دراسات وتحليلات

التنظيم المرن.. كيف استمر نشاط “داعش” في زمن ما بعد “الخلافة”؟

تتعرض الجماعات المتطرفة بشكل عام لتقلبات عديدة، فأحيانًا يزدهر نشاطها ويكون في أعلى مستوياته، وفي أحيان أخرى يخفت، بل ويندثر، ويختفي معها التنظيم. ومن أهم سمات قوة التنظيم هو قدرته على التعامل مع الظروف في أوقات ضعفه بمرونة، تسمح له باستمرار نشاطه وترتيب الأوراق، سعيًا نحو الصعود مرة أخرى، وهذا ما ميّز تنظيم داعش.. فقد تعرض التنظيم لضربات عنيفة أفقدته الأرض وأعدادا كبيرة من مقاتليه، فضلًا عن فقدان مصادر التمويل، ورغم ذلك لا يزال نشاط التنظيم مستمرًا، وإن كان بشكل مختلف يتناسب وظروف ضعفه.

في هذا الإطار، تأتي الورقة التحليلية لـ Nur Aziemah Azman، بعنوان: “الدولة الإسلامية (داعش): الحفاظ على المرونة في بيئة الوباء وما بعد الخلافة”، المنشورة في “المركز الدولي لبحوث العنف السياسي والإرهاب“، والتي تتعرّض لأهم ما فعله داعش للحفاظ على هيكله التنظيمي ونشاطه في المناطق التي قد سبق له السيطرة عليها، وكيف استغل الوباء في زيادة نشاطه، والمنصات الإلكترونية في تأكيد قدرته على الاستمرار والتكيف مع محيطه.

أنصار داعش

تزايد النشاط واستغلال الجائحة

شهد عام 2020 ثباتا في نشاط التنظيم على مستوى العمليات في سوريا والعراق، فقد لجأ التنظيم بعد خسارته مساحات واسعة من أراضيه إلى مناطق غير خاضعة للسيطرة في الدولتين، وجاءت عملياته مُستهدِفة الكمائن وأهدافا تابعة لقوات الأمن في العراق وقوات سوريا الديمقراطية والجيش السوري، فضلًا عن شيوخ القرى ورؤساء المحليات.

لم تمثل جائحة كورونا عقبة أمام نشاط التنظيم، حيث استغل حالة الفراغ الأمني نتيجة تقليص أنشطة القوات العسكرية بسبب الجائحة في العراق وسوريا، وشن العديد من الهجمات والتي استهدفت الكمائن بإطلاق النار والعمليات الانتحارية.

وقد شهد العراق زيادة ملحوظة في العمليات العسكرية، وتحديدًا في محافظات “كركوك” و”ديالي” و”صلاح الدين”، حيث كانت الهجمات شبه يومية وتستهدف قوات الحشد الشيعي، أمّا في سوريا، فقد زادت العمليات العسكرية للتنظيم في مناطق البادية وشمال شرق البلاد، وصعّد عملياته لتصل إلى محافظتي “درعا” و”السويداء” في الجنوب، وقد شهد التنظيم مواجهات مع قوات بشار الأسد، وتدخلت القوات الجوية الروسية في الدفاع عن المواقع التابعة للجيش السوري.

على مستوى التمويل، ورغم وصول الاحتياطي النقدي للتنظيم إلى 100 مليون دولار، فإنه ما يزال يفتقر إلى تعدد مصادر التمويل نتيجة التضييق الذي يواجهه من قبل قوات التحالف الدولي. ويحاول التنظيم الحصول على دخل معقول من خلال إقامة نقاط تفتيش ومضايقة الشركات المحلية وابتزازها.

وفيما يتعلق بالتجنيد، فقد حاول التنظيم تحرير عائلات أفراده ومحتجزيه من المخيمات والسجون لتعزيز صفوفه، كذلك استهدف التنظيم السكان المحليين الساخطين، من السنّة في سوريا والعراق، والذين يعانون من حالة الإهمال والتهميش السياسي، فضلًا عن التأخر في خطة إعادة الإعمار وعودة النازحين.

وعلى المستوى الإعلامي والدعائي، فقد داوم التنظيم على تصدير قصص تبرز صموده في العراق وسوريا، من خلال نشر مواد دعائية وصور وبيانات تغذي سرديات قدرة التنظيم على الصمود والاستمرار.

أزمة كورونا

حرب الاستنزاف وتمدد التنظيم افتراضيًا

في تسجيل صوتي للمتحدث باسم تنظيم الدولة “أبو حمزة القرشي” في يناير 2020، كرّر تأكيده ضرورة التحلي بالصبر والصمود في مواجهة الصعوبات والنكسات، ودعا إلى التركيز على النشاط السري بهدف نشر النفوذ في جميع مناطق التحالف المناهض للدولة الإسلامية، وأبرز في تسجيلاته المتعاقبة استمرار تركيز الهجمات في سوريا والعراق.

ويمكن عنوَنَة هجمات تنظيم داعش بأنها “حرب استنزاف”، فبإلقاء نظرة عامة على عدد هجمات التنظيم داخل الدول التي يتمركز فيها، نستخلص أنه يتّبع سياسة استنزاف الخصوم.

على سبيل المثال، خلال شهر مايو من العام الماضي (2020) وصلت هجمات التنظيم إلى 228 هجوما في 12 محافظة، وخلال شهر يوليو (2020) وصل عدد العمليات إلى 136 عملية في 11 محافظة.

وعلاوة على استنزاف القوات النظامية، استهدف التنظيم السجون لتحرير محتجزيه، وذلك من خلال التحريض على الشغب داخل السجون والهجوم عليها وتحرير أفراد التنظيم.

ويستغل التنظيم نجاح بعض محاولاته في الدعايا ضد خصومه، ففي أغسطس 2020 أعلن التنظيم الهجوم على سجن “ننجرهار” في جلال أباد بأفغانستان، وكذلك في الكونغو الديمقراطية، حيث أسفر الهجوم هناك عن تحرير ما لا يقل عن 1300 سجين.

أعاد تنظيم داعش تأطير الخلافة كدولة عالمية شاملة بدلًا من ارتباطها بأراض وحدود في العراق وسوريا، وأشار إلى ذلك في دعاياه المتطرفة على الإنترنت، مؤكدًا عدم تضاؤل وضع التنظيم، وقد لعبت شبكة الإنترنت دورًا كبيرًا في دعم تلك الرؤية، حيث استمر التنظيم في استخدام الإنترنت كمنصة لنشر دعايته وتجنيد أتباع له في بلاد مختلفة ودعم عملياتهم في تلك البلاد.

ورغم قلة الإصدارات المرئية للتنظيم مقارنة بفترة إقامة دولة الخلافة، فإن التنظيم داوم على ظهور دعايته بشكل متنوع، مُستهدفًا أكثر من دولة، فعلى سبيل المثال أنشأ التنظيم مجلة “صوت الهند”، والتي تصدر باللغة الإنجليزية، كما أن هناك كيانات إعلامية أنتجت محتوى موجها حسب الجنسية أو اللغة، كالإندونيسية والإنجليزية والفرنسية والروسية والألمانية والهولندية والإسبانية، يتضمن المحتوى تحديثات إخبارية عن التنظيم.

مع الانتشار الواسع لدعايا التنظيم، ظهر مصطلح “الخلافة الافتراضية”، والذي لم يسعَ فقط نحو بناء دولة افتراضية للتنظيم، ولكنه ساهم في تشكيل كيانات مستقلة في بعض الدول، على أساس المفهوم الأصلي للدولة الإسلامية.

داعش

مرونة التنظيم واستغلال جائحة كورونا

قُوبل تقهقر التنظيم في العراق وسوريا بمحاولات للتمدد في قارتي أفريقيا وآسيا، في محاولة منه إلى توسيع وجوده في المناطق الأكثر ضعفًا وهشاشةً، ففي منطقة جنوب شرق آسيا قام التنظيم بعمليات في الفلبين وإندونيسيا، كما عمل على جذب أفراد أكثر من خلال تبني خطاب معادٍ للصين وسياساته ضد المسلمين. كذلك في إفريقيا، حيث تبنى خطابا يستغل فيه بعض الانقسامات الطائفية والعرقية وقلة عدد المسلمين في بعض البلدان، لتكوين جماعات تابعة للتنظيم ضمن حملة الاستنزاف للقوى المتحالفة ضده.

تشير عمليات الاستنزاف وحركة التمدد إلى الطبيعة الانتهازية للتنظيم، حيث استغل تداعيات الجائحة التي زادت من انعدام الأمن الاجتماعي والمصاعب الاقتصادية، فضلًا عن نشر محتوى دعائي عبر الإنترنت في توقيت أُجبر العالم أجمع على اللجوء فيه إلى الإنترنت وقت الحظر، وقضاء مزيد من الوقت على الشبكة الافتراضية، من فرصهم في التفاعل مع الدعاية المتطرفة، والتي يمكن أن تكون مُقنعة لبعض الشرائح الضعيفة في المجتمع.

ختامًا، إن تهديد تنظيم داعش لأمن واستقرار بعض البلدان لا يزال مستمرًا، ومن المحتمل أن تُؤجِّج الآثار الضارة للوباء اضطرابات داخلية تُعمِّق احتمالات التطرف، علاوة على أن تضخيم سرديات التنظيم فيما يتعلق بالمرونة والقدرة على التحمل، قد يؤجِّج مشاعر البعض ويزيد أعداد المنتمين للتنظيم حول العالم.

وقد كشف نشاط التنظيم خلال العام الماضي (2020) وتعامله مع مستجدات الأوضاع العالمية، كجائحة كورونا، عن قدرته على التكيف مع الظروف التي قد تحيط به كافة، الأمر الذي يؤكد مرونة التنظيم ومدى فاعلية أداته الإعلامية والدعائية.

المصدر

إسلام أحمد حسن

باحث في العلوم السياسية

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى