التغيير الديمغرافي.. نزوح كُردي تحت أزيز الطائرات

“لا شك أنها كانت أيامًا عصيبة، فحتى قبل بدء العدوان بساعات كنا نعيش حياتنا بكل تفاصيلها، كالمعتاد. لكن فجأة وبشيء قريب من المشاهد التي تعرضها الأفلام السينمائية تغير كل شيء، أصوات المدافع والطائرات والسحب السوداء التي تسببت بها القذائف المنهالة علينا؛ جعلتنا في حالةٍ من الصدمة. خرجنا بثيابنا التي علينا، تركنا كل شيء خلفنا على أمل أن العودة قريبة. لكن للأسف وأنا أتحدث معك الآن وصلتني رسالة بأن أحد الفصائل قام بمصادرة منزلنا، منزل العائلة، بتهمة أننا منتمون لوحدات حماية الشعب”.

بهذه الكلمات بدأ الشاب “جان” (اسم مستعار) حديثه لـ”ذات مصر” عن تجربة نزوحه من مدينته رأس العين/سري كانيه في شمال شرق سوريا بعد سيطرة تركيا والفصائل الراديكالية الموالية لأنقرة على المدينة.

 

أدى الهجوم التركي على رأس العين/سري كانيه وتل أبيض وقبلها عفرين، إلى نزوح أكثر من نصف مليون مدني، تاركين خلفهم منازلهم وممتلكاتهم، لتصبح غنيمة للمجموعات السورية المعارضة الموالية لأنقرة. وباتت فكرة العودة شبه مستحيلة في ظل الظروف الحالية، بسبب الخوف الذي أصاب الناس بعد تجارب أقرانهم من النازحين الذين حاولوا العودة.

خوف من العودة

بعد أن بسطت القوات التركية وموالوها من السوريين سيطرتهم على المدينتين، بدأت تصريحات المسئولين الأتراك تتوارد لتُطَمْئِنَ المدنيين بأنها ستضمن لهم عودة آمنة إلى منازلهم، وذلك بعد الحرج الكبير لأنقرة نتيجة التقارير الإعلامية والحقوقية التي تتحدث عن جرائم ارتكبتها القوات التركية وموالوها من الفصائل الراديكالية. لكن رغم التطمينات التي صدرت عن المسئولين الأتراك، لم تَخِفَّ وتيرةُ الانتهاكات بحق المواطنين، فمن دخل المدينة إما قُتل ولم يعد، أو عاد بِخُفَّيْ حُنين بعد أن وجد الفصائل العسكرية قد سيطرت على منزله ومنعته من الدخول.

الصحفي “عبدالحليم سليمان” (وهو شاهد ومهجّر من أبناء رأس العين/سري كانيه) يقول لـ”ذات مصر”: “هناك خوف كبير لدى الأهالي من العودة إلى سري كانيه لعدم وجود بنود واضحة في الاتفاقَيْن التركي-الروسي والتركي-الأمريكي يضمن عودة هؤلاء المواطنين إلى منازلهم، لا سيما وقد جرت حالات كثيرة من الاعتقال وطلب الفدية من قبل الفصائل التي تسيطر على المدينة بعد اتفاق وقف إطلاق النار”.

عبدالحليم سليمان

ويتابع “عبدالحليم”: “كذلك معظم منازل المدينة، فهي محجوزة لصالح الفصائل التي تسيطر على المدينة، وهذه الفصائل قسّمت المدينة إلى أحياء، وكل حي يخضع لسيطرة فصيل معين، ويخشى هؤلاء الناس العودةَ إلى منازلهم، لا سيما وأنّ هناك محاولات من هذه الفصائل لجلب عوائلهم ليُسكِنوهم في منازل أهالي سري كانيه”.

تغيير كامل لملامح المدن

عمدت القوات التركية إلى ضرب بنية المجتمع في المدن التي احتلتها. ففي عفرين، قامت باستهداف المواقع الأثرية، فدمرت ما دمرت منها، وتم نهب الباقي. ولعل أبرز السرقات هو اختفاء أسد عين دارة البازلتي، ويقع ضمن معبد عين دارة الأثري. وبحسب معلومات من داخل عفرين فقد حوّل فصيل “الجبهة الوطنية للتحرير” المعبد الأثري إلى موقعٍ عسكري.

ويقول الصحفي الكردي “محمد بللو” (وهو من مُهجّري مدينة عفرين) لـ”ذات مصر”: “حاليًّا نسبة الكرد في عفرين انخفضت إلى نحو 15% من مجمل سكان عفرين وريفها، بعد أن كانت النسبة 96% قبل الاحتلال، فقد جلب الاحتلال ما يقارب الثلاثمائة ألف مستوطن من ريف دمشق ودير الزور، وحمص وحماة”.

ويتابع “بللو” حديثه لـ”ذات مصر”: “وفقًا للمعلومات في الفترة الأخيرة إثر العملية العسكرية التي شنّها النظام السوري بدعم من القوات الروسية؛ فقد نزح إلى المدينة حوالي 250 ألف نازح جديد ليضافوا إلى الأعداد السابقة”.

بحسب معلومات حصل عليها “ذات مصر”، فالفصائل المتطرفة الموالية لتركيا قامت بتقسيم مدينة عفرين وريفها، وكل فصيل يملك حرية التصرف في حصته. فمنها من قام بالاستيلاء على المنازل، ومنها من قام بالاستيلاء على مَعَاصر الزيتون، وأشجار الزيتون العائدة للسكان الكرد من أبناء المنطقة.

أيضًا وبحسب متابعة “ذات مصر” لما يجري في عفرين، تقوم الفصائل المتطرفة بفرض نمط معيشة معيّن ولباس معيّن وفقًا لفكرها المتطرف، وهذا الأمر لم يكن معهودًا في المنطقة. وبحسب صور سُرّبت من مدينة عفرين، قامت جمعية تُعرف باسم مركز “إضاءات”، وهو مركز ينشط في مناطق سيطرة جبهة النصرة، بحملة يدعو فيها الفتيات للحجاب والالتزام باللباس الديني.

التهجير القسري كمقدمة للتغيير الديمغرافي

كانت كلفة الحرب التركية على الكرد باهظة جدًّا، ففضلًا عن مئات الضحايا من المدنيين نتيجة القصف وعمليات القتل التي رافقت الحملات العسكرية التركية في سوريا، والآثار الاقتصادية على المجتمعات المستهدفة التي تحولت الغالبية الساحقة منها من أصحاب منازل إلى هائمين على وجوههم في مخيمات النزوح، وفقدوا مصادر رزقهم؛ فقد بات حلم العودة للمنازل صعبًا وقريبًا من المُحال، خاصة بعد أن تبين الهدف البعيد لتركيا في هذه المناطق.

أكدت تركيا والفصائل الراديكالية الموالية لها في أكثر من مناسبة أنها لم تقم بتهجير السكان في كلٍّ من عفرين ورأس العين/سري كانيه وتل أبيض، وادّعت أنها ستعمل على ضمانة العودة، وأنه لا توجد نية لدى تركيا ومواليها لتغيير ديمغرافيا المنطقة عبر تهجير سكانها وإحلال آخرين محلّهم.

بسام الأحمد

في هذا، يقول “بسام الأحمد” (المدير التنفيذيّ لمنظمة “سوريون من أجل الحقيقة والعدالة”) في تصريح لـ”ذات مصر”: “إن عناصر الجريمة التي حددتها المحكمة الجنائية الدولية تُقدم شرحًا موسّعًا لشكل التهجير القسري، حيث تقول (مصطلح “قسرًا” لا يقتصر على القوة البدنية فقط، بل إنه يشمل أيضًا استخدام أساليب أخرى، مثل: الخوف من العنف، الإجبار، الاعتقال، الاضطهاد النفسي، أو استغلال النفوذ، أو استغلال بيئة تُجبر الأشخاص على النزوح)”.

ويتابع “الأحمد” حديثه: “في حالة عفرين، كان النزوح نتيجة لعملية غصن الزيتون العسكرية، التي قام بها الجيش التركي ومجموعات المعارضة المسلّحة التابعة له. حيث أدت هجمات عسكرية وقعت في 21 و27 و28 يناير إلى مقتل مدنيين. وإضافة إلى ذلك فإن الفتوى التي أصدرها المجلس الإسلامي السوري في 26 فبراير 2018، لقتال قوات سوريا الديمقراطية واعتبرتها “جهادًا”؛ تضمنت تهديدات مبطّنة لأرواح المدنيين، الذين أُجبروا على الفرار من منازلهم بعد ذلك”.

ويؤكد “الأحمد” أن ما يحصل خرقٌ من وجهة النظر القانونية وفق التجارب السابقة للمحكمة الجنائية الدولية، فيقول: “في قضية سيميتش، أشارت المحكمة الابتدائية للمحكمة الجنائية الدولية ليوغوسلافيا السابقة إلى أنه (نظرًا للطابع القاسي الذي تتسم به عمليات التهجير القسري للأشخاص، فإن اللجوء لمثل هذا التدبير يكون قانونيًّا فقط في أحلك الظروف)، يعني أن يكون كملاذ أخير. وفي عفرين كان من الممكن منع الانتهاكات المرتكبة التي أرغمت السكان على المغادرة، بما في ذلك عمليات النهب والاختفاء القسري، دون المخاطرة بمسار العمليات العسكرية، وبالتالي لم يكن التهجير الملاذ الأخير”.

عبدالكريم صاروخان

من جهته، يقول القيادي في حزب الاتحاد الديمقراطي “عبدالكريم صاروخان” في حديثٍ لـ”ذات مصر”: “تزامن مع العدوان التركي ارتكاب مجازر بحق المدنيين، وهناك إبادة جماعية في هذه المناطق، واستخدام أسلحة محرمة دوليًّا، ونزح 300 ألف شخص من هذه المناطق، وتم توطين عوائل المجموعات الإرهابية في تلك المناطق. والهدف الأساسي لهذه الهجمة هو الإبادة العرقية والطائفية بحق شعوب شمال وشرق سوريا. ونحن طالبنا المجتمع الدولي بالتدخل، لكن العدوان التركي مستمر بقصفه وقتله للناس، وتركيا قامت بتجميع بقايا تنظيم داعش، وأتت بهم لتستخدمهم في هذه المعركة”.

يبدو أن جريمة التغيير الديمغرافي أو الهندسة الديمغرافية في سوريا تجري على قدم وساق، وباتفاق أطراف النزاع. فتركيا اليوم وما تقوم به من تهجير للكرد من مدنهم، وتوطين سكان الغوطة الشرقية وريف حمص وحماة المهجّرين في الأساس من مدنهم وقراهم؛ تستكمل ما بدأته كلٌّ من إيران وروسيا في محيط دمشق، وهي بذلك شريك ثالث وأساسي في الجريمة، ولكن وفق أولويّاتها، وعلى رأسها استهداف الكرد، عكس ما تدعي من دعمها للشعب السوري طوال سنوات الثورة السورية.

بمشاركة

فيديوجرافيك

طه حسين

قصــة

باز بكاري

صحفي سوري / كردي

There are no reviews yet.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *



Start typing and press Enter to search

Visit Us On FacebookVisit Us On TwitterVisit Us On Instagram