زوايامختارات

40 سنة من ربيع التعب.. الحاجة إيناس: مسؤولة أنفار وأمٌّ مع إيقاف التنفيذ

في ركن قصيّ بمنزلها الكائن في قرية “كفر الترعة القديم”، مركز شربين بمحافظة الدقهلية، كانت إيناس الحلواني متدثرة بغطاءٍ ثقيلِ اتقاءً للبرد القارس وهي تغط في نومٍ عميقٍ لم يوقظها منه سوى صدح أذان الفجر، إذ نهضت من فراشها لتُجهز حالها ليومٍ حافلٍ من العمل رفقة جَمع من الرجال تتقدمهم وسط أرضها الزراعية.

أمام المرآة، وقفت إيناس ترتدي جلبابًا رجاليًا فضفاضًا، ثم اعتمرت عمامتها البيضاء بخفة واضحة.. لم تُمعن النظر كثيرًا، التقطت هاتفها ذا الطراز القديم، أجرت بعض المكالمات الهاتفية، استعدادًا لتجميع أنفارها من الرجال، بينما قبضت على كوب شاي بأيدٍ -طبع الزمن آثاره عليها- لتشربه في عجلةٍ من أمرها، قبل أن تغادر منزلها تحت جُنح الظلام بخطوات مهرولة وواثقة في آنٍ.

سيدة الأنفار

تخلّت إيناس عن أحلامها من أجل أسرتها. طيلة أربعة عقود ارتدت ملابس رجالية حتى تستطيع العمل وسط الرجال في الأراضي الزراعية بقرية نائية بالمنصورة، لإعالة أسرتها.

Posted by ‎Zat masr – ذات مصر‎ on Sunday, February 7, 2021

 

قبل قرابة أربعة عقود، كان قرار إيناس حاسمًا: “طلعت من المدرسة وأنا في تالتة ابتدائي، وقررت أشتغل”.. زاد إصرارها ضيق الحال الذي كانت تعانيه أسرتها: “والدي كان راجل ضعيف وعلى قد حاله، وإحنا كنا أربع بنات عاوزين يتجوزوا، فكان لازم أساعده”.. شعور بالمسؤولية تولَّد لديها رغم صغر سنها: “أنا كنت الخامسة بين أخواتي”.

إيناس في شبابها

كان البرد يشتد.. لفّ القرية صمت عميق لم يشقه سوى خطواتها التي أفضت بها إلى رأس القرية.. نقطة تجمع أنفارها الذين اتخذوا أماكنهم في صندوق سيارة نصف نقل: “من قبلها بيوم باكون مأكدة عليهم أننا هنسرح الغيط نخلص شغل”، تعطى تعليماتها بحزمٍ تارة وبلينٍ تارة أخرى، وذلك قبل أن تتخذ مكانها بجوار السائق، لينطلق في رحلة شاقة معتادة.

لاح في الأفق ضوء خافت، تقطع السيارة طريقها مخترقة ضباب تزداد كثافته كلما توغلت، فيما يشخص بصر إيناس صوب الطريق التي عرفتها منذ أن كانت في الثانية عشرة من عمرها، حين كانت ترافق رجال قريتها للعمل معهم: “كنت بضم الغلة بإيدي وسط الرجالة، وكنت بمسك المنجل وأحش البرسيم وأشيل على ضهري زي أي راجل”.

الحاجة إيناس أثناء عملها اليومي

لاحقتها النظرات المندهشة، تعالت همهمات هنا وهناك، غير أنها واصلت طريقها غير عابئة بذلك كله: “اشتغلت بـ12 قرش من 7 الصبح لـ7 المغرب علشان ماقولش لحد هات”.

غزلت الشمس الخجولة خيوطها في السماء، وصلت السيارة إلى وجهتها، هرولت إيناس خارجها، أعطت تعليماتها لأنفارها الذين قفزوا من السيارة إلى الأرض الزراعية، وزعتهم في مواقعهم، انصاع الجميع: “الناس هنا بتحترمني وتحبني، لأني باكون حنينة عليهم”، إلا أنها لم تتوقف عن كونها حازمة وقت العمل: “علشان كده اللي بطلبه من الرجالة بيعملوه”، نظرًا لخبرتها الواسعة في التعامل معهم: “وأنا عندي 20 سنة اشتغلت مقاول أنفار بقيت أجمعهم ويروحوا يشتغلوا في أراضي الناس”.

مشوار طويل قطعته إيناس بمفردها، لم تتخل يومًا عما تؤمن به- على بساطته- رغم نظرة الآخرين لها: “ماخلتش شغلانة إلا واشتغلتها، كل شغل الغيط.. سافرت بورسعيد أشتري قماش وأبيعه للناس، جبت درة وقليته على الطريق وبعته”، وذلك لمساعدة أسرتها ومن يلجأ إليها.. رجال ونساء: “المساكين كتير، وأنا حاسة أن ربنا خلقني عشانهم”.

بجوار أنفارها وقفت إيناس تتفحص محصولها، تشارك ذاك برأي، تزجر كسل تلك، تهرول لمساعدة من يطلب حمل إحدى الأجولة، ثم تداعب شخصًا عابسًا دون داعٍ: “من سنة 84 وأنا بقيت أأجر أراضي وأزرعها وأعيش من تمن محصولها”.. تتوقف لتعاون أحدهم على تفريغ المحصول، تلتقط خيطًا لتغلق الأجولة بحركة سريعة مُدربة “لازم أشتغل بإيدي معاهم.. مابحبش القعدة.. الشغل بيجري في دمي”.

مواقف عدة تعرضت لها ابنة قرية “كفر الترعة القديم”، لا تنفك حاضرة في ذهنها، لا سيما مع أنفارها، هؤلاء الذين كانت تفزعهم طلتها من الوهلة الأولى: “أول ما الناس كانت بتشوف لبسي وطريقتي بقوا يخافوا مني ويقولوا دي صعبة”.

الحاجة إيناس

“كنت محتاجة أنفار تشتغل معايا في الأرض، وجم في العربيات أول ما شافوني نطوا على الأرض وخافوا مني”، تحكي إيناس، غير أنها لم تجد في زيها ما يعيب: “أنا شغلي كله مع رجالة وفي الغيطان لازم ألبس كدة علشان محدش يبصلي نظرة وحشة”.

رغم البرودة وضجيج الأنفار الذي أخذ يتعالى، شمّرت إيناس عن ساعديها لمساعدة إحدى العجائز اللواتي يجمعن المحصول، تسألها عن حالها، تمازحها ببعض الكلمات: “لما باشوف ست كبيرة أو بنت صغيرة بيشتغلوا بتقهر ويصعبوا عليا”.. تدرك مدى صعوبة الأمر لما عانته في رحلتها التي لم تنته بعد، غير أنها في قرارة نفسها تدرك قسوة واقعهم فتحاول تخفيف حدتها: “باكون حنينة عليهم بالذات.. الرحمة حلوة”.

للسبب ذاته، رفضت السيدة الخمسينية عمل شقيقاتها الأربع، إذ أخذت على عاتقها مهمة تزويجهن، إلا أنها رفضت الزواج: “اتقدملي ناس كتير.. أنا محبتش أتجوز.. ومحبتش حاجة تقيدني”.. تساعد أشقاءها عن طيب خاطر: “أصلنا ناس بنحب بعض شوية”.

الحاجة إيناس مع أبناء أشقائها

تؤمن بمشروعها في الحياة وتحكي عنه بزهوٍ لافت: “لو اتجوزت مش هشتغل ويكون معايا فلوس أساعد الناس”، هؤلاء الذين تتعرف عليهم من موقف عابر، فيصبحون أصدقاء مقربين تبيت في منازلهم وتأكل من خبزهم.

تقترب الساعة من العاشرة صباحًا، يوشك عمل أنفار “إيناس” على الانتهاء، يسود التوتر الأجواء، تلقي عليهم تعليمات جديدة بشأن تحميل أجولة المحصول، يتهافت الجميع لنيل حصته مما جمعته أيديهم: “الكل لازم يتراضى”، تطالبها السيدات بحصصهن، يضيق صدرها بتلك الطلبات، لكنها تهدأ سريعًا: “الحريم بيتعبوني، بس دول آخرتهم إيه؟.. دول مساكين، لازم أراضيهم”، تنهي تلك الأزمة المتكررة يوميًا، ومن ثم تنطلق بسيارة المحصول لبيعه.

الحاجة إيناس

من عامٍ إلى آخر، تتقدم إيناس في العمر، تتوسع في تجارتها، تُكمل مهمتها مع شقيقاتها وأشقائها، ينجبون أولادًا وبنات فيغدون أبناءها، ينجب الأبناء فتصير جدة، ترافق أصدقاء جددا، تودع آخرين إلى مثواهم الأخير، تحرص على تقديم واجب العزاء في سرادق الرجال بزيها غير المألوف.. تُنهي مناقشة مع أحد المشترين عقب إنزال محصولها، تتسلم الثمن، تعود أدراجها إلى منزلها، تتناول طعامها مع أبناء أشقائها: “هم دول مهمتي دلوقتي في الحياة.. أشوفهم مبسوطين”، بمشاعر أم تحنو عليهم، تستطلع أحوالهم، تلبي طلباتهم، تبدي رأيها في أمرٍ يستشيرونها فيه: “دي السعادة بالنسبالي”.

فايزة أحمد

صحافية مصرية

شروق غنيم

تصوير

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى