجراءات التباعد، ولو في حدود معينة، ستظل قائمة لوقت قد يطول، وهو ما يفرض على الديانات الدخول إلى عصر جديد من الإصلاح الديني، قائم هذه المرة على كل من الطابع الفرداني والطابع الروحاني.

مقصود القول إن مستقبل الأديان كافة مرهون بقدرتها على الانتقال إلى مرحلة التديّن الفرداني والرّوحاني: التديّن الفرداني باعتباره بديلا عن التديّن التجمهري، والتدين الرّوحاني باعتباره بديلا عن الحضور الجسدي. وبالفعل، هناك نقاشات قائمة داخل مختلف الأديان، بيد أنها لا تزال خجولة أيضا، بصدد شرعية إنجاز بعض الطقوس الدينية عن بعد، من قبيل الصلاة الأسبوعية والحج السنوي وما إلى ذلك، أو أحيانا مع قدر معقول من التباعد الجسدي، وذلك باستعمال شبكات التواصل والاتصال وأجهزة التصوير والتلفاز وما إلى ذلك، أو باللجوء إلى التعبد الروحاني الخالص. فهل سنشهد عصر إصلاح ديني جديد؟

المؤكد أن بعض الديانات تبدو مؤهلة نظريا لهذا الاستحقاق، غير أن تحجر العقليات بين صفوف ممثليها قد يعيق المهمة، والملاحظ في المقابل أن بعض الديانات الأخرى قد لا تبدو مؤهلة نظريا للاستحقاق، غير إن دينامية العقليات داخل صفوف ممثليها قد تمنحها الامتياز. وهذا الفارق حاسم.

There are no reviews yet.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *



Start typing and press Enter to search

Visit Us On FacebookVisit Us On TwitterVisit Us On Instagram