جمهورية الجزائر "الجديدة"

صخب سياسي وشعب غير عابئ

بعد ربع قرن أو أقل قليلاً من ثبات الدستور الجزائري على صيغته الحالية، دعت الرئاسة الجزائرية نحو 24 مليون ناخب إلى أول استفتاء شعبي على تعديل الدستور في الأول من نوفمبر/تشرين الثاني المقبل، في مرحلة يصفها النظام الحاكم بـ”الجزائر الجديدة”.

الدستور الجزائري الصادر في 8 ديسمبر/كانون الأول 1996، يستبدل الآن بدستور يمهد لنظام حكم “شبه رئاسي” بمنحه الحكومة والبرلمان (المجلس الشعبي الوطني ومجلس الأمة) المزيد من السلطات في إدارة شؤون البلاد، منذ أن وافق مجلس الأمة الجزائري في 10 سبتمبر/أيلول الماضي، على مسودة الدستور الجديد في جلسة علنية بالإجماع، عدا عضو واحد امتنع عن التصويت.

وبالتزامن مع الذكرى 65 لاندلاع “ثورة التحرير”، حدد الرئيس الجزائري -انتخب في ديسمبر/كانون الأول 2019 وتعهد بإصلاحات سياسية واقتصادية عقب الإطاحة بالرئيس السابق عبد العزيز بوتفليقة في إبريل/نيسان من العام نفسه- يوم الأول من نوفمبر/تشرين الثاني موعدًا للاستفتاء على الدستور، ليكون الشعب على موعد مع دستور جديد يكرس لـ”الجمهورية الجديدة” تحدث قطيعة مع ممارسات النظام السابق، ويحد من صلاحيات رئيس البلاد، ويتماشى مع التغيرات السياسية والاقتصادية الداخلية، ويواكب التطورات الحاصلة على الساحة الدولية” بحسب وثيقة مسودة الدستور الصادرة عن الرئاسة الجزائرية.

ملامح دستورية لـ"الجزائر الجديدة"

أبرز التعديلات في الدستور الجديد تحدد طبيعة الحكم، وتقصر فترات الرئاسة على ولايتين، وتفصل بين السلطات الثلاث، التنفيذية والتشريعية والقضائية، وتؤكد على استقلال القضاء والإعلام والأحزاب، وتقر اللغة الأمازيغية لغة رسمية في البلاد.

وتنص مسودة الدستور الجديد للمرة الأولى على إنشاء هيئة مستقلة تضع آليات قانونية لمحاربة الفساد، وإنشاء محكمة دستورية تراقب قرارات السلطات الثلاث، وإسناد رئاسة الحكومة للأغلبية البرلمانية، في حين تحظر المساس بالطابع الجمهوري للدولة والنظام الديمقراطي القائم على التعددية الحزبية، والإسلام باعتباره دين الدولة، والعربية باعتبارها اللغة الرسمية.

انقسام حزبي

الأحزاب السياسية الجزائرية، البالغ عددها نحو 60 حزبًا بين فاعل وقيد التأسيس، منقسمة بين مؤيد ومعارض حول الدستور الجديد، ورغم هذه التعددية وهذا التنوع في الحياة الحزبية في الجزائر، فإن ركودًا سياسيًّا يحيط المشهد ويصعب معه قياس ردود الفعل الشعبية الحقيقية تجاه هذا الدستور.

ويعد أبرز الرافضين للدستور الجديد حزب “حركة مجتمع السلم”، أكبر الأحزاب الإسلامية في الجزائر، والذي أعلن المشاركة في الاستفتاء، لكن بإطلاق حملة من أجل التصويت بـ”لا”.

ويرى الحزب أن “الدستور المعروض للاستفتاء ليس توافقيًّا ولم يُستجب لغالب اقتراحاتنا الأساسية في الحركة، ومنها على وجه الخصوص طبيعة النظام السياسي وتعيين رئيس الحكومة من الحزب الأول الفائز في الانتخابات التشريعية، واستقلالية القضاء من حيث مبدأ انتخاب رئيس المجلس الأعلى كما هي الحال في غالب الدول، وكذا المحكمة الدستورية والهيئة المستقلة لتنظيم الانتخابات، مبدأ الإخطار في تأسيس الأحزاب، إدراج بيان أول نوفمبر/تشرين الثاني كمادة صماء وكمرجعية للدولة، اعتماد الشريعة الإسلامية كمصدر من مصادر التشريع، تجريم التزوير الانتخابي، اعتماد غرفة واحدة في البرلمان، تمكين المعارضة من رئاسة اللجنة القانونية والتشريعية في البرلمان كما هو منصوص عليه في العديد من دساتير الدول الديمقراطية، منع استعمال اللغة الفرنسية في المؤسسات والوثائق الرسمية، التنصيص على تطور الأمازيغية ضمن إطارها الطبيعي العربي الإسلامي، حماية الأسرة من حيث هي مسؤولية الدولة والمجتمع، أهمية التعليم في تكوين المواطن الصالح، اعتماد المجلس الأعلى للإعلام والمجلس الأعلى للتربية”.

وفسر الحزب موقفه بـ”وجود فقرات مسمومة تهدد الهوية” مثل عدم اعتماد الشريعة الإسلامية كمصدر من مصادر التشريع، وعدم منع استعمال اللغات الأجنبية في الوثائق والمؤسسات الرسمية.

ورأى الحزب أن الدستور يؤسس لـ”نظام سياسي هجين مرة أخرى يعقّد تجسيد الإرادة الشعبية ويصنع أزمات سياسية مستقبلية”.

وتؤيد أحزاب سياسية عدة الدستور الجديد، ومنها حزب حركة البناء الوطني الذي أعلن رئيسه عبد القادر بن قرينة، تنحيه عن أي منصب بالحزب حال رفض الشعب الدستور الجديد.

كذلك أحزاب “الموالاة” التي تضم حزب جبهة التحرير الوطني والتجمع الوطني الديمقراطي وحركة البناء الوطني وحزب طلائع الحريات، وحزب “الأفلان”، أعلنت دعمها مسودة الدستور واستعدادها لحث الناخبين على التوجه لصناديق الاقتراع والتصويت بـ”نعم” للدستور.

وقرر بعض الأحزاب الديمقراطية واليسارية وكذلك العلمانية التي تشكل ما يعرف بـ”قوى البديل الديمقراطي”، مقاطعة الاستفتاء على الدستور، بعدما منعتها السلطات من عقد لقاءات للدفاع عن الحريات الديمقراطية والتعددية الحزبية، بحسب ما أعلنت في مؤتمر صحفي قبل أيام.

حياة سياسية صاخبة وشعب غير عابئ

ورغم هذه الأجواء السياسية الصاخبة، يرتبط الوضع الانتخابي شعبيًّا بمحدِّدَين اثنين، بحسب قراءة الكاتب الصحفي الجزائري أبو طالب شبوب، المحدد الأول هو “رغبة الجمهور في المشاركة”، والثاني هو “مساحة الحركة المتاحة لترجمة هذه الرغبة”.

ويرى شبوب أن نظام السلطة الوطنية للانتخابات -الجهة المسؤولة عن الإعداد للانتخابات- يحصر حق تنشيط الحملات الانتخابية لهذا الاستفتاء الدستوري في الأحزاب التي تحوز كتلة برلمانية، وعليه فهناك بضعة أحزاب فقط يمكنها دخول أجواء المهرجانات الانتخابية لصالح (أو ضد) مشروع الدستور الجديد.

ما يحدث هو أنه قد أتيح لأحزاب الموالاة الموروثة من عهد بوتفليقة استصدار تصاريح إدارية لتنظيم مهرجانات انتخابية، في حين لم يُصرَّح حتى الآن لأي حزب معارض بتنظيم أي تجمع انتخابي ولا حتى الحصول على حق الظهور التليفزيوني والإذاعي في وسائل الإعلام العمومية، والذي يفترض أنه مكفول قانونيًّا من طرف السلطة الوطنية للانتخابات، بحسب الكاتب الجزائري.

اجتماع للحكومة الجزائرية

وبناءً عليه، يقرأ شبوب المشهد في إطار أن “الأحزاب الموالية التي تنشّط الحملة الانتخابية لصالح الدستور هي ذاتها الأحزاب التي ثار الشعب ضدها وطالب بإقصائها من المشهد السياسي، ووجودها في صف المشروع الدستوري الجديد هو أسوأ دعاية له لأنه يجعل الجمهور منصرفًا عن التفاعل مع هذه الكيانات وأنشطتها الانتخابية”، وعليه، فإن الوعاء الانتخابي الأكبر سيكون، منطقيًّا، غير معني بالاستفتاء الدستوري، وهذا لانعدام رغبته في التفاعل مع هذا الموعد الذي لا يوفّر أي مساحة نقاشية منصفة ولا حتى وسيلة رقابية لضمان دقة النتائج، بحسب قوله.

وبـ”انعدام الرغبة الشعبية وضيق مساحة الحركة المتاحة” يفسر شبوب حالة البرود التي تمر بها الحملة الانتخابية في الجزائر.

ففي الوقت الذي سيكون للسلطة طبعًا وعاؤها الانتخابي الثابت، من أفراد الكيانات الحزبية الموالية، كما سيتوافر لها رصيد انتخابي عبر أصوات منتسبي الأجهزة النظامية (قوات الأمن والجيش) فإن الجمهور الواسع لا يبدو منخرطًا في الحالة الانتخابية بقوة لغاية اللحظة، وهو أمر مرشّح للبقاء على ما هو عليه إلا إذا حدثت تطورات جديدة تحفّز النقاش العمومي وتدفع الجماهير للانخراط فيه، بحسب شبوب.

ولمزيد من قراءة المشهد سياسيًّا واجتماعيًّا، ينطلق أستاذ علم الاجتماع السياسي، ناصر جابي، من قاعدة أن الشعب الجزائري أبناء ثقافة سياسية لا تمنح دورًا مهما للدساتير وكل النصوص القانونية، كما جاء في أحد تقارير التنمية البشرية لسنة 2004، الذي أشار إلى أن المنطقة العربية تعيش في بلدان يقلص فيها القانون ما يمنحه الدستور من حقوق وأن ما يبقى من هذه القوانين يُقضى عليه في الممارسة الفعلية على أرض الواقع.

وعن تقييمه للدستور عمومًا، يقول: “في الحقيقة التعديلات لم تأتِ بتغييرات جوهرية كان ينادي بها الحراك الشعبي وجزء مهم من الطبقة السياسية، فقد حافظت التعديلات الدستورية على قوة حضور الهيئة التنفيذية على حساب البرلمان والسلطة القضائية، كما أكد التعديل حضور رئيس الجمهورية الطاغي، فالحراك كان ينادي بمرحلة انتقالية لتحرير دستور جديد يحصل توافق حوله لإنجاز القطيعة مع النظام السياسي القديم، الذي تبين أنه تحول إلى خطر على الدولة الوطنية ذاتها”.

أما بالنسبة إلى الأحزاب، فيقول جابي: “الواقع يقول إن النظام السياسي في عمقه لا يعرف كيانات سياسية مستقلة، رغم ما جاءت به التعديلات الدستورية، نفس الشيء بالنسبة إلى الإعلام الذي أصبح أكثر عرضة للتضييقات والتعسف في أثناء مناقشة الدستور، كما هو حاصل مع الصحفي خالد درارني، الذي سُجن سنتين بعد أن قيل عنه إنه ليس صحفيًّا لأنه لا يملك بطاقة الصحفي التي ترفض وزارة الإعلام منحها للصحفيين”.

ناصر جابي

ويرى أستاذ علم الاجتماع السياسي الجزائري، أنه جرى تسييس الشارع الجزائري على نحو كبير جدًّا في أثناء فترة الحراك، لكن الملاحظ مع التعديلات المقترحة أن لدى المواطن عدم مبالاة، خاصة بعد عودة الوجوه القديمة التابعة للنظام لتصدُّر المشهد الإعلامي والسياسي وهي تدافع عن التعديلات الدستورية كما تعودت.

“المواطن الجزائري يهمه تطبيق الدستور وليس الكلام عن مواد دستورية نظرية لا يعيشها في الواقع، لهذا نلاحظ حتى الآن بعد أسبوع من انطلاق الحملة الرسمية عدم اهتمام شعبي كبيرًا، زادته ضيقًا الحالة الصحية السائدة”، بحسب جابي الذي توقع مشاركة ضعيفة خاصة في المدن الكبرى عند المهاجرين، لكنه توقع بعض الحضور في مناطق الهضاب العليا والجنوب التي يقل فيها الحضور الديمجرافي.

وردًّا على سؤاله حول إحساس الشعب الجزائري بصدق النظام الحالي في تعهداته بالتغيير والإصلاحات السياسية والاقتصادية، قال جابي: “المواطن المتوسط في الجزائر يشكك في نوايا النظام الذي ضيع على الجزائريين منذ بداية الحراك الكثير من الفرص السياسية للتوجه نحو بناء نظام سياسي جديد طالب به الحراك، فالانتخابات الرئاسية كانت فرصة ضائعة كما هي حاليًّا فرصة تعديل الدستور، الذي كان يمكن أن يكون محطة للتجنيد الشعبي والقبول بمطالب الجزائريين التي عبر عنها في أثناء الحراك والمتعلقة بضمان الحريات الفردية والجماعية واستقلالية العدالة ومحاربة الفساد السياسي والمالي وحرية الإعلام وبناء مؤسسات سياسية شرعية”.

Share on facebook
Facebook
Share on twitter
Twitter

قصة

ندى الخولي

صحفية مصرية

مشاركة

أحمد بيكا

رسوم

Start typing and press Enter to search

Visit Us On FacebookVisit Us On TwitterVisit Us On Instagram