زوايامختارات

التفكيك الحذر ممكن؟ “خلايا” إيران تتمدد.. و”الكاظمي” أمام خيارات صعبة

 

بينما حسم الأمريكيون مصير بلادهم، بانتخاب جو بايدن رئيسا للولايات المتحدة الأمريكية، ما زال 5200 جندي أمريكي على بعد 5985 ميلاً من واشنطن ينتظرون أيضًا مصيرهم بالانسحاب أو التخفيض أو إعادة التموضع في العراق. فعلى الرغم من أن بايدن يؤيد إنهاء “الحروب الأبدية” للولايات المتحدة، لكنه يميل إلى الاحتفاظ بـ”قوة صغيرة هناك لمنع المتطرفين من تشكيل تهديد للولايات المتحدة وحلفائها”.

وفي ضوء تصاعد خطر الميليشيات وتهديدها المستمر للمصالح الأمريكية، يبقى التساؤل الكبير حول كيفية التعاطي الأمريكي والعراقي مع “ميليشيات إيران” إذا ما قرر بايدن استكمال خطط الانسحاب؟

خلايا الكاتيوشا في العراق

نشاط ميليشياوي متصاعد

أصحاب الكهف.. سرايا أولياء الدم.. لواء “منتقمون”.. لواء ثأر المهندس.. قبضة الهدى.. عصبة الثائرين.. سرايا شهداء ثورة العشرين الثانية.. وسرايا المنتقم.. هي عناوين ما بات يعرف بـ“خلايا الكاتيوشا”، وهي فصائل مسلحة أخذت على عاتقها مهمة مهاجمة الأهداف الأمريكية في العراق، في أعقاب مقتل قائد “فيلق القدس” قاسم سليماني ورئيس هيئة “الحشد الشعبي” أبو مهدي المهندس، في غارة أمريكية في 3 يناير/ كانون الثاني 2020. ومنذ ذلك التاريخ حتى أكتوبر/ تشرين الثاني 2020، شنت هذه الفصائل –وفقًا لمعهد واشنطن لسياسات الشرق الأدنى– نحو 57 هجومًا صاروخيًّا وهجمات بطائرات دون طيار على بعض الأهداف والمقرات الأمريكية، بالإضافة إلى 66 هجومًا على القوافل اللوجستية التابعة للقوات الأمريكية. وهو ما دفع وزير الخارجية الأمريكي مايك بومبيو لإعلان أن الرئيس ترامب يُفكر جديًّا في إغلاق السفارة الأمريكية في بغداد.

وتتشكل هذه “الخلايا” من مقاتلين ينتمون لفصائل ولائية، أبرزها: كتائب حزب الله العراقي، وحركة النجباء، وعصائب أهل الحق، وكتائب سيد الشهداء، وسرايا طليعة الخرساني، وجند الإمام علي، وكتائب التيار الرسالي. وترتبط غالبية هذه الفصائل بالحشد الشعبي، الذي تشكل في أعقاب فتوى “الجهاد الكفائي” للسيستاني بعد احتلال داعش للأراضي العراقية في العام 2014، وبلغ عدد مقاتليه 164 ألفًا، موزعين كالتالي:

الفصائل المسلحة في العراق

ولعل ما يدفع الأمريكيين إلى المغادرة، أو أقله سحب قواتهم نحو “الملاذ الآمن” في إقليم كردستان، هو الخطر المتعاظم لهذه “الخلايا”، والذي يجيء انعكاسًا لعدد من السمات التي صبغت عملها، والتي من أهمها:

1- “الطبيعة الزئبقية”: عمد “إسماعيل قاآني” القائد الجديد لفيلق القدس، إلى عدم وجود هيكلية واضحة، وعدم امتلاك جسد مادي ثابت لهذه “الخلايا”، بما يسهم في صعوبة حصرها وتعقبها كأي هدف عسكري واضح.

2- اللامركزية القيادية: وجد قاآني أيضًا أن فكرة “المركزية في القيادة”، قد تفضي إلى مواجهة مباشرة مع القوات الأمريكية، ولذا سمح بهامش من الحركة والمناورة لهذه “الخلايا”، وهو ما يجعل إيران وفصائلها الولائية قادرين على التنصل من أي هجمات صاروخية غير مسؤولة تستهدف المقرات الأمريكية.

3- تكتيكات جديدة: يوجد تطور نوعي في الأدوات (استخدام الطائرات المسيرة ومشغلات الأشعة تحت الحمراء السلبية، والعبوات الناسفة الخارقة الموصولة في سلسلة تعاقبية) وكذلك في الأهداف، فقد اعتمدت “الخلايا” تكتيكات جديدة، (منها مهاجمة قوافل الشركات أو الأفراد المتعاقدين لنقل معدات القوات الأمريكية، ومهاجمة بعثات دبلوماسية غير أمريكية، كحادث مهاجمة قافلة دبلوماسية تابعة للسفارة البريطانية في 15 سبتمبر/ أيلول 2020).

4- قواعد الاشتباك الذكية: حافظت إيران من خلال هجمات أذرعها المسلحة على سقف للمواجهات لا يفضي إلى صدام مباشر ومُهلك مع القوات الأمريكية، ويجعل المواجهات دائمًا في إطار إستراتيجية “المنطقة الرمادية” التي تعمد من خلالها إلى خلق حالة من الغموض حول هجمات هذه الأذرع، ما يفضي إلى الارتباك حيال الرد وتجنب الحرب.

الجيش العراقي

الانسحاب المأزوم وهاجس أوباما

إن أي انسحاب للقوات الأمريكية من العراق على أي مستوى من المستويات (انسحاب كلي أو انسحاب محدود) يعني:

1- اليأس الأمريكي من وجود حكومة عراقية قادرة على حماية المصالح الأمريكية التي باتت في مرمي نيران الميليشيات، وليس أدل على ذلك من انسحاب القوات الأمريكية من بعض قواعدها العسكرية (قاعدة “كي 1″، القائم، القيارة، التاجي)، ثم إعلان ترامب، أن “الولايات المتحدة ستخفض قواتها في العراق، إلى نحو 2000 جندي خلال فترة قصيرة جدًّا”، خلال استقباله في أغسطس/ آب الفائت رئيس الحكومة مصطفى الكاظمي بواشنطن، في الوقت الذي يعد فيه الكاظمي أول زعيم عراقي تتماشى رؤيته للعراق مع أهداف واشنطن.

2- يوجد توجه جديد للولايات المتحدة لإعادة ترتيب أوراقها في عدد من المناطق الساخنة وبؤر التوتر، عبر التخلص التدريجي من وجودها العسكري، مع استمرارية التأثير السياسي والاقتصادي. فبالإضافة إلى العراق، أعلن مستشار الأمن القومي الأمريكي روبرت أوبراين أن “الولايات المتحدة ستخفض عدد جنودها في أفغانستان إلى 2500 بحلول أوائل العام المقبل”.

3- تحقيق “حلم الميليشيات “مع ما يعنيه ذلك من انتصار إيراني على أكثر من مستوى، الأول: فتح الباب واسعًا أمام إيران للانفراد بمقاليد الحكم والأمن والاقتصاد تحت وطأة بيادق ميليشياتها، وهو ما يعزز من هيمنتها على العراق، ودفعها نحو توسيع أجندتها في المنطقة. الثاني: ملء “الفصائل الولائية” للفجوة التي سيخلّفها وقف “الدعم الأمريكي القتالي المباشر” لقوات الأمن العراقية، وهو ما يعزز من قبضة إيران على مفاصل الأمن. الثالث: إن انسحاب التوقيت الراهن، يعني أن سليماني قد حقق بوفاته ما لم يستطعه وهو حيّ. وهو ليس مجرد نصر معنوي ورمزي لطهران فحسب، بل هزيمة سياسية كبيرة لواشنطن.

4- في الآونة الأخيرة، يصبغ منظور “التعامل الضيق” علاقة الولايات المتحدة بالعراق، من حيث حصرها في زاوية “الصراع” مع إيران، وعدم الرغبة في “الصبر” كي تتمكن حكومة العراق من تنفيذ إستراتيجية طويلة المدي لتقوية مؤسساتها الأمنية الرسمية و”قص مخالب” الفصائل المرتبطة بطهران.

ومثلما، أثبت انسحاب أوباما في العام 2011 بأنه “خطأ فادح”، فمن شأن الانسحاب الآن، أن يفضي إلى تداعيات خطرة، خصوصًا إذا ما أخذ في الاعتبار عددًا من التحديات الشاخصة أمام صانعي القرار الأمريكي، والتي يتمثل أولها في تنامي تهديدات “عودة تنظيم الدولة الإسلامية إلى النشاط” مجددًا، خصوصًا في ظل ضعف وعدم جاهزية القوات العراقية والحاجة المستمرة إلى دعم التحالف الدولي وخاصة في النقاط الساخنة التي يعمل فيها التنظيم، ولعل ما جرى في (مجزرة الخيلانية، هجوم المقدادية، هجمات مكيشيفة)، خير دليل على أن “داعش” رغم تشرذمه لا يزال يشكل تهديدًا جديًّا، وأن الوضع اليوم شبيه إلى حد ما بما كانت عليه الحال قبيل “سقوط المدن” في العام 2014.

وينصرف التحدي الثاني: إلى الحفاظ على الحد الأدنى من القدرة على “ردع إيران”، وذلك باستخدام أدوات مختلفة (الاغتيالات، استعراض القوة، العقوبات، الردع السيبراني). ويتعلق ثالث التحديات بمساعي “سد الفراغ” التي تبذلها بعض القوي الإقليمية والدولية (الصين، روسيا) من أجل تعزيز حضورها في العراق. وليست خفيّة الاتفاقيات الاقتصادية ومذكرات التفاهم التي وقعتها الحكومة العراقية مع الصين في سبتمبر/ أيلول 2019، وهو ما يتقاطع مع الإستراتيجية الأمريكية في منطقة الشرق الأوسط.

