ثقافة وفنمختارات

“الحديث عن الأشجار”.. توثيق هادئ لذاكرة القهر

 

علل المخرج السوداني صهيب قسم الباري تغيير اسم فيلمه من “مقعد الانتظار” إلى “حديث عن الأشجار” بتلك الجملة الشهيرة المقتبسة من قصيدة الشاعر برتولد بريخت “إلى الذين يأتون من بعدنا”، التي ينهي بها قصيدته قائلاً: “أي زمن هذا الذي يكاد يُعد فيه الحديث عن الأشجار جريمة لأنه يتضمن الصمت على العديد من الفظائع؟” وقال قسم الباري لـ”ذات مصر” إنه كان يفكر في ما يمكن للجملة أن تُخفي داخلها من السياسة الهادئة لتعبّر أكثر عن الهدف وراء الفيلم المليء بالسياسة في وقت استثنائي يمكن للبعض الاعتقاد فيه بأن الحديث عن السينما السودانية يعد ترفًا في مجتمع تعصف به التغيرات الجذرية.

ما يفعله الفن في زمن الحرب

في أثناء الدورة الثالثة لمهرجان الجونة السيمائي 2019، والتي كانت تشهد العرض المصري الأول للفيلم التسجيلي “الحديث عن الأشجار” للمخرج السوداني صهيب قسم الباري، توقّع عدد كبير من النقّاد خلال مناقشاتهم فوز هذا الفيلم ومخرجه المبشر بعدد من الجوائز، وبالفعل حصد الفيلم آنذاك سلسلة من التكريمات والجوائز: “النجمة الذهبية” لأفضل فيلم وثائقى في مهرجان الجونة، جائزة “جلاسوته أوريجنال” لأفضل فيلم وثائقى عند عرضه الأول في مهرجان برلين السينمائى عام 2019، “التأنيث الذهبي” لأفضل فيلم وثائقي في مهرجان قرطاج السينمائي، وأخيرًا حصل على جائزة أفضل فيلم وثائقي في جوائز اختيارات النقاد لعام 2020، وعدد من الجوائز الأخرى.

مشهد من الفيلم

نتساءل بعد عام من العرض المستمر حتى الآن: لماذا يمثل هذا الفيلم استثناء؟ وما الذي يعنيه ذلك للمخرج ولبلده؟

تضعنا تسمية “حديث عن الأشجار” قبل المشاهدة أمام أزمة أخلاقية عالمية معلنة وغير محسومة إلى الآن: دور الفنان في أوقات الحرب أو الطوارئ المليئة بالاعتقالات والدماء.. كتلك التي عاشها السودان خلال العقود الماضية، هل نستمر في إنتاج الأفلام والروايات والكتب أم نتجاوز دورنا الفني لحساب النزول إلى الأرض ومعارضة النظام وجهًا لوجه دون حاجة لرمزيات فنية تدين تصرفاته وقراراته؟

مضمون هذا التساؤل ومجازه هو ما يُحرّك “صهيب” لتلك التسمية وحركة الفيلم برمّته، وهو ما تحدث عنه أمام صحافة وإعلام العالم بعد العرض في الداخل والخارج.

المخرج السوداني صهيب قسم الباري

عرض مستمر لفيلم غير ممل

لا يزال الفيلم يُعرض إلى الآن بين سينمات العالم، كان آخرها في “أيام القاهرة السينمائي” مؤخرًا، في حين لا يزال إلى الآن غير متاح عرضه في بلد صانعيه، السودان، بسبب “تعنت شركة الإنتاج”، كما يقول المخرج لـ”ذات مصر”، في مفارقة تحمل في داخلها كثيرًا من الكوميديا السوداء.

وتُضاف إلى ذلك مفارقة أخرى تتعلق بالزخم السينمائي بالسودان، فقد شهد عام 2019 تظاهرة سينمائية سودانية خرجت تغرّد خارج السرب بنجاح منقطع النظير، مثال ذلك المخرجة السودانية مروة زين وفيلمها الذي أشاد به النقاد “الخرطوم أوفسايد” والفيلم الروائي الطويل “ستموت في العشرين” المأخوذ عن رواية السوداني حمّور زيادة “النوم عند قدمي الجبل”، بخلفية أدبية تمامًا كالتي خرجت منها أفكار صهيب السينمايئة.

هذه التظاهرة الفنية جاءت بعد أقل من شهرين فقط من تظاهرة أكبر للشعب السوداني على حكم الرئيس عمر البشير، نجح من خلالها في إسقاط النظام.

المخرج أمجد أبو العلاء، صانع “ستموت في العشرين”، يقول لـ”ذات مصر” إنه اضطر إلى وقف تصوير الفيلم عدة مرات بسبب الاحتجاجات السودانية آنذاك، والتي كان مضطرًا إلى حضورها شخصيًّا حتى إن لديه عددًا من الصور في أثناء ضرب رصاص حيّ عليه وزملائه في الميدان.

كذلك كانت المخرجة مروة زين وفيلمها “الخرطوم أوفسايد“، الذي طُردت من عملها بسببه، وإن كان “الحديث عن الأشجار” أكثر عمقًا وشاعرية واحتكاكًا بالواقع السوداني، كفيلم تسجيلي ثانٍ لمخرجه بعد فيلم “أفلام السودان المنسية”، الذي حكى خلاله رحلة حفظ الأرشيف السينمائي السوداني.

جاء صهيب من خلفية صحفية وإعلامية، فقد عمل صحفيًّا لسنوات قبل أن يتركها ليتفرغ لصناعة الأفلام، التي وجد أنه يفضلها على صناعة الأخبار، “التي تتم بنحوٍ سريع وغير منظم زيادة عن اللزوم”، حسبما يصفها.

مشهد من “الحديث عن الأشجار”

كثير من السياسة.. قليل من الصخب

توجد مشتركات تجمع المخرجين الثلاثة السابق ذكرهم في عام السودان السينمائي الاستثنائي، أهمها كونهم درسوا خارج السودان ثم عادوا لصناعة أفلام عنه بعد أن لفظهم هذا البلد، معتمدين على تمويلات خارجية لم يستطع الجيل الأكبر الذي درس السينما -باختلاف فروعها (كتابة وإخراج وتصوير)- الحصول عليها.

كانت تلك على ما يبدو المفارقة التي أصبحت الموضوع الأساسي في فيلم “الحديث عن الأشجار”، الذي يحكي مغامرة 4 من الجيل السينمائي السوداني السابق، يحاولون إعادة تأهيل وتشغيل دار عرض سينمائي، “سينما ثورة”، في بلد اختفت فيه كل مقومات صناعة السينما منذ ما يقرب من 3 عقود.

تدور أحداث الفيلم في عام 2015 حين يقرر الرباعي إبراهيم شداد ومنار الحلو وسليمان إبراهيم والطيب مهدي، أعضاء “جماعة الفيلم السوداني”، التجول في قرى السودان لنشر أفكار عن دور العرض السينمائية وماهية السينما لدى المجتمع وأشياء لم يكن في إمكانهم عملها على الإطلاق لأسباب بيروقراطية ومصادفات مُعانِدة تبدو تلقائية، لكن سببها الأساسي في أذهانهم هو السلطة السياسية، المتمثلة في نظام الإنقاذ الذي كان هدفه محو الذاكرة السودانية السينمائية أو الفنية عمومًا.

وبين النهضة، التي كان يعيشها السودان منذ بدء القرن العشرين، وبين واقعهم الأليم منذ 1989 أو الوقت الذي سيطرت القبضة الأمنية على الواقع الثقافي تمامًا في السودان، تتوازى خطوط الفيلم الدرامية بكوميديا سوداء وأبطال غير مفتعلين في ظُرفهم، بحكاياتهم التي لا تنتهي عند رغباتهم في صناعة أفلامهم الشخصية، ودور المعوقات المجتمعية والسياسية والاجتماعية والدينية أحيانًا في التصدي لذلك.

وهنا يكمن المأزق الأخلاقي، الذي يضعنا الفيلم في صميمه، وهو الفرصة التي يمكن من خلالها للسينمائي أن يتحدث عن كل شيء ويصنع أفلامًا كما يشاء، فقط إذا وضع يده في يد “نظام دموي” يجعله يقدم أشياء منزوعة المحتوى، أما إذا التزم الجانب الفني والثوري فيضطر إلى تحمُل كل تلك الظروف التي قد تجعله يتوقف عن صنع الأفلام كما يريد.

قسم الباري يرى أن النهوض بالسينما السودانية لا يتطلب فقط صنع أفلام جيدة، بل يتطلب أيضًا حركة نقد سينمائي نشطة ودور عرض مجهزة، بعد أن ترك النظام السابق البنية التحتية والثقافية للبلد منهارة وتحتاج إلى نهضة في مختلف المجالات ومنها السينما.

 

حسام الخولي

صحفي مصري

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى