دراسات وتحليلاتمختارات

حروب الإنابة: أجيال التكنولوجيا تنحت عالمًا جديدًا

حروب الإنابة عملية عسكرية كبيرة تنتظم في إطارها علاقة وظيفية بين جيش نظامي/ مجموعات عمليات نظامية وقوات غير نظامية/ ميليشاوية

مقدمة:

يعتمد كثير من نظريات العلاقات الدولية على مفتاح القوة باعتباره العنصر الفاعل في مسار التاريخ البشري ومسيرته، ويرى كثير من مفكري الإستراتيجيات العظمى والشؤون الدولية أن الحروب هي المفتاح الرئيس في تحولات المنظومات الدولية السابقة وتؤيدهم في ذلك أدلة تترى من التاريخ الحديث، لكنه مع تطور المجتمعات وانهيار اتجاهات هندسة التغيير المحسوب Calculated Change، بدأ اللجوء إلى نمط الحروب غير التقليدية UW، التي تأتي في إطار ما يعرف بالجيل الرابع من الحروب 4GW، بسبب صعوبة خيار الحروب التقليدية، خاصة بعد الخسائر الضخمة التي لحقت بالاقتصاد الدولي شديد الترابط من جراء حربي العراق وأفغانستان ولأسباب أخرى تتعلق بتحولات النظام الدولي الحالية. ومع بعض التأمل للحروب غير التقليدية نرى أنها تعود إلى حقب تاريخية أقدم كثيرًا من أيامنا المعاصرة وليست وليدة صراعات الحاضر.

التكنولوجيا والحروب الجديدة
اضغط.. على كل محور يمين الصفحة للقراءة

1- أجيال الحروب والثورات الصناعية

بدأت موجة الحروب غير التقليدية في العصر الحديث مع منتصف القرن الثامن عشر وبنحو أساسي في أمريكا الشمالية والجنوبية، حيث حروب العصابات (أو حروب الاستقلال كما سميت بعد ذلك) والحروب الأهلية فيما بعد ذلك، التي جرت بين القوات البريطانية والفرنسية والإسبانية والقوات الأمريكية والسكان الأصليين. وبالنظر في أجيال الحروب الأربعة، وجد رابط بين التطور الحاصل في شكل الحرب والثورات الصناعية من جهة أخرى، بل ربما كانت الثورات الصناعية هي المحرك الرئيس لتغير شكل الحروب.

فرغم أن الثورة الصناعية الأولى (الثورة البخارية) لم تغير بوضوح في شكل حروب الجيل الأول 1GW التقليدية (ذات الجيوش النظامية) أثمرت الثورة الصناعية الثانية (الثورة الميكانيكية) قدرًا كبيرًا في بزوغ وازدهار حروب الجيل الثاني 2GW(حرب العصابات)، لأن الميكنة أدت إلى تحول ضخم في أدوات الإنتاج ووسائله، ما أدى بالضرورة إلى تغير في السلاسل والتوزيع، وهو ما عظّم فرص القوات غير النظامية للحصول على السلاح بنحو أو بآخر، على اتساع خطوط الإنتاج تلك.

كذلك يوجد ارتباط وثيق بين الجيل الثالث من الحروب وهو حروب البرق 3GW(الحروب الخاطفة Blitzkrieg) والثورة الصناعية الثالثة (الثورة الكهربية) في الربع الثاني من القرن العشرين، ما ساعد قوات الرايخ الثالث على شن حروب البرق هذه في الحرب العالمية الثانية، فاحتلت 7 دول أوروبية في أسابيع معدودة بسبب تطور منظومة القيادة والسيطرة لدى الجيش الألماني، وكذلك التطور النوعي في مشاريع الصواريخ والدبابات الألمانية.

بالمثل، فإن ما يسمى بحروب الجيل الرابع 4GW مرتبط بالثورة الصناعية الرابعة Industry 4.0 (ثورة الاتصالات)، فقد استفادت العصابات والجماعات المتطرفة حول العالم من الثورة الاجتماعية والتكنولوجية والاقتصادية التي أسستها العولمة، مع بداية تسعينات القرن الماضي.

ولن نكون مبالغين إذا قلنا إن تلك التيارات استفادت من هذه الأدوات في إدارة صراعاتها أفضل من الدول، ما أدى بوضوح إلى تطور عمليات القتال والحشد والتجنيد الخاصة بها في الأعوام الماضية.

وتنتمي حروب الجيل الرابع إلى سلسلة الحروب اللا تناظرية غير التقليدية UAW، ولأن النظام الدولي الحالي ما زال نظامًا تتحكم فيه الدول بالأساس، لا يسمح بوجود أقطاب قوى من غير الدول تحدد المصير الدولي، وتوجد حملات مستمرة لتحجيم أدوار الفاعلين المسلحين أو السلميين من غير الدول من وقت إلى آخر، بإرادة دولية مشتركة في غالب الأحيان، من أجل هذا الغرض: أن تظل الدول هي صاحبة السيادة والسيطرة والهيمنة.

لذا، فإن القوى المسلحة الفاعلة من غير الدول VNSA لا توجد أمامها فرص سوى تحديد تبعيتها لإحدى دول الهيمنة الإقليمية أو الدولية لا أكثر من هذا، وبما أن تلك الحركات والجماعات المسلحة صارت عنصرًا أصيلاً في التخطيط والتكتيك والتنفيذ في ميادين المعارك، بسبب خبراتها المتراكمة ووجود التدريب والإمداد والتموين اللازم من شركائها الإستراتيجيين، إذًا لم يعد بالإمكان الحديث عنهم كوكلاء في حروب الوكالة Proxy Wars التي عادة ما تقود الدفة فيها القوى المهيمنة، لكن هذا النمط الجديد من الحروب غير التقليدية صار يعرف بحروب الإنابة أو الحروب البديلة Surrogate Warfare ويطلق على القوات المشاركة في هذا النوع من الحروب القوات البديلة Surrogate Forces، وهيكل القوات البديلة يتغير وفقًا لطوبوغرافيا المعارك ودقة الظرف الدولي والإقليمي المحيط بها فقد يكون خليطًا من قوات النخبة والميليشيات المسلحة أو قوات نخبة فقط أو ميليشيات مسلحة فقط.

2- حروب الإنابة: المصطلح والبنية العسكرية

في بحث نشرته كلية الحرب البحرية التابعة للجيش الأمريكي، يعرّف آلان داي، جنرال القوات الجوية الأمريكية المتقاعد، حروب الإنابة بأنها “عملية عسكرية كبيرة تنتظم في إطارها علاقة وظيفية بين جيش نظامي/ مجموعات عمليات نظامية وقوات غير نظامية/ ميليشاوية بحيث تؤدي الأخيرة أدوارًا موكلة إليها بما يتماشى مع مبادئ تنظيم القوات المشتركة”[1]

قوات دلتا الأمريكية

وفي إطار هذا الشكل من الحروب، يظهر تبني بعض الإستراتيجيات العسكرية مثل إستراتيجيات حرب المدن وحرب العصابات، لكن أكثر تلك الإستراتيجيات استخدامًا في هذا النوع من الحروب إستراتيجية العمليات الخاصة، لذا فإن القوات المعنية بالتواصل مع هذه المجموعات المنتقاة من القوات البديلة Surrogate Forces والتعاون معها هي قوات النخبة، مثل كتيبة القوات الخاصة الميدانية الأولى المعروفة باسم قوة الدلتا Delta Force (نخبة القوات الخاصة الأمريكية المعروفة باسم القبعات الخضر Green Berets). وعلى رأس قوات النخبة كذلك قوات البحرية الأمريكية الخاصة (المعروفة باسم فقمات البحرية Navy SEALS) والقوات الجوية البريطانية الخاصة Special Air Service (SAS). كذلك اللجوء إلى أفراد العمليات السرية وخبراء الاتصالات في أجهزة الاستخبارات لإدارة مثل هذه القوات البديلة، إذا كانت المهمة الأساسية مهمة استخباراتية تميل في طبيعتها ناحية الاتصال أكثر من العمل العسكري (كما في الحالة الأفغانية).

وتتسم البنية العسكرية للجيوش الحديثة بوجود قوات خاصة مسؤولة عن العمليات الخاصة للدول، ويعتبر وجود مثل هذه القوات أمرًا جوهريًّا يمس مسألة السيادة والسيطرة لأي دولة، مهما كان حجمها وحجم مواردها وقدراتها. كذلك من طبائع المنظومة الدولية الحالية، خاصة في ما يتعلق بالانتشار الأفقي للسلاح العادي والنوعي -الذي يهدد به اللاعبون المسلحون من غير الدول VNSA أو ما تسمى في المصطلح الأمريكي بتنظيمات التطرف المسلح VEO- كيانات الدول وسيادتها ووحدتها.

وأكثر الدول اهتمامًا بهذه القوات وهذه الإستراتيجية هي الولايات المتحدة الأمريكية، فتعداد القوات الخاصة الأمريكية بكل تفرعاتها يبلغ قرابة 70 ألف فرد، تنظمهم القيادة الموحدة للعمليات الخاصة USSOCOM وهي قيادة نوعية وقائدها أحد أعضاء هيئة الأركان المشتركة للجيش الأمريكي، وتشرف على قيادات العمليات الخاصة في جميع أذرع القوات المسلحة الأمريكية، كقيادة العمليات الخاصة في القوات البرية الأمريكية (USASOC) وقيادة العمليات الخاصة في القوات الجوية الأمريكية (AFSOC) وقيادة العمليات الخاصة التابعة للقوات البحرية الأمريكية (NSOC) ما عدا مشاة البحرية الأمريكية، فليس من مهامها ما يستلزم وجود عناصر عمليات خاصة تابعة لها. وتتكون القيادة المشتركة لقوات العمليات الخاصة الأمريكية JSOC من قادة وحدات العمليات الخاصة في الأذرع الأربع سالفة الذكر، حيث يناهز عدد الوحدات والكتائب العسكرية التابعة للقيادة المشتركة للعمليات 90 وحدة، على رأسها الكتيبة الميدانية الأولى للعمليات الخاصة (قوة الدلتا) والفرقة 75 جوالة استطلاع، وسرب التكتيكات الخاصة 24 المجوقل التابع للقوات الجوية الأمريكية الخاصة، ومجموعة تطوير القتال التابعة للبحرية الأمريكية NSWDG.

وعلى الرغم من اتساع حجم القوات الخاصة الأمريكية، فإن أحداثًا وعمليات كثيرة كشفت حجم الهالة التي صنعها الأمريكيون حول قواتهم الخاصة مثل عملية مخلب النسر (Operation Eagle Claw) لتحرير رهائن السفارة الأمريكية في طهران وعملية الأفعى القوطية (Operation Gothic Serpent) التي تحولت فيما بعد إلى معركة مقديشو 1993 أو ما عرف بعد ذلك بعملية البلاك هوك. فعلى سبيل المثال، تعتبر القوات الجوية البريطانية الخاصة SAS من أفضل القوات الخاصة المحمولة جوًّا ولