سياسة

الحرب الأمريكية الجديدة: قليل من العساكر.. مزيد من الباحثين

في أول كلمة سياسية مهمة له، خرج وزير الدفاع الأمريكي “لويد أوستن” قائلًا إنه على الولايات المتحدة الاستعداد لحرب محتملة مستقبلا لا تشبه كثيرًا الحروب القديمة، والتي أكد أنها “استهلكت وزارة الدفاع لزمن طويل”، داعيًا إلى حشد التقدم التكنولوجي وتحسين دمج العمليات العسكرية عالميًا بهدف “الفهم بشكل أسرع.. واتخاذ القرار والعمل بصورة أسرع”.

وخلال زيارته للقيادة الأمريكية بالمحيط الهادي، ومقرها “هاواي”، تناول “أوستن” طريقة الحرب الأمريكية المقبلة قائلًا إنها “ستبدو مختلفة عن الطريقة التي قاتلنا بها في الحروب السابقة“، لكنه لم يشر صراحة إلى منافسي الولايات المتحدة، مثل روسيا والصين.

وزير الدفاع الأمريكي "لويد أوستن"
وزير الدفاع الأمريكي “لويد أوستن”

تصريحات وزير الدفاع الأمريكي جاءت في وقت بدأت فيه الولايات المتحدة انسحابًا من أفغانستان بقرار الرئيس الجديد جو بايدن، الذي تولى هذا العام، وذلك بهدف إنهاء أطول حرب للولايات المتحدة وإعادة رسم أولويات وزارة الدفاع الأمريكية.

ولفت “أوستن” أنه قضى “معظم العقدين الماضيين في تنفيذ آخر الحروب القديمة”، وتعلم دروسا لن ينساها، وفقًا لما أكدته شبكة “سكاي نيوز” الإخبارية التي نقلت عن منتقدين لقرار الانسحاب الأمريكي من أفغانستان أنه “لن ينهي الصراع الداخلي أو يقضي على الإرهاب أو يجعل تجربة 20 عاما من الحرب ضد التمرد غير مجدية مع انتشار منظمات متطرفة مثل تنظيم داعش”.

الانسحاب من أفغانستان

  • يجري حاليًا الانسحاب العسكري الأمريكي من أفغانستان رسميًا
  • من المقرر أن يكتمل الانسحاب بحلول 11 سبتمبر المقبل
  • سيتزامن موعد الانسحاب الجديد مع ذكرى مرور 20 عاماً على هجمات 11 سبتمبر 2001
  • عقدت إدرة ترامب اتفاقاً العام الماضي مع طالبان يقضي بانسحاب القوات في مايو ولكن بايدن أعرب عن اعتقاده في صعوبة الالتزام بهذا الموعد
  • يرى بعض المسؤولين الأمريكيين أن خيار الانسحاب السريع، الذي يعرض حياة القوات الأمريكية لخطر، ليس قابلاً للتنفيذ

باحث في “جورج واشنطن”: الحرب الأمريكية الجديدة تقوم على الردع وتعتمد مزيجا من التكنولوجيا والفيزياء الكمية والفضاء

عاطف عبدالجواد، الباحث في جامعة "جورج واشنطن" الأمريكية
عاطف عبدالجواد، الباحث في جامعة “جورج واشنطن” الأمريكية

يقول الدكتور عاطف عبدالجواد، الباحث في جامعة “جورج واشنطن” الأمريكية، إن الولايات المتحدة تستعد لفكرة استراتيجية جديدة في الحرب تقوم على الردع وتعتمد على مزيج من تكنولوجيا الكمبيوتر وما يُعرف بالفيزياء الكمية والفضاء أو ما يعرف بالردع عن بُعد.

وأضاف في اتصال هاتفي لـ”ذات مصر”، أنه في هذا الصدد يمكن فهم لماذا وصلت الولايات المتحدة إلى كوكب المريخ ونجحت في إطلاق طائرة هليكوبتر هناك في تجارب أولية للهيمنة على الفضاء بالنظر إلى الجهود الصينية لإطلاق محطة فضاء خاصة للصين.

أما عن حرب الكمبيوتر والإنترنت، فقال إنها ضرورية بالنظر إلى أن كافة أشكال الحرب اليوم تعتمد على شبكة الإنترنت، ليس فقط الصواريخ بل أيضا شبكات الكهرباء، وحتى التجسس.

ومن هذا المنظور الجديد يرى “عبدالجواد” أن “الحرب تقوم ليس على نزاع وصراع ومواجهة فعلية على أرض المعارك، كما حدث في العقود والقرون الماضية، بل على استخدام التكنولوجيا والفضاء كأداة للردع”.

اقرأ أيضا: الحرب خدعة.. الرسائل الخاطئة في العقيدة العسكرية الأمريكية

دلالة اختيار موقع الكلمة الأولى

وقال “عبد الجواد” إن الموقع الذي اختاره وزير الدفاع الأمريكي لإلقاء كلمته يوضح أن الصين هي المستهدفة أولا، إذ ألقى الوزير كلمته من القيادة الأمريكية لمنطقة المحيط الهندي- الهادي، “ومن هنا يمكن فهم القرار الأمريكي سحب القوات من أفغانستان وتقليص الوجود العسكري التقليدي من الشرق الأوسط.. إذ إن حروب المستقبل لن تعتمد على أرض معارك فيها دبابات ومشاة أو فيها عدو كداعش، وكما تفوقت الولايات المتحدة في الحروب التقليدية بعد الحرب العالمية الثانية ترغب واشنطن في استمرار التفوق في أشكال الحروب الحديثة”.

مايكل مورجان لـ”ذات مصر”: رسائل أوستن تقول إن مفهوم الحرب الأمريكية سيختلف في المستقبل القرب والبعيد

مايكل مورجان
مايكل مورجان

“لا نستطيع أن نتنبأ بالمستقبل”.. هذه الجملة أهم ما جاء في كلمة وزير الدفاع الأمريكي وفقًا لما يراه المحلل السياسي “مايكل مورجان”، الذي قال إن من الواضح أن قرار سحب القوات من أفغانستان وتحديدًا في تاريخ له دلالته الكبيرة في الولايات المتحدة، وهو 11 سبتمبر، هو رسالة غير مباشرة لبعض التنظيمات في الشرق الأوسط، وتحديدًا طالبان في أفغانستنان، حيث إنه تسببت هجمات الحادي عشر من سبتمبر إلى شن الحرب علي التنظميات الإرهابية في أفغانستان.

وتابع “مورجان” في اتصال هاتفي لـ”ذات مصر”، متناولًا حديث أوستن، أنه احتوى رسائل مهمة، منها مفهوم الحرب بشكل مختلف في المستقبل القريب والبعيد، كما يرى أن “أوستن” يلوح بأن العالم شهد في السنوات القليلة الماضية حروبا غير نمطية، كالقرصنة الإلكترونية كما هو الحال مع روسيا خلال التدخل بشكل أو بآخر في الانتخابات الأمريكية، وأيضًا قرصنه الخوادم الإلكترونية للمصالح الحكومية الأمريكية في العام الماضي وغيرها من شبه الحروب البيولوجية وأيضًا الاقتصادية، كما هو الحال مع الصين رغم عدم تصريحه المباشر بذلك، وتابع: “أكد في كلمته استراتيجية جديدة في التسلح، وهي مزيج من التكنولوجيا والقدرات وكيفية تنفيذها، مما يسبب قوة للجيش الأمريكي و تخبطا لأعدائه في الصراعات”.

حقبة جديدة من استراتيجيات الحرب الأمريكية

واستطرد “مورجان”: “أرى أيضًا أن كلمة أوستن تفتح حقبة جديدة من استراتيجيات الحروب سوف تعتمد بشكل كبير على الذكاء الاصطناعي والتجسس والتحكم عن بعد من خلال الفضاء بما يحتويه من أقمار صناعية أو مركبات فضائية”.

مدير العرب للدراسات: التحدي الأكبر هو إثبات أنها القوة العظمى بعد اهتزاز صورتها.. وستتجه إلى حرب التكنولوجيا والعلم

محمد صادق إسماعيل، مدير المركز العربي للدراسات السياسية والاستراتيجية
محمد صادق إسماعيل، مدير المركز العربي للدراسات السياسية والاستراتيجية

أما الدكتور محمد صادق إسماعيل، مدير المركز العربي للدراسات السياسية والاستراتيجية، يرى أن هناك استراتيجية جديدة بعد تفشي فيروس “كورونا”، الذي غيّر موازين القوى على الصعيدين الإقليمي والدولي، خصوصًا بعد أن تبين أن الولايات المتحدة لم تصمد كثيرًا أمام الفيروس ولم يصمد نظامها الصحي، وهذا دعا إلى معادلات أخرى وتوازنات جديدة، سواء على المستوى العلمي أو على المستوى الإبداعي.

وأضاف لـ”ذات مصر”: “الأمر بالنسبة للولايات المتحدة ذهب بعيدًا عن مسألة الحروب التقليدية، فأصبح التحدي الأكبر لأمريكا إثبات نفسها بأنها القوة العظمى، لأن هناك دولا أخرى سعت للتفوق على الولايات المتحدة مثل الصين التي تملك أفضل 4 بنوك على مستوى العالم، بالإضافة إلى تراجع الاقتصاد الأمريكي وفاعلية السياسة الأمريكية”.

الحرب واهتزاز صورة أمريكا

هذا التراجع، بحسب “صادق”، حدث منذ عهد الرئيس الأسبق باراك أوباما ومن قبله جورج بوش باحتلاله العراق وأفغانستان واهتزاز صورة أمريكا بعد أحداث 11 سبتمبر، كما أن احتلال العراق وأفغانستان لم يعوض الهزمة التي نالتها الولايات المتحدة.

وتابع: “أوباما كان مهندس الثورات العربية ولم ينجح، ثم جاء بعده ترامب بمشاكله العديدة وصراعه مع الصين فضلًا عن العلاقات السيئة مع كثير من دول العالم”، ولفت إلى أن الاستراتيجية الأمريكية حاليًا هي سحب قواتها والحفاظ على مخزونها الاستراتيجي العسكري لأن الحرب الأمريكية القادمة هي حرب تكنولوجيا وعلم ومنافسة على من يستطيع السيطرة على مجريات الأمور عالميا.

واعتقد أن روسيا وأمريكا على طرفي نقيض، فقد كان هناك نوع من التقارب في عهد ترامب، لكن هناك نوع من التباعد والتجافي في أيام بايدن، كل هذا، بحسب “إسماعيل”، يدعو إلى القلق، لكن على الولايات المتحدة أولًا أن تثبت أمام العالم أنها قادرة على مواجهة كورونا، مستطردًا أن المستقبل هو القادر على الإجابة عن التساؤول حول أنواع الحروب الجديدة وأنواع الردع العسكري الأمريكي، ولكن مسألة عسكرة العالم من خلال الولايات المتحدة لم تعد مقبولة.

محمد الليثي

صحفي وباحث في الشؤون الإسرائيلية

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى