“التنمّر”.. وحش يطارد أصحاب البشرة السوداء في الأردن

 

تبدو علامات الامتعاض على وجه الثلاثيني محمد الزبون، عند سماعه مصطلحيّ “العنصرية” و”التنمّر” حيال أصحاب البشرة السوداء في الأردن؛ مبرراً ذلك بموقعه الوظيفي في أحد الأجهزة الأمنية، ما يخوّله للحُكم على أن حالات كهذه لم ترِد عليه أو تتناهى لمسمعه.

أعوام الخبرة التي تطاوِل عشرة أعوام ونيف للزبون، تجعله جازماً بهذا، على الرغم من قول هادية حسين، التي تقطن ما بات يُعرَف بشارع مانيلا في الأردن؛ لكثرة روّاده وساكنيه من الجنسية الفلبينية، إنها كثيراً ما تسمع مصطلحات من قبيل “شو يا أبو سمرة؟”.

ليست هادية حسين، التي التحقت بزوجها الذي يعمل في قِطاع الزراعة في الأردن، وحدها من تحدّثت علانية، وليس تلميحاً، حول هذه النقطة؛ إذ الطفل عبد الرحمن خالد واحد ممّن يواجهون مصطلحات من هذا القبيل كذلك، بل يُكرّس أقران له مزيداً من الإساءة، بإلحاق وصف “معفنة” للشوكولاتة، التي يشبّهونه بها.

يبدو، للوهلة الأولى، أن الأمر مرتبط إلى حد ما بسلوك حيال المغترب صاحب البشرة السوداء، على وجه التحديد؛ إذ عبد الرحمن خالد يمني الجنسية، فيما هادية حسين من السودان، وكذلك مواطنها مصطفى محمد، الذي يعمل في قِطاع اللحوم، يقول هو الآخر إنه يواجه أسئلة من قبيل “ليش إنتَ أسوَد؟”.

لكن في الوقت ذاته، ثمة أردنيين من أصحاب البشرة السوداء يواجهون أشياء من هذا القبيل. سوزان حماد واحدة ممن اخترن الزواج برجل أسود البشرة، لكنه ليس غريباً عن نسيج المجتمع الأردني هذه المرة، بل أردني من أصل فلسطيني، وتحديداً من منطقة أريحا، التي يمتاز أهلها ببشرة غامقة نسبياً، الأمر الذي دفع والدها للرفض بداية، ما حدا بها لطلب مساعدة أزواج شقيقاتها لإقناعه.

حين تمّ الأمر، وحصل الزواج بين سوزان والرجل الذي اختارته شريكاً، لم تتوقف عن سماع تعليقات تنطوي على نبرة رثاء لها؛ إذ قريبات لها يتحسرن على “جمالها الضائع” وعلى “الرمية التي رمت ذاتها عليها”، لتتساءل أخريات عن لون الأطفال الذين ستنجب. بيد أن سوزان كانت متمسكة برأيها بما يكفي، كما تصف ذاتها، لتستمر في التجربة وتتجاهل كل من حاول تكريس العنصرية، كما تقول.

الصبيّة الأردنية، التي رفضت ذكر اسمها؛ لعدم سماح العمل لها بالإدلاء بتصريحات، والتي تعمل في محل وجبات سريعة، عالمي، تقول إن وظيفتها تنحصر في مناولة الوجبات من شبّاك التسليم، ما دفع أحدهم ذات مرة لنهرها بطريقة غير لائقة، وحين اعترضت وطلبت منه التحدّث بلباقة عاجلها بقول “يا عبدة”، لتردّ عليه “لم يعد هناك أسياد وعبيد في كل العالم”، فقال لها “لكنكم كنتم عبيداً عند أجدادنا”.

“الأردنيون سواسية أمام القانون، بغضّ النظر عن لونهم أو عرقهم أو دينهم أو جنسهم أو لغتهم”، يقول المحامي الدكتور صخر الخصاونة، مردفاً “في ما يتعلق بأي عمل ينطوي على إثارة النعرات العنصرية والطائفية والمذهبية، فإنه يُعاقب عليها وفقا للمادة ١٥٠ من قانون العقوبات، كما قد تندرج ضمن الجرائم الإلكترونية، إن سيقت إلكترونيًا، ومن يحرك دعوى الحق العام هو المدّعي العام”.

يكمل الخصاونة “من واقع خبرتي، لم أصادف شيئاً من هذا القبيل خلال سنوات عملي، لذا لا يمكن لي اعتبارها ظاهرة”، مؤكداً أن القانون يتعامل مع أي شكوى من هذا القبيل بجديّة كبيرة “لأن وظيفة الدولة الحيلولة دون أي شيء يمس بالأمن؛ ليس فقط لحماية اللاجئ أو الوافد أو غيره، لكن إقرارا لمنظومة الأمن وحفظ النظام”.

في جبل عمّان، وتحديداً في مطعم لبيع الوجبات السريعة، يتواجد عدد من الموظفين الصوماليّين الذين يعملون في المطبخ. كان الاتفاق على الحديث معهم قد جرى قبل يوم واحد من التسجيل، غير أنهم تغيّبوا يومها؛ مخافة وجود تبعات لما يقولونه. حين كان الحديث مبدئياً، قال أحدهم إنهم كثيراً ما يواجهون تعليقات ساخرة ونظرات شكّ من الآخرين حين يمشون في الشوارع ليلاً.

اللافت في الأمر أن الظاهرة مرتبطة إلى حد كبير بردّة فعل من يوجّه إليه التعليق الساخر؛ إذ كانوا جميعاً على الدرجة ذاتها من ردّة الفعل الهادئة، التي تتقبّل الغمز في العِرق من دون محاولة الدفاع أو التهديد باللجوء للجهات المسؤولة، سواءً كانت تلك الأمنية أو المرتبطة بحماية حقوق الإنسان في الأردن.

 

مارييت فوما، النيجيرية القادمة للعمل في الأردن في قِطاع المصانع، تجد ما هو أكثر من مجرد القول الساخر؛ إذ تشكو من عدم منحها الأولوية عند دخول متجر ما، على الرغم من كونها تحمل كماً من النقود يخوّلها للشراء كما غيرها.

وفي وقت تغيب فيه مناقشة هذه الظاهرة عن حديث مسؤولين أردنيين وآخرين يُمسكون بملفات حقوق الإنسان، فإن شخصيات اجتماعية مكرّسة محلياً، مثل الشيف دعد أبو جابر تجزم بوجود الظاهرة، معزّزة قولها بتجربة شخصية خاضتها عند زواج ابنتها من شاب نيجيري، تعرّفت إليه خلال دراستها في بريطانيا.

تسرد أبو جابر مجموعة من المصطلحات التي كانت تصلها عبر الـ “ماسنجر” الخاص بحسابها الفيسبوكي، بمجرد أن نشرت صور خطبة ابنتها، ولعل بيت الشعر “لا تشتري العبد إلا والعصا معه إن العبد لأنجاس مناكيد”، لهوَ أقلّها قسوة، والتي يتحاشى التقرير هنا إيرادها؛ انصياعاً للمبادئ الاخلاقية في الصحافة، التي تضع خطاً رفيعاً فاصلاً بين تسليط الضوء على خطاب كراهية ما وبين نقل محتواه للإعلام، وتحويل المنصة الإعلامية لمنبر لإعادة تدوير خطاب الكراهية ونشره.

لم تذهب أبو جابر لمنح الأمر صبغة تسم المجتمع الأردني، بل ذهبت لقول إنها مشكلة التعاطي مع الآخر المختلف، وهو ما وافقها فيه كل من الخبيرين النفسي والاجتماعي، د. أشرف الصالحي ود. حسين الخزاعي، حين قالا بإن الحل هو في تكريس مبادئ قبول الآخر، وضرورة حذر الوالدين من سوق الصور النمطية وتصدير الانطباعات أمام الأطفال؛ ذلك أن هذا هو ما يشكّل تربة خصبة لخطاب الكراهية والتنمّر على الآخر، والذي يحدث في مراحل لاحقة.

 

الآراء والتجارب الآنفة كلها تشير لما يشبه الظاهرة في المجتمع الأردني، بيد أن المختصين وإن كانوا يقرّون بأشياء من هذا القبيل، فإنهم لا يرونها ترقى لمستوى الظاهرة، على الأقل من حيث تسجيل الشكاوى في هذا السياق.

الناطق الرسمي باسم مكتب المفوّضية السامية للأمم المتحدة لشؤون اللاجئين في الأردن، محمد الحواري، يقول إن المفوّضية تتعاطى مع اللاجئين جميعاً بمبدأ المساواة، وإن كان البعض يرى أن اللاجئ السوري هو الأكثر حصولاً على الاهتمام، “بيد أن هذا ليس دقيقاً، لكن اللاجئين السوريين هم الأكثر عدداً، ليس إلا، كما أن اللاجئ الفلسطيني ليس من اختصاص المفوّضية بل الأونروا- وكالة الغوث”، مستدركاً أن المجتمعات المستضيفة كثيراً ما تستخدم مصطلحات، قد لا تنطوي على سوء نية من قبيل “أبو سمرة” و”شوكولاتة”، بيد أنها تترك أثراً سيئاً في نفس اللاجئ، وكذلك صاحب البشرة السوداء عموماً، كما يقول.

يرى الحواري أن السابق ينطبق على اللاجئين ذوي البشرة السوداء، تحديداً، ومنهم من أتوا من السودان (إقليم دارفور على وجه الخصوص) والصومال وأثيوبيا، ليستقروا في الأردن بعد تقديمهم طلب لجوء للمفوضية ينطوي على رغبة في الحصول على المساعدة والحماية؛ نظراً للظروف السياسية لبلادهم. ويقول الحواري إن التوزيع كالتالي: يُشكّل اللاجئون السوريّون في الأردن ما نسبته 87.9 % من مجمل اللاجئين المسجّلين لدى المفوّضية، والعراقيون 9.0 %، فيما اليمنيّون 2.0 %، والسودانيّون 0.8 % (تعدادهم 6097)، والصوماليّون 0.1 % (تعدادهم 744)، لتأتي نسبة بقية اللاجئين من جنسيات أخرى 0.2 %.

رئيسة مركز “تمكين” لتعزيز مفهوم الحماية الاجتماعية للفئات المستضعفة وضحايا انتهاكات حقوق الإنسان في الأردن، ليندا كلش، تقول إن الشكاوى التي ترد للمركز من فئة ذوي البشرة السوداء ترتبط ارتباطاً وثيقاً بالقضايا العمّالية، وأن أحداً منهم لم يسجّل شكوى بخصوص التعليق على اللون أو استخدام نعوت عنصرية.

 

في الوقت ذاته، تقول كلش إن هذه الفئات “تعمل في مهن تتطلّب مهارات متواضعة، ما يجعل بالتالي الخطاب العنصري أو النظرة العنصرية منصبّة على المهنة وعلى البلدان التي يأتي منها هؤلاء العاملين”، مستذكرة حالة وصلت للقضاء بين أردنيّتين وصمت إحداهما الآخرى بـ “السيرلانكية”، فرفعت عليها شكوى قدح وذم، فما كان من القضاء سوى قول إن هذه جنسية بلد محترم وليست ذماً، كما تقول.

قد يخلُص المتأمل مما سبق إلى كون أصحاب العِرق الأسود لم يترافعوا دوماً عن مظلمتهم التاريخية والإنسانية، كما هو مُنتظَر منهم، ولعل نظرة خاطفة على أعوام السينما الأميركية على سبيل المثال، من شأنها إظهار أن هذه المحاولات كانت متفرقة في مرات كثيرة. وإن كانت الأعوام التي أمسكَ فيها الرئيس الأميركي السابق باراك أوباما بسدّة الحكم قد شهدت انتعاشاً، إلى حد ما، في الأفلام والأعمال الفنية التي تناولت هذه المظلمة.

بمشاركة

صور

محمد أبو غوش

تصوير ومونتاج

رعد العضايلة & رشا سلامة

إنفوجرافيك

محمود أسامة

قصــة

رشا سلامة

صحفية أردنية

There are no reviews yet.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *



Start typing and press Enter to search