الجمال والسلام

سعيد ناشيد

كاتب وباحث مغربي

لنحاول أن نتصور المشهد التالي:

سيدة أنيقة تمشي وسط الشارع، فجأة تتوقف، تلتفت وراءها إلى الأرض قليلًا، تنحني بتأنٍّ، تلتقط جسمًا من الأرض، تتأمل فيه بعض الوقت دون أن نستطيع تبيّنه، تضعه في حقيبتها اليدوية، ثم تمضي إلى حال سبيلها (انتهى المشهد).

السؤال الآن: ما عساه يكون ذلك الجسم الذي التقطته تلك السيدة من الأرض؟

لعل الإجابة الأكثر دقة هي أن نقول: “لا نعرف”.

لكن، رغم ذلك، ثمّة بعض الاستنتاجات العامة التي يمكننا التعويل عليها بهامش ضئيل من الخطأ.

مثلًا، ذلك الجسم الذي التقطته تلك السيدة من الأرض له بكل تأكيد وظيفة معيّنة، أي إنه يصلح لأداء وظيفة أو مجموعة من الوظائف المحددة، أو على الأقل فإن تلك المرأة قد تصورت الأمر على ذلك النحو.

هذا الاستنتاج مؤكد في كل الأحوال؛ إذ لا يمكننا أن نتصور سيدة أنيقة تتجشم عناء الانحناء لأجل التقاط جسم ليست له أي وظيفة.

ما هي الوظيفة المحتملة لذلك الجسم؟

مرة أخرى، ستكون الإجابة الأكثر دقة هي أننا لا ندري على وجه التحديد، لكن بالرؤية الإجمالية فإن تلك الوظيفة لا تخرج عن أحد الوجهين:

1- قد تكون وظيفة استعمالية، بحيث يصلح ذلك الشيء للاستعمال في مجال من المجالات، كأن يكون جزءًا مكملًا لجهاز ما، أو أداة لها دور معين، أو شيئًا يمكن إعادة تدويره، أو ما إلى ذلك.

2- قد تكون وظيفة جمالية، بحيث يصلح ذلك الشيء للتزيين، من قبيل أن يكون تحفة لتزيين البيت، أو تزيين الجسد، أو نحو ذلك.

دعنا الآن نتناول خلاصة إجمالية وأولية قبل العودة إلى المشهد:

علاقتنا بالعالم، وبأشياء العالم، لا تخرج عن هاتين الرؤيتين: إما أننا نعتمد على الرؤية الاستعمالية التي هي وجهة نظر العقل الأداتي، أو أننا نعتمد على الرؤية الجمالية التي هي وجهة نظر العقل الجمالي.

العقل الأداتي هو العقل الذي أنتج العلوم والتكنولوجيا، وتكمن غايته الأساسية في السيطرة على الطبيعة. لعل الأمر هنا يتعلق بغاية جبارة، أنتجت العلم المعاصر، وحملت الإنسان على التخطيط لتعديل جيناته الوراثية، وصولًا إلى محاولة بناء مستوطنات خارج كوكب الأرض.

لكن هنا يكمن التحدي الأساسي، وهنا يكمن الرهان الأعظم أيضًا، يجب أن يكون مسار سيطرة الإنسان على الطبيعة الخارجية متوازنًا مع مسار سيطرته على طبيعته الداخلية. ليس عيبًا أن نسعى إلى السيطرة على الطبيعة، والتحكم فيها؛ غير أن العيب كله في أن نسعى إلى السيطرة على الطبيعة والتحكم فيها ونحن عاجزون عن السيطرة على ذواتنا والتحكم فيها.

هذا التحذير لا نطلقه لأجل التوقف، أو رغبة في إعلان الطلاق مع الحضارة المعاصرة كما يحلم البعض، بل عكس ذلك تمامًا، فالخيار الأعقل هو استكمال الطريق، بوعي جديد لا يبخس الزاد الموجود، ولا يستغني عن الزاد المطلوب.

الإنسان يتيم في الكون، لا سيد له ولا سيد عليه، وهو إن لم يتعلم كيف يكون سيد نفسه بنفسه فسيتحول إلى مجرد طاغية يطغى، ليس بالمعنى السياسي على وجه الحصر، بل بالمعنى الوجودي إجمالًا. لذلك سيكون الزاد المطلوب زيادته لأجل مواصلة الطريق هو الحكمة.

لقد قدم لنا “أفلاطون” في (الجمهورية) التعريف الأكثر دقة للطاغية: الطاغية شخص لا يحكم نفسه، ويريد أن يحكم الآخرين، ولذلك فهو يتميز بثلاث خصال؛ أوّلًا: أنه مستبد لا يستطيع أن يتحكم في نفسه، ثانيًا: أنه شقي لا يستطيع أن يكون سعيدًا في حياته، ثالثًا: أنه عبدٌ لا يستطيع أن يخدم نفسه إن لم يخدمه الآخرون.

نعرف كيف يساعدنا العقل الأداتي في السيطرة على الطبيعة، لكنّ السؤال هو: كيف يساعدنا العقل الجمالي في السيطرة على ذواتنا؟

إننا لنعرف حقّ المعرفة الدّور الذي لعبته بعض الروايات العالمية في مجال الأدب في إعداد خيال الشعوب المتحضرة لتقبل إلغاء عقوبة الإعدام، مثلًا رواية (اليوم الأخير لمحكوم بالإعدام)، نعرف كذلك الدور الذي لعبه الفيلم الأمريكي الشهير (فيلادلفيا) الذي أخرجه “جوناثان ديم” وصدر عام 1993، في قيم ترسيخ التسامح بالنظر إلى تابوهين كبيرين: الإيدز، والمثلية.

عمومًا، لقد أثبتت الفنون الجميلة قدرتها على تغيير مواقف الناس عبر تهذيب غرائزهم وانفعالاتهم، ولدينا أمثلة من الواقع.

مثلا:

امرأة مطلقة تكدح طول النهار في أعمال الحقل لأجل رعاية صغارها، ومرّة في الأسبوع أو حتى في الشهر تختطف متعة مسروقة مع صديق لها. في الواقع، قد لا نتعاطف معها، بل قد نحرض عليها، وقد نرغب في أن تُلقي الشرطة القبض عليها، وقد نسعى إلى ذلك.

لكن..

نفس المشهد حين نراه في المسرح أو السينما أو نقرؤه في رواية، سرعان ما يتحول موقفنا جذريًّا من نطاق الحقد والكراهية إلى نطاق المحبة والتعاطف، حيث نجد أنفسنا متعاطفين مع قصة عشقها، ولا نتمنى أن يحدث لها أي مكروه.

ما الذي تغيّر؟

الذي تغيّر هو أننا نتعامل مع السينما والمسرح والرواية انطلاقًا من العقل الجمالي. والعقل الجمالي قادر على لجم الغرائز البدائية، غرائز الغيرة، والحقد، والتشفي. لذلك، في مجال الإبداع الفني نفرح إذا أخطأت الرصاصة الهدف، نفرح إذا تمزق حبل المشنقة، نفرح حين يجتمع العشاق الولهانون، طالما أن العقل الجمالي قادر على لجم غرائز الضغينة والانتقام.

لذلك، نفهم كيف تقود الحرب على الفنون الجميلة إلى مجتمع القسوة عبْر تغول ما يسميه “سبينوزا” بالانفعالات الحزينة، وما يسميه “نيتشه” بغرائز الانحطاط، وما يسميه “فرويد” بدوافع الموت.

في الواقع، لا يقدم لنا الفنان الأشياء الجميلة، بل يقدم لنا الرؤية الجمالية للأشياء. الفنان العبقري هو من يقدم لنا الرؤية الجمالية للأشياء التي قد لا نراها جميلة في الواقع. مثلًا، ليس الرسام العبقري من يرسم وجه فتاة جميلة في العشرين، لكنه من يستطيع أن يرسم تجاعيد امرأة في التسعين، ثم نشعر بعد ذلك بأن اللوحة جميلة. هذا ما تقوله أيضًا لوحة (الحذاء) لـ”فان جوخ”.

لقد راهن الفيلسوف الألماني “شيلر” على ما يسميه بالتربية الجمالية للنوع البشري؛ لأن الإنسان الجمالي في نظره هو الإنسان الكوني بامتياز. وهو يستند في ذلك إلى “كانط” الذي يرى أن ملكة الحكم الجمالي هي نفسها لدى كل الناس. هكذا فإن عزفًا جميلًا على آلة السيتار الهندية، أو آلة الكورا الإفريقية، سيكون عزفًا جميلًا بالنسبة للبشرية جمعاء.

يتمتّع الإنسان الجمالي بقدر كبير من التوازن بين العقل والغرائز، ولذلك يراهن عليه “شيلر”.

لكن، وجبت الإشارة أيضًا إلى أن “شيلر” كان بذلك النحو ينتقد أزمنة الرعب التي أنتجتها الثورة الفرنسية، ويعتبرها خطرًا يتهدد البشرية جمعاء.

وهذا مقام يحتاج إلى تأمل.

غير أني لا أريد أن أنهي كلامًا في الجمال بكلام في السياسة، بل كما بدأته تمامًا أريد أن أنهيه بمشهد السيدة التي انحنت لكي تلتقط ذلك الجسم من الأرض وتضعه في محفظتها.

ما الذي بوسعنا أن نتوقع أن يكون ذلك الشيء الذي التقطته تلك السيدة؟

لنطرح السؤال بصيغة فنية احترافية: ما الذي يمكن أن يتصوره مخرج عبقري بالنسبة لمشهد كذلك؟

سيذهلنا بكل تأكيد.

ما معنى أنه سيذهلنا؟

معنى ذلك أنه سيحقق المعادلة التالية: غالبًا ما يكون التوقع الأقرب إلى الحقيقة قريبًا منا إلى درجة أننا لا نراه، وبهذا النحو سيذهلنا تمامًا كما تذهلنا الإجابات التي عادة ما تكون قريبة منا إلى درجة أننا لا نراها.

فعلًا، لا تكمن القدرة الاستشرافية للفنان العبقري في أن يكشف لنا عن الأشياء البعيدة عن مداركنا، بل تكمن في أن يكشف لنا عن الأشياء القريبة من مداركنا والتي من شدّة قربها منا لا نستطيع أن نراها.

بالعودة إلى المشهد، ما الذي يمكننا قوله؟

بوسعنا أن نتصور الآن أن ذلك الجسم الذي التقطته تلك السيدة هو كعب حذائها الذي بُتر، وقد حافظت على مشيتها بنحو متوازن حتى لا تثير الانتباه، فلا ننسى أنها امرأة، وأنها أنيقة كذلك.

Share on facebook
Facebook
Share on twitter
Twitter

Start typing and press Enter to search