"التوافق الحريري"

جراحة ضرورية لـ"الخلاص اللبناني"

بعد عام على استقالته من رئاسة الحكومة اللبنانية، على خلفية ثورة 17 أكتوبر/تشرين أول 2019، يعود سعد الحريري إلى منصبه رئيسًا للحكومة اللبنانية، بعد مشاورات في مجلس النواب تكللت نتائجها بتكليف الرئيس اللبناني ميشال عون لزعيم تيار المستقبل بتشكيل حكومة لبنانية جديدة من “اختصاصيين غير حزبيين”، بحسب تصريح الحريري من “قصر بعبدا” في أثناء لقاء عون، السبت الماضي.

الحريري، الذي ذهب الثوار إلى منزله في “بيت الوسط” في بيروت قبل عام عقب استقالته من منصبه، محتفلين بتنحيه من خلال هتافات دوّت في سماء لبنان: “سعدْ سعدْ.. ما تحلم فيها بَعْدْ”، عاد من جديد إلى كرسي رئاسة الحكومة للمرة الرابعة بفضل توازنات وضغوط إقليمية ودولية، بحسب ما أكد محللون سياسيون لبنانيون تحدثوا إلى “ذات مصر”.

جانب من الثورة اللبنانية 2019
انتصار أم انتكاسة

عودة الحريري إلى منصبه جاءت وسط انقسامات داخل البرلمان اللبناني حول مسألة تكليفه برئاسة الحكومة، فبينما رفضت الكتلة البرلمانية لـ”حزب الله” و”التيار الوطني الحر” بزعامة جبران باسيل، والقوات اللبنانية بزعامة سمير جعجع، منح أصواتها للحريري، وافق نواب كتلة التنمية والتحرير بزعامة نبيه بري عليه، إلا أن هذا الانقسام ألقى بظلاله على الشارع اللبناني الذي صار يسأل: هل عودة الحريري انتصار أم انتكاسة لثورة السابع عشر من أكتوبر؟

الدكتورة ليلى نيقولا، أستاذة العلاقات الدولية في الجامعة اللبنانية، ترى أن الخاسر الأكبر من عودة سعد الحريري إلى السلطة هو الثورة اللبنانية، التي قامت ضد الطبقة السياسية التي يمثلها الحريري أساسًا، بعدما حاول كثيرًا العودة إلى السلطة لكن محاولاته باءت بالفشل، لأن الثورة كانت ضد عودة الطبقة السياسة أو نظام الحكم القديم للسلطة، وأيضًا بسبب وجود “فيتو” خليجي ضد عودة الحريري للسلطة لعدم قدرته على مواجهة الثنائي الشيعي في لبنان، بالإضافة إلى موقف جبران باسيل، زعيم التيار الوطني الحر، الذي اشترط على الحريري أن يعودا معًا للحكم أو يرحلا معًا باعتبار أنهما كانا شريكين في الحكم والتسوية السياسية.

ما الذي تغير ليعود الحريري؟

تقول أستاذة العلاقات الدولية إن الأطراف التي عارضت عودة الحريري للسلطة قبل ذلك، لا تمانع رجوعه مرة أخرى، فمثلاً الخليجيون قبلوا بعودة الحريري بسبب النفوذ التركي المتزايد في لبنان، وهم يريدون طرفًا سنيًّا قويًّا يتَّكِلون عليه لمحاربة هذا النفوذ، كما تشير نيقولا إلى أن “المشاورات الأخيرة التي حدثت قد تُعيد جبران باسيل أو التيار الوطني إلى الحكومة بطريقة ما اتُّفِق عليها، وبالتالي فإن الخاسر الأكبر هو الثورة والشعب اللبناني”.

فادي عكوم

لكن الباحث والمحلل السياسي اللبناني فادي عكّوم يختلف مع نيقولا بشأن عودة الحريري إلى السلطة، ويرى أن مسألة عودته إلى كرسي الوزارة لا تُعد نصرًا أو انتكاسة للثورة، فهو رجل فرضته الضرورة الناتجة عن المأساة والضغوط الاقتصادية الصعبة التي يعيشها لبنان، ما ساعد في تقليص موجة الرفض في الشارع اللبناني ضد الحريري لأن “الجميع يريد الخلاص”.

ومنذ استقالة الحريري، لم يشهد منصب رئيس وزراء لبنان استقرارًا طويلاً، فقد أدى انفجار مرفأ بيروت في أغسطس/آب الماضي، إلى استقالة حسان دياب، الذي خلف الحريري في منصبه، ولم ينجح مصطفى أديب، الذي خلف دياب في تشكيل حكومته نتيجة فشله في الحصول على دعم كافٍ لتأليفها، وهو ما طرح اسم الحريري على الساحة من جديد بسبب “حصوله على الرضا والدعم العربي والدولي”، وفق ما يقول عكّوم الذي شدد على أن فرص الحريري تزايدت في العودة إلى منصبه بسبب عدم تقديم الثوار لشخصية سياسية تحقق التوازن الدولي، وسط غياب أي معارضة حقيقية في الشارع اللبناني لعودة الحريري في وقت الاستشارات والتكليف.

أمر آخر يضيفه المحلل السياسي اللبناني محمد سعيد الرز، هو أن  تكليف سعد الحريري برئاسة الحكومة في هذه اللحظة المفصلية، يأتي بسبب قدرته على التناغم والتنسيق بين الملفين الأمريكي والفرنسي في لبنان.

ما المصلحة الدولية في عودة الحريري؟

عودة الحريري إلى منصبه جاءت وسط  ظهور المبادرة التي أعلنها الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون، والتي تشترط إجراء إصلاحات عاجلة مقابل تدفق المساعدات، وضغوط أمريكية لترسيم الحدود البحرية اللبنانية المتنازع عليها مع إسرائيل، خصوصًا مع اكتشافات حقول النفط والغاز في البحر المتوسط وما تمثله من أهمية اقتصادية لكلا البلدين، وهو ما حدا بالمجتمع الدولي إلى اتخاذ قرار مصيري في لبنان.

عن هذا يقول “الرز” إن المجتمع الدولي اتخذ قراره بشأن لبنان، تبعًا لمصالحه في منطقة شرق البحر الأبيض المتوسط، وما تختزنه من نفط وغاز، إذ يستند هذا القرار لأمرين، أولهما: أن تتولى الولايات المتحدة ملف ترسيم الحدود بين لبنان وإسرائيل بدءًا من الحدود البحرية، وتاليًا الحدود البرية، في حين تتولى فرنسا ملف الوضع الداخلي في لبنان، سواء لجهة وقف الانهيارات المتعددة فيه من مالية إلى اقتصادية إلى معيشية مع ما يرافق ذلك من مواجهة الفساد وإعادة استرداد مقومات الدولة.

ليلى نقولا

أما الأمر الثاني –بحسب الرز- فهو تقليص تدخل إيران بمخططاتها ومحاولات تركيا للتوسع ببرامجها في لبنان والمنطقة، وهو ما شددت عليه أيضًا أستاذة العلاقات الدولية ليلى نيقولا، بأن الموافقة الدولية على الحريري جاءت بسبب تحجيم النفوذ التركي في الشمال اللبناني، وفي البيئة السنية في صيدا وعكّار وطرابلس.

اتكال دولي على الحريري!

وتقول نيقولا إن الولايات المتحدة كانت تشترط قبول لبنان بالتصور الأمريكي حول ترسيم الحدود مع إسرائيل، وذلك لإراحة الوضع الاقتصادي في لبنان، وهو ما حدث بالفعل، مشيرة إلى وجود اتكالٍ دولي على سعد الحريري لأن يكون “مسهّل للمفاوضات مع صندوق النقد الدولي”، بحيث يعطي موافقة حريرية على الشروط التي سيضعها صندوق النقد، ومنها خصخصة القطاعات العامة والكهرباء، وتتوقع أستاذة العلاقات الدولية حدوث شد وجذب داخل لبنان بين القوى السياسية حول تطبيق شروط الصندوق، لأن “حزب الله” سيرفض بالتأكيد القبول بها.

الحريري وترامب

ورغم التوافق الدولي على تكليف الحريري بالحكومة اللبنانية، فإن تشكيل حكومته مهدد في أي وقت بسبب الملفات الشائكة التي تواجه الحكومة، كالمفاوضات مع صندوق النقد الدولي وتشكيل الحكومة الجديدة، التي يتمسك الثنائي الشيعي، حزب الله وحركة أمل، بوزارة المالية فيها، في حين يتحدث الحريري عن تشكيل حكومة “غير حزبية”، فضلاً عن ملف ترسيم الحدود البحرية بين لبنان وإسرائيل. وهذه الملفات كلها ستضع لبنان “تحت تطورات صعبة في حال ضياع فرصة تشكيل حكومة الحريري”، بحسب الرز، الذي اختتم بقوله: “المجتمع الدولي اتخذ قراره لحماية مصالحه شرق المتوسط، ولن يترك لبنان ليصبح لغمًا يفجره آخرون لتعطيل هذه المصالح، حتى لو اقتضى اللجوء إلى عملية جراحية تغير الطبقة السياسية اللبنانية المعروفة حتى الآن، والتي ستكون قد أثبتت فشلها المتكرر، وهذا الأمر ستكون تكاليفه صعبة وباهظة على لبنان واللبنانيين”.

Share on facebook
Facebook
Share on twitter
Twitter

قصة

عبد الله قدري

صحفي مصري

مشاركة

أحمد بيكا

رسوم

Start typing and press Enter to search

Visit Us On FacebookVisit Us On TwitterVisit Us On Instagram