مصطفى الكاظمي.. رئيس وزراء العراق

مسارات الكاظمي وتوحش الميليشيات

إن غياب القوات الأمريكية يعني أن الحكومة العراقية ستجد نفسها في مأزق حقيقي أمام “توحش” الميليشيات، ما يجعل التعاطي معها مفتوحًا على سيناريوهات عدة، أولها المواجهة: فمع استثمار دعم المرجعية الدينية (السيستاني) في النجف، والتأييد الشعبي لإجراءات “المواجهة” التي اتخذها، والرغبة في فرض هيبة الدولة وحصر السلاح بيدها فقط، والدعم الأمريكي والدولي لضرورة كسر شوكة الميليشيات، قد يدخل الكاظمي في “مواجهة الفصائل”. لكن، ثمة صعوبات تقف حائلاً أمام هذا المسار؛ منها ضعف إمكانات الكاظمي أمام سطوة ونفوذ هذه الميليشيات، فضلاً عن احتمالات الرد من إيران عبر فصائلها المختلفة، وهو ما يجعل العراق ينزلق إلى “التمرد العسكري”.

وليس أدل على ذلك، من رفع الميليشيات السلاح بوجه الدولة ومحاصرة المنطقة الخضراء، في أعقاب “حادثة الدورة” في 26 يونيو/ حزيران 2020، والتي اعتُقِل فيها عناصر مسلحة ينتمون إلى “خلايا الكاتيوشا”، ما عُدّ تمردًا عسكريًّا على قرارات القائد العام للقوات المسلحة. ومن ثَمَّ، فأمام احتمالية أن تؤثر هذه الميليشيات على “وجود الدولة”، فإن سيناريو دخول الدولة في معركة “كسر عظم” معها يبقى غير مرجح في الوقت الراهن.

هذا قد يدفع الكاظمي نحو “الرضوخ” والمهادنة، مع الأخذ في الاعتبار مصادر القوة التي باتت تمتلكها الميليشيات، ومنها: القوة العسكرية الكبيرة والمتزايدة، الاستقلالية الاقتصادية، الوجود في جغرافيات معقدة أمنيًّا، التغلغل في مفاصل الدولة العسكرية وغير العسكرية منها، ما يجعل الصدام معها محفوف بمخاطر جمة، ناهيك بأن عمر الحكومة القصير ومهمتها الأساسية في الإعداد للانتخابات المبكرة، قد يجعلها تتريث قبيل أي مواجهة.

ويبقي أقرب السيناريوهات للتحقق على أرض الواقع، هو انتهاج مقاربة تدريجية تتجنب إثارة مواجهة غير مرجح الفوز بها. وذلك عبر مسارين متوازيين، الأول هو “التفكيك الحذر” من خلال سلسلة من الإجراءات المتدرجة تسهم في تجفيف منابع قوة الأذرع الإيرانية، ومنها ما قام به الكاظمي من:

1- ممارسة صلاحياته في الفصل والتوظيف بطريقة منهجية؛ كإعفاء “فالح الفياض” من منصب مستشار الأمن الوطني وتعيين قاسم الأعرجي بدلاً منه، وتكليف الفريق الركن عبد الغنى الأسدي بإدارة جهاز الأمن الوطني الذي كان يشغله الفياض أيضًا، بالإضافة إلى قيادته الحشد الشعبي.

2- إجراء إصلاحات في صفوف القوات الأمنية وتغييرات عسكرية، كإصلاحات 14 سبتمبر/ أيلول (تنشيط “قيادة العمليات الوطنية”، بما يمكن رئيس الوزراء من استخدامها لتولي السيطرة العملياتية على أي وحدة -تعيين وزير الدفاع السابق خالد العبيدي وكيلاً لشؤون العمليات بجهاز المخابرات الوطني العراقي- استبدال اللواء الركن معن السعدي مكان الفريق الركن جبار عبيد كاظم قائدًا لـ”قيادة الدفاع الجوي العراقي”).

3- قطع مصادر تمويل الميليشيات، وفرض سلطة الدولة العراقية على المنافذ الحدودية مع إيران.

أما المسار الثاني فيتعلق بتهيئة الكاظمي الأجواء لإجراء انتخابات مبكرة العام المقبل، تتسم بالمصداقية، وتسهم في بروز طبقة من “القادة الجدد” القادرين على مواجهة دولة الميليشيات الموازية.

إجمالاً، يبدو أن العراق مقبل على مرحلة يكتنفها “الغموض والضبابية” لجهة التعاطي مع ميليشيات تهدف إلى بسط سطوتها على العراق ككل، خصوصًا حال الانسحاب الأمريكي دون حساب عواقب ترك عراق مهترئ ومشرذم تنهشه الأنياب الإيرانية.

 

محمد علي سالم

باحث متخصص في الشؤون العراقية

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى