سياسة

التوترات الأمريكية الروسية.. هل هي بداية لحرب باردة جديدة؟

تبدو الساحة الدولية أكثر جاهزية للعودة إلى فترة الحرب الباردة مجددا، على خلفية التوترات الأمريكية الروسية خلال الفترة الأخيرة، وتحديدا منذ وصول جو بادين إلى سدة الحكم، بشكل أثار مخاوف أطراف عديدة في المجتمع الدولي.

التوترات الأمريكية الروسية المتصاعدة تشير إلى رغبة إدارة بايدن تغيير نهج “ترامب” في التعامل مع الروس، وموسكو من جانبها لا ترغب في رؤية تكرار للسيناريو “المهين” في عهد غورباتشوف آخر رئيس للاتحاد السوفيتي قبل انهياره.

ما حدث بين الرئيس الأمريكي جو بايدن والرئيس الروسي فلاديمير بوتين يطرح أسئلة مهمة حول معايير النضج بين قطبين مهمين في العالم، فهل يمكن أن تكون هذه المرحلة عودة للخلف إلى منطقة انحدار ومستويات منخفضة في المناخ السياسي الدولي؟ وهو أمر يعتبره المجتع الدولي مقلقاً للغاية.

التوتر الأمريكي الروسي
تشهد العلاقات الأمريكية الروسية توترا ملحوظا

التوترات الأمريكية الروسية: تصريحات “مهينة”

بدأت الأزمة مع تصريحات الرئيس الأمريكي بحق نظيره الروسيِّ، والتي وصف فيها بوتين بأنه “قاتل”، وهو ما فجَّر أزمة حقيقية بين البلدين، وفتحت الأبواب أمام احتمالات تصعيد غير مسبوق، لا يبدو أنه من الممكن حتى الآن ضبطه أو كبحه؛ حيث رأت بعض التقديرات أن “بايدن” يكن في داخله كراهية للرئيس الروسي، يتجاوز حدود اللياقة الدبلوماسية المعهودة في التخاطب بين قادة الدول حتى تلك التي لا تربط بينها علاقات صداقة.

وردا على تصريحات “بايدن” عاد سفير روسيا أناتولي أنتونوف لدى أمريكا إلى موسكو للتشاور بشأن كيفية التعامل مع العلاقات الأمريكية- الروسية المتدهورة.

من جانبه رد بوتين على بايدن بالقول إن “القاتل هو من يصف الآخر بذلك”، كما اقترح إجراء محادثات أو بالأحرى مناظرات مع الرئيس الأمريكي تبث مباشرة عبر الإنترنت، وهو عرض لم يقبله بايدن.

ثم علقت المتحدثة باسم البيت الأبيض جين ساكي، إن الولايات المتحدة تأمل أن تستطيع الاحتفاظ بعلاقة مثمرة مع روسيا، مؤكدة أن الرئيس غير نادم على وصف الرئيس الروسي بـ”القاتل”.

وفي سياق ردود الفعل الروسيَّة، أعلنت المتحدثة باسم وزارة الخارجية الروسية ماريا زاخاروفا، في 25 أبريل الماضي، تحضير روسيا لقائمة الدول غير الصديقة، وفقاً لمرسوم الرئيس الروسي الرئيس فلاديمير بوتين الذي وقَّعه بشأن التدابير المضادة للأعمال غير الودية للدول الأجنبية.

بموجب الوثيقة المشار إليها، ستواجه البعثات الدبلوماسية والمؤسسات القنصلية ومكاتب المؤسسات الحكومية للدول الأجنبية التي تتصرف بطريقة غير ودية ضد روسيا، أو الرعايا الروس أوالكيانات القانونية قيودًا، أو حتى حظرًا تامًا، فيما يتعلق بتوظيف المواطنين الروس من قبل البعثات الأجنبية.

التوتر الأمريكي الروسي
كشف تقرير أمريكي عن تدخل روسيا في الانتخابات الرئاسية لصالح ترامب

رزمة اتهامات أمريكية لروسيا

وسبق تصريحات الرئيس الأمريكي مجموعات خطوات اعتبرتها روسيا غير ودودة، إذ صدر تقرير تقرير أمريكي مُكَّون من 15 صفحة، زعم أن بوتين أصدر على الأرجح توجيهات بالتدخل في انتخابات الرئاسة عام 2020 لصالح الرئيس السابق دونالد ترامب.

وفرضت الولايات المتحدة يوم 16 أبريل الماضي، مجموعة واسعة من العقوبات على روسيا تشمل قيودا على سوق ديونها السيادية لمعاقبتها على تدخلها -المزعوم أمريكيّا-في الانتخابات الأمريكية لعام 2020، والتسلل الإلكتروني، والقيام بممارسات استفزازية ضد أوكرانيا وغيرها من الأنشطة “الخبيثة”، وفق وكالة رويترز.

كما فرضت الولايات المتحدة عقوبات على أربعة مسؤولين روس كبار بسبب معاملة موسكو للسياسي المعارض أليكسي نافالني، في خطوة اعتبرتها روسيا تدخلاً غير مقبول في شأنها الداخلي.

وأصدرت إدارة الرئيس الأمريكي، جو بايدن، يوم 15 أبريل، سلسلة عقوبات جديدة على موسكو، تشمل طرد 10 دبلوماسيين روس من الأراضي الأمريكية، وتطال العقوبات 16 شخصا و16 كيانا وهيئة في روسيا، بحسب ما أعلنت وزارة الخزانة الأمريكية إثر اتهامات بهجمات معلوماتية على مصالح وشركات أمريكية.

وأدرجت الحكومة الأمريكية شركات روسية على القائمة السوداء، وطردت دبلوماسيين روس، ومنعت البنوك الأمريكية من شراء سندات سيادية من البنك المركزي الروسي وصندوق الثروة الوطني ووزارة المالية.

وجاءت العقوبات بعد اتصال بايدن بنظيره الروسي فلاديمير بوتين، وفيما أعلن الكرملين أن موسكو سترد بالمثل، منددا بتلك العقوبات، استدعت الخارجية الروسية السفير الأمريكي لديها لإبلاغه رفضها تلك العقوبات.

التوتر الأمريكي الروسي
وزير الخارجية الروسي توعد بخطوات ردا على التصعيد الأمريكي

 

اقرأ أيضا: أمريكا والصين وروسيا.. الحياة الأخرى للإمبراطورية

موسكو ترد

وردا على العقوبات الأمريكية، أعلنت وزارة الخارجية الروسية، حظر 8 مسؤولين سابقين وحاليين أمريكيين من دخول أراضيها، حيث شمل الحظر كريستوفر راي مدير مكتب التحقيقات الفيدرالي، ووزير العدل ميريك جارلاند، ووزير الأمن الداخلي أليخاندرو مايوركاس الأمريكيين من دخول أراضيها”، كما ستطلب من 10 دبلوماسيين أمريكيين مغادرة روسيا.

وزير الخارجية الروسي سيرجي لافروف، قال: “سنوقف عمل مؤسسات أمريكية حكومية غير رسمية تتدخل في شؤوننا الداخلية، كما أن موسكو نصحت السفير الأمريكي بالعودة إلى واشنطن”.

بدورها أكدت وزارة الخارجية الروسية أنهم “مستعدون لخفض الوجود الدبلوماسي الأمريكي في موسكو إلى 300 شخص إذا لم تغير واشنطن نهجها”.

وأشارت موسكو، في بيان، إلى أنه “بالإمكان إلحاق الأذى بالاقتصاد الأمريكي إذا اختارت واشنطن الاستمرار في مسار العقوبات، لكننا مستعدون للحوار مع الولايات المتحدة لإيجاد سبل لإعادة العلاقات إلى طبيعتها بين البلدين”.

التوتر الأمريكي الروسي
تستبعد أغلب التقديرات وصول التوتر الأمريكي الروسي إلى مواجهات عسكرية

مستقبل العلاقات: تصعيد بدون حرب

الخطوات السابقة من الجانبين الأمريكي والروسي سببت قلقاً كبيراً في المجتمع الدولي، فهناك من رأى أن الرئيس الأمريكي جو بايدن يتعامل بعدائية حادة مع نظيره الروسي، ولا يمكن اعتبار هذه العدائية على أنها مزاجية عابرة، فكما يبدو هناك انعطافة لافتة في السياسة الأمريكية، فبعد اتخاذ الرئيس السابق دونالد ترامب الصين كعدو رئيسي له، عاد بايدن إلى التحديد التقليدي للعدو الجيوبوليتيكي وهو روسيا.

في  روسيا يعتقدون أنه إذا قامت أمريكا بمحاولة أخرى للهيمنة العالمية غير المشروطة، فإن روسيا ستظل عقبة في الطريق مهما كان الأمر، ما لم تهزم عسكرياً أو تنهار بالطبع.

إضافة إلى ذلك، من المرجح أن يؤدي الضغط الذي ستمارسه هذه السياسة على روسيا إلى رد شرس وقوي من موسكو، إذ تسمح العقيدة العسكرية الروسية بالاستخدام الأول للأسلحة النووية إذا كان بقاء الدولة وقواتها المسلحة على المحك.

النتائج الصعبة السابقة تدركها واشنطن جيداً، ومن المرجح أن واشنطن لاتسعى لتدهور الأمور إلى هذا الحد، أولاً لتجنب صراع عسكري، وثانياً، لتجنب دفع روسيا إلى أحضان الصين.

فربما تكتفي واشنطن بـ”العقوبات” كطريق للضغط على روسيا لدفعها إلى سلوك أكثر مرونة، وإذا استجابت فقد يتم السيطرة على الأزمة، لكن من يعرف روسيا وبوتين، يدرك أنه من الصعب أن يقدم الرئيس الروسي تنازلات كبيرة بسهولة؛ فهذا السيناريو مشابه لما حدث في عهد الرئيس الروسي غورباتشوف والذي نتج عنه انهيار الاتحد السوفيتي، وهو ما يراه الروس أنه كان نهجاً فاشلاً ومهيناً.

بحسب تحليل مجلة “American National Interest”أوضح دميتري سايمز، الناشر والرئيس التنفيذي للمجلة، في مقاله، أن مستقبل العلاقات الأمريكية الروسية هو خيار أمريكا إلى حد كبير، وسيعتمد على مدى دقة تعريف إدارة بايدن لمصالحها الأساسية، فإذا لم تستطع الولايات المتحدة قبول أي شيء أقل من الهيمنة التي لا جدال فيها، فإن روسيا ستثبت بلا شك أنها عائق خطير، وعلى استعداد لتحديه.

ورغم ذلك فإن روسيا تظل دولة مهمة لأمريكا، وبمعيار أساسي واحد، فهي الدولة الأكثر أهمية، فهي  الدولة الوحيدة القادرة على تدمير الولايات المتحدة فعلياً، ولكن سينتهي ذلك إلى تدمير روسيا أيضاً، إذ أن التاريخ يقدم أمثلة وفيرة من القادة الذين تسببوا عن غير قصد في كوارث مثل الحرب العالمية الأولى، ومواجهة من هذا النوع ستكون بمثابة حرب عالمية ثالثة، لكن لايزال الطرفيين غير معنيين بها.

رجح المراقبون أن أمريكا وروسيا ستتجاوزان التوتر الحالي، ولكن العداء سوف يولد توترات أخرى لا نهاية لها، وستواصل المؤسسات في الجانبين الحيلولة دون الوصول لمستوى المواجهة العسكرية، ولكن فترة التقارب في عهد ترامب يبدو أنها انتهت بدون رجعة.

ويدعم سيناريو تجاز التوتر، اللقاء الذي جمع وزير خارجية أمريكا ونظيره الروسي في مايو الجاري، وهو أول لقاء رفيع المستوى بين مسؤولين في البلدين منذ وصول بايدن للحكم، إذ يعبر عن تدشين مرحلة من التهدئة رغم الاعتراف بوجود خلافات جدية بين البلدين.

سارة شريف

كاتبة مصرية

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى