ثقافة وفن

التنين في العهد القديم.. تفكيك الشر بأسطورة الوحش

تتمتع كائنات التنانين بجاذبية فريدة، ما عليك سوى أن تلقي نظرة على دورها في مسلسل “صراع العروش – Game of Thrones” لتدرك ذلك.

لكن التنانين أساطير تضرب بجذورها في الشرق الأدنى القديم، كما نعثر عليها لاحقًا أيضا في الكتاب المقدس.. إنها مخلوقات ترمز إلى القوة، ولكن ما طبيعة القوة التي ترمز إليها؟

لدى البروفيسور في دراسات تاريخ العهد القديم، روبرت ميلر، كتاب بعنوان “التنين والجبل والأمم: أسطورة العهد القديم، أصولها ومآلاتها“، حول أسطورة التنين، التي نجد لها أثرًا في أدبيات الثقافات القديمة المختلفة، لا سيما في الثقافات التي شكلت معارف مصنفي الكتاب المقدس العبري ومخاطبيهم.

في السطور التالية ترجمة بتصرف عن مقال لملير نفسه، عرض لما حواه كتابه عن أسطورة التنين التي قد يتفاجأ قارئ عربي أن لها أصلًا قديمًا ينتمي لهذه المنطقة.


التنين يعيد إنتاج المخيال في أسطورة

تتحدث أسطورة التنين عن شخصيتين بالأساس: إله العاصفة، الذي يرتبط عادةً بالملك البشري الحاكم لكل مجتمع، والتنين الذي يرمز إلى الفوضى وإلى البحر أيضًا.

تدور الأسطورة حول الصراع بين الشخصيتين، وانتصار إله العاصفة، وهو الانتصار الذي ينبثق عنه أحيانًا، في بعض الميثولوجيا، خلق الكون.. ويدور الانتصار دائمًا حول السبب الذي من أجله تمتع الملك البشري بسلطة الحكم، ووضع حد لحالة  الفوضى في العالم.

التنين، رمز الإله مردوخ في الميثولوجيا البابلية
التنين، رمز الإله مردوخ في الميثولوجيا البابلية

على سبيل المثال، نجد هذه الأسطورة شائعة بين الحوريين في القرن الـ15 قبل الميلاد، الذين سكنوا ما يعرف الآن بسوريا وشمال العراق، حيث كان إله العاصفة يُدعى تيشوب.

ويبدو أن الحوريين استعاروا تلك الأسطورة من الحيثيين الذين سكنوا الأناضول، حيث تعود الأسطورة الحيثية السابقة إلى القرنين الـ16 أو الـ17 قبل الميلاد، حيث إله العاصفة يدعى ترهونة.

ونظرًا لأن أسطورة التنين يتشاركها الحيثيون الهندو أوروبيين مع مجموعة التراتيل الهندية المسماة ريجفيدا، مع تطابق بعض الكلمات المترادفة بينهما، يعتقد الباحثون أن الأسطورة لا بد أنها ترجع إلى الهنود الأوربيين البدائيين الذين عاشوا قبل 10 آلاف عام  قبل الميلاد.

عرف مصنفو الكتاب المقدس العبري هذه الأسطورة، ربما بأكثر من نسخة واحدة، بما في ذلك نسخة أسطورة البعل “الكنعانية” في النصوص الأوغاريتية، ونسخة بلاد ما بين الرافدين المعروفة بـ”إينوما إيليش” أو “ملحمة الخلق البابلية”. في تلك الأسطورة الشهيرة، يقتل الإله المتحدي مردوخ الإلهة البدائية تيامات ويقطع جسدها ليخلق منه السماء والأرض.

ولكن لماذا أُعيد إنتاج أسطورة قتل التنين في ثقافات كثيرة؟ الإجابة هي أننا لا ينبغي أن ننظر إلى تلك الأسطورة بوصفها مجرد قصة أسطورية، أو أن القدماء اعتقدوا في وجود تنانين هزمها إلههم في الماضي السحيق.

بدلًا من ذلك، يعبّر كل مجتمع في الواقع عن شيء ديني وسياسي من خلال هذه الأسطورة. فعندما تقول الأسطورة إن إله العاصفة هزم الفوضى، فإن هذا يعني أنه إله حق، ويمكنك الوثوق به، وهو الإله الذي يمسك بزمام العالم ويصرّفه.

إضافة إلى ذلك، وعلى المستوى السياسي، يدعم الملك الحاكم هذا الإله.. وتشهد معظم أساطير قتل التنين طقوسًا احتفالية في رأس السنة الجديدة، سواء في الهند أو بلاد ما بين الرافدين، وربما حتى في المجتمعات اليهودية.

في كل عام، تتجدد الثقة في الإله الرئيسي الذي وضع حدا للفوضى في العالم، إلى جانب تجديد الثقة في الملك الحاكم بوصفه الشخص الضامن لاستقرار هذا النظام.

تفكيك معضلة الشر بالوحش

لذا، فإن أسطورة قتل التنين أداة مجازية تحاول أن تقول شيئًا عن طبيعة الكون والقوى السياسية التي حافظت على النظام في الأرض.

لكن ما التنين؟ إنه وحش. لكن الوحش رمز لشيء لا يمكن التنبؤ به، شيء يتجاوز تفكيرنا، تمامًا مثل البحر.

العديد من المجتمعات التي عاش التنين في مخيلتها، مثل: الهنود، والحوريون، والحيثيون، واليهود، لم تكن أبدًا من المجتمعات التي تحب الإبحار، لذلك كان البحر مرعبًا بالنسبة إليهم. البحر ضخم، وتجهل ما فيه، وعندما تضربه العاصف، تكون النتيجة فوضى عارمة.

هذه هي الحياة بالنسبة إلى معظم الناس: الوجود على حافة الفوضى.. وإلها العاصفة والحاكم، يحاربان تلك الفوضى.

من زاوية أخرى، تحاول هذه الأساطير أيضًا التعامل مع معضلة الشر، كيف يمكن لإله قيل إنه يقف إلى جانبك، وهو إله قوي أيضًا، أن يتسامح مع وجود الشر في العالم؟ تنصّ كل هذه الثقافات على أن إله العاصفة يقف إلى جوارك، وأنه يخوض معركة صعبة من أجلك.. نحن نعلم أنه سينتصر، ولكن في الوقت ذاته، فإن الأسطورة تمثل دعاية سياسية لأنه في كل مرة يكون الملك البشري ممثلا لإله العاصفة المنتصر على الأرض. الملك هو صمام الأمان بالنسبة إليك. والتداعيات السياسية واضحة في تلك الحالة.

التنين في آثار آشورية
التنين في آثار آشورية

عندما يقول اليهود إن الله هزم التنين، فإنهم يوظفون هذه الأسطورة بطريقتين:

الطريقة الأولى يتم توظيفها في أغلب الأحيان كما في الإصحاح 1:27 من سفر إشعياء، حيث يُسمَّى التنين لوياثان، تمامًا كما في الأسطورة الكنعانية: “في ذلك الوقت، سيُعاقب الرب بسيفه القاسي العظيم الشديد لوياثان: الحيّة الهاربة، لوياثان الحيّة الملتوية. وسيقتل التنين الذي في البحر”. وكما في سفر إشعياء 51:9 حيث جاء: “استيقظي، استيقظي. البسي قوة يا ذراع الرب، استيقظي كما في أيام القِدَم، كما في الأدوار القديمة. ألست أنت القاطعة رَهَب (تنين أو حيوان بحري ضخمي)، الطاعنة التنين”.

الطريقة الثانية التي يوظف بها مصنفو الكتاب المقدس الأسطورة، هي قولهم للشعوب من حولهم: “كان على إلهكم أن يخوض هذه المعركة الشرسة ضد التنين. وأنتم تعتقدون أن ذلك هو أعظم إنجازاته، مهما كانت طبيعة ذلك التنين. أما بالنسبة لإلهنا، فإن هذه المعركة هينة للغاية”.

في ختام سفر أيوب 41:1-5، يقول الرب عن اللوياثان: “أتقدر أن تسحب لوياثان من الماء بصنارة؟ أو تقدر أن تربط فكيه بحبل؟ أتقدر أن تضع رباطًا في أنفه؟ وهل تقدر أن تخترق فكّه بخُطّاف؟ أيسترحمك، أو يحاول أن يرضيك لتعفو عنه؟ أيقطع معك عهدًا؟ أتتخذه عبدًا لك دائمًا؟ أتلاعبه كعصفور؟ أتربطه لتتفرج عليه فتياتك؟”.

بينما يقول الرب: “على الرغم من أنه مخلوق مرعب، إلا أنني ربطته. بالنسبة إلي، إنه كحيوان أليف، ويمكنني حبسه في إناء الأسماك، وأن ألهو به”، بالنسبة إلى الرب إذًا، كائن اللوياثان لا شيء.

في هذه الحالة قديمًا، كانت هناك مخاوف بدائية خاصة: الوحوش التي تشبه المسوخ، والسحالي العملاقة، أو الثعابين التي تمشي على أرجل، والبحر المتلاطم بقوته اللامحدودة على ما يبدو.

واليوم، يوجد أيضًا تطور معاصر للتنانين الودودة، ولكن ربما يكون مستمدًا أيضًا من الممارسات القديمة، ومن ترويض التنانين الموصوف في سفر أيوب.

مصطفى الفقي

مترجم مصري

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى