ثقافة وفن

الجسد في السينما الفلسطينية.. مصلوبٌ تأكل القضية من رأسه

في السينما الفلسطينية نصبح أمام حالة من التواسط بين الجسد ورمزيته، بين فلسطين وتمثلاتها في الأجساد السينمائية، والتجليات التي تطرح انطباعاتها على المشاهد الذي بدوره ينفعل ويغار، ويراقب مشاعره تجاه الجسد الفلسطيني أمامه.

 

تتجلى فلسطين في أذهاننا دائمًا بهيئة لها ملامح بشرية من لحم ودماء، هيئة نتخيلها في القصائد، ونرسمها في اللوحات، ونجسدها في الروايات، وكأن فلسطين التي تُسلب منا تتحوّل تلقائيًا إلى جسدٍ يكتسب صفاتنا البشرية، جسدٌ له بنيته الثقافية والتاريخية، جسدٌ لا يشيخ ولا يطيح به الموت، وفي السينما الفلسطينية التي تمتزج فيها الصورة بالصوت، وتتحول فيها الكلمة إلى حركة، والفكرة إلى مشهد حيِّ وأجساد سينمائية، نصبح أمام حالة من التواسط بين الجسد ورمزيته، بين فلسطين وتمثلاتها في الأجساد السينمائية، والتجليات التي تطرح انطباعاتها على المشاهد الذي بدوره ينفعل ويغار، ويراقب مشاعره تجاه الجسد الفلسطيني أمامه.

عندما أطلقَ النارَ كانت يد القدس فوق الزناد

ويدُ اللهِ تخلعُ عن جسدِ القدسِ ثوبَ الحداد

أمل دنقل

قهر مزدوج للرجولة

فيلم عرس الجليل
فيلم عرس الجليل

يبدأ فيلم عرس الجليل للمخرج الفلسطيني ميشيل خليفي بذهاب أبو عادل إلى الحاكم العسكري الاسرائيلي ليطلب منه رفع حظر التجوّل ليتمكن من إقامة عرس ابنه الوحيد، يرفض الحاكم في البداية لكنه يعود ويشترط عليه أن يحضر العرس ليكتمل في سلام حتى ينتصف الليل.

في العرس يلتف أهل الحي من أبناء قرية الجليل حول العروسين احتفالًا، بالثوب الشعبي والأغنيات الفلكلورية والوطنية، ومأدبة طويلة بما لذّ وطاب، نرى الفلسطينيين في مشهد طبيعي بمكانهم الأصلي.

بينما الإسرائيليون، وعلى رأسهم الحاكم العسكري، الذين حضروا العرس جاءوا في ثيابٍ العسكرية، يحتفلون ويأكلون ويتلقون التهاني، لكنهم غرباء، لحن ناشز عن المشهد العرس، وعن الأرض التي يقفون عليها، غرباء بلهجتهم التي لا نفهم منها شيئًا، كنخلة شريدة في حقلٍ من العنب.

اختيار العرس ليكون محور قصة الفيلم من بدايته لنهايته، يضعنا أمام مبرر الاختيار الدرامي، حيث يجمع كل أطياف أهل الجليل، من العجائز إلى الأطفال، وللعجائز هنا دورًا أيضًا في سرد حكايات الماضي، كالجد الكبير الذي يحكي دومًا عن الأتراك والإنجليز وما فعلوه في فلسطين.

والجد بجسده الكهل يحكي تاريخًا شاهدًا على فلسطين قبل الاحتلال الاسرائيلي، يصافح الاسرائليين في العرس لكنه يسخر منهم، ويتجلى في جسده كهولة الوطن وتاريخه، وسخرية الواقع.

بينما الشباب في الفيلم، الجيل الصاعد من أبناء الجليل، يغوصون في بحار من الغضب والتمرد والعجز والشذوذ، كعجز العريس عن فض بكارة عروسه، ودخول أخته في علاقة شاذة عابرة مع جندية اسرائيلة من ضيوف العرس الثقلاء.

وعلى الجهتين يقف المدوعون من الرجال الرافضين لحضور الإسرائيليين لعرسٍ بقريتهم، يخططون لعملية ضد الأعداء الذين اقتحموا الزفاف، كأجساد غريبة تفسد احتفالاتهم وحياتهم.

مشهد من فيلم عرس الجليل
مشهد من فيلم عرس الجليل

يحمل العرس رمزية في ذاته، رمزية ذكورية بالأساس عمّا يرثه الأبناء من الآباء. عندما يفشل العريس في إثبات رجولته لعروسه يختل الهدف من العرس، ويصبح احتفالية زائفة بلا قيمة.

يخبر عروسه أن توتره نابع من وجود هؤلاء الاسرائيليين في العرس، وبنبرة انكسار واضحة يخبرها أيضًا: “أبويا هو العنف، وحش، مابيحبش الا نفسه، حطمني بأبويته”.

يحمل جسد العريس كل دلالات الانكسار لشباب فلسطينيين في مثل سنه الذين حطمتهم الأبوية، ومنعتهم من إثبات رجولتهم للعدو الذي يرتع في ساحات ديارهم بتصريح من الآباء، أصحاب الحكمة الهزيلة في التصالح مع العدو والترحيب به على أرض الوطن، وكلما حاول الشاب إثبات رجولته يطارده شبح أبيه المتخاذل الذي يحتضن العدو، فيبكي.

في الزاوية تقف العروس، جميلة بجسدها البكر وثوبها الأبيض الذي ورثته من الجدة الكبيرة، ثوب قديم قِدَم فلسطين الأم فيتجلى في جسد العروسة رمزية جديدة للوطن البكر؛ تحاول العروس أن تخفف توترات عريسها فتفض بكارتها بيدها وتبكي في حضنه نكبتهما وانكسارهما الأبدي.

وفي غرفة مجاورة تقيم أخت العريس علاقة حميمة مع الجندية الإسرائيلية التي عالجتها نسوة القرية بالرقية والأدعية والطب الشعبي، ونزعوا عنها ثوبها العسكري وألبسوها ثوبًا فلسطينيأ فضفاض.

يضعنا “عرس الجليل” أمام مشاهد متناقضة تبدل فيها الأجساد هويتها، تتجرد من ثيابها فنراها عارية وتتجرد معها كل المعاني الرمزية التي تحملها.

هذا العرس الذي يضع ميزانًا جديدًا في دعائم المجتمع والقرية والأسرة الفلسطينية يكشف صدوعًا وفشلاً وإرث مهلهل، وعوضًا عن نهاية سعيدة للعرس نجد أننا أمام أجساد تتعرى تحت ضوء القمر، تواجه أشباحها ومخاوفها وقبحها في لحظة غير متوقعة تحمل كل معاني الزيف والعجز والنكبة.

المقاومة الصامتة

ناجي العلي وحنظلة
ناجي العلي وحنظلة

في البدء كان “حنظلة”، الطفل في كاريكاتور ناجي العلي، يدير لنا ظهره ويراقب معنا مأساة المشهد الفلسطيني والعربي، كان يشتبك ويتفاعل ويعلق، إلى أن قرر العلي أن يصمت “حنظلة” للأبد ليكون الصمت على العبث والقهر رده الوحيد.

أو كما قال العلي بعد حرب أكتوبر 1973: “كتّفته باكراً.. من هنا كان التعبير العفويّ لتكتّف الطفل، هو رفضه وعدم استعداده للمشاركة في هذه الحلول”.

المخرج والممثل الفلسطيني إيليا سليمان اختار موقف “حنظلة” في سرد أفلامه الروائية الطويلة التي يحكي فيها سيرته: يد إلهية، الزمن الباقي، إن شئت كما في السماء.

وهي مشاهد من حياته التي تقف فيها فلسطين في الخلفية وتُكتب على بطاقة هويته، وهو في المنتصف كـ”حنظلة” الصامت دومًا، يراقب العالم من حوله: الحروب والموت، ومشاهد الحياة اليومية من ذكرياته، وأيامه كفلسطيني من الناصرة.

يراقب الجنود المحتلين البلهاء، وجلسات أمه في الشرفة وهي تسمع أغنيات نجاة الصغيرة، والجار السكير الذي كلما سكر وغاب عقله يبتدع حلولًا ساخرة للخلاص من العدو، كسخرية العرب من الإسرائيليين ومن كل شيء، الحياة حوله عبثية وقاسية.

بينما بطل حكاياتنا “إيليا سليمان” الذي يجسد شخصيته في ثلاثيته الشهيرة، يشاهد ويحدق ولا ينفعل، أقصى أفعاله التحديق في صمت، تمامًا كـ”حنظلة”.

في آخر أفلامه “إن شئت كما في السماء” قرر سليمان أن يكسر لغته الصامتة لأول مرة.

ففي مشهد عابر يسأله سائق تاكسي يجوب به شوارع نيويورك: “من أين أنت” فينطق مجيبًا: أنا من الناصرة، من فلسطين، يتهلل السائق ويخبره أنه يعرف فلسطين هذه.

تلمع عينا المشاهد لأن بطله قرر أخيرًا أن ينطق، لكنه عندما كسر الصمت كانت هويته هي الكلمات التي ينطلق بها، ليذكرنا بأنه فلسطيني من الناصرة، من فلسطين التي تقع في فلسطين لا إسرائيل. كلمات قليلة خير من ألف قصيدة وخطبة وطنية وشهادة تثبت وجود فلسطين.

إيليا سليمان
إيليا سليمان

يضع البعض جسد “حنظلة” وجسد إيليا سليمان الصامتان في مقارنة مع المقاومة الغاضبة المتحركة، إذ يبدو أننا أمام موقفين غير متوافقين في معادلة المقاومة: الكلام ضد الصمت، الفعل ضد السكون.

لكن عندما سُئل سليمان عن الصمت كاختيار فني في أعماله قال “الصمت بحد ذاته أقوى من الكلام، لأن هنالك شيئًا لامركزي في الصمت، وهو ما تخاف منه المؤسسة والسلطات. يريدونك أن تقول ما تريده كي يستطيعوا الإجابة، أو [معرفة] ما تفكّر به، ذلك أفضل لهم من أن تعطيهم شعرًا”.

من زاوية أخرى يمكننا كمشاهدين الإحساس بالتفاعل مع أفلام سليمان أكثر من غيره الضاجة بالحركة والأصوات.

فعندما يقف صامتًا أمام كل المواقف التي تحدث له داخل الفيلم، كل الحوارات التي تُحكى له، كل المشاعر التي تفيض أمامه، نجد أن مساحة خفية تفتح بداخلنا لنشترك معه في رد الفعل، وفي التفاعل.

فنحن مثله نتلقى الأفعال في صمت، كأن الحوار يوجه لنا وهذه المشاعر تخصنا، ويتبدل الصمت إلى مشاعر داخلية تتحرك بداخلنا وتدفعنا للانفعال، بينما نحن نجلس محدقين في الشاشة.

الصمت مقاومة في ذاته، وهذه الاجساد الصامتة في أفلام سليمان تدفعنا إلى اختبار مشاعرنا تجاه طرحها للهوية الفلسطينية.

فمثلًا يتكرر في فيلمه الأخير (إن شئت كما في السماء) مشهدان يذهب فيهما إلى غابة بعيدة يراقب فيها امرأة شابة جميلة، ترتدي ثوبها الفلسطيني وتحمل فوق رأسها قِدرًا من النحاس وتمسك آخر بيدها، تقطع الطريق ذهابًا وإيابًا، تبدل القدور، وتمضي في طريق طويل وتعود لتقطعه من جديد تحت شمس الصباح الباكرة.

جسدها هوية، شابة ومكافحة، بعودها المنتصب وشعرها المموج اللامع، فلا يرى سليمان فلسطين امرأةً عجوز أو أمًا ثكلى باكية، مثلما قدمها ميشيل خليفي في “عرس الجليل” بل أنثى جميلة تشتهي العين رؤيتها، بجسدها المحلق هناك بين أشجار الزيون وحقول العنب وأعواد الصبار، ليست مقيدة الوصاد، بل حرة وجميلة لا يكبلها شيء ولا يهدها الزمن.

وفي المشهد التالي والأخير يختم فيلمه بوجوده في “ديسكو تك” يرقص فيه شباب وفتيات على أغنية “عربي أنا اخشيني” فتمتزج وتتماوج أجسادهم الراقصة تحت أضواء الديسكو، يغنون “عربي أنا” فلا تفهم ما العربي فيهم؟ هل هم عرب حقًا؟ فلسطينيون؟ إسرائيليون، هل العربية هويتهم بينما جواز سفرهم إسرائيلي؟ كيف لنا أن نعرف؟

نتذكر الشابة الفلسطينية الجميلة في المشهد السابق فلا تغلبنا الحيرة لنعرف أن الأجساد في الفيلم تكشف عن هويتها دون كلمات، ودون حاجة للنظر إلى بطاقة الهوية: جسد فلسطيني يقاوم هزلية الحياة بالصمت.

مبادلة الموت بحياة منقوصة

فيلم الجنة الآن
فيلم الجنة الآن

في فيلم “الجنة الآن” للمخرج هاني أبو أسعد، يتلقى “سعيد” أمرًا بالاستعداد لتنفيذ عملية استشهادية هو وصديقه خالد في تل أبيب، كما طلب وتمنى.

من هذا المشهد تبدأ رحلة الساعات الأخيرة قبل أن يُلقي بجسده في غياهب الموت. يحمل “سعيد” تاريخ طويل من الغضب والحنق والثورة، ويحكي عن المحلات التي حرقها هو رفاقه قديمًا، والمظاهرات التي قادها احتجاجًا على تعنت الإسرائيليين، ويؤكد أن العملية الاستشهادية هي أمنيته الأخيرة للانتقام والثأر.

خيار  بطل  “الجنة الآن” كان واضحًا، المقاومة بالعنف، العنف الذي يرفضه الأباء أمثال “أبو عادل” في “عرس الجليل” أو الذي لا يليق بصمت إيليا سليمان.

“ندفع تمن هزيمة جدودنا” هكذا يبرر “سعيد” اختياره للنضال المسلح، في معجمه النضال هو مقاومة الاحتلال مهما بلغت قلة الحيلة والسلاح، العمليات استشهادية والتخريب في قلب إسرائيل هي انتصارات صغيرة تعوض عن الانتصار الأكبر للوطن، والحياة لا قيمة لها في سبيل الموت.

يدافع “سعيد” عن الموت في مقابل الحياة لأنه لا يقبل بالحياة من دون عدل، الموت بالنسبة له هو العدل، هذا الجسد الذي يمشي في شوارع فلسطين المحتلة، يراقبها من فوق ربوة عالية ويسير بين حطام مبانيها المتهدمة، يخلق مسارًا خاصة به يُكسِبه معنى لحياته.

يختار أن يُضحي بجسده لينتصر المعنى الاكبر لإقامة العدل، غير مكترث بحياته في مقابل قلقه على الحياة الكبرى للوطن المنهوب.

يقول “سعيد” في استعداداته الأخيرة للشهادة “لم يبقَ لنا غير أجسادنا لنحارب بها هذا الاحتلال الغاشم” لكن هل هذه التضحية ما يريدها حقًا؟

ثمة وعد بالجنة، ووعد آخر بصور شرفية تعلق على جدران الحي للشهيدين المنتظرين، وعود لن يشاهدوها بأعينهما، ربما صائبة وربما أوهام، من يضمن لهم جنات النعيم بعد الموت؟

لا تسير خطة العملية الاستشهادية كما خُطط لها، وما لم يضع “سعيد” في حسبانه أن يقف في مواجهة نفسه بدلًا من العدو الإسرائيلي، يتذكر حياته ويبرر رغبته في الانتقام”العالم متكتف وأنت قاعد لحالك وبدك طريقة”.

ينشأ صراعه الأخير بين عقله وقلبه، بين رغبة جسده في الانتقام وفي الحياة في آن، معادلة مستحيلة وصراع أخير اختار فيه أن يخسر جسده لينتصر جسد العدالة، عدالة الله، ويثأر لأبيه وأجداده وأجيال قادمة من بعده تعرفه من صور معلقة في الشوارع كدلالة على غياب الجسد وحضور المعنى وراء لقب الشهيد.

إقرأ أيضا: سينما فلسطين.. ما سقط من القضية باقٍ في “باب الشمس”

آية طنطاوي

صحفية مصرية

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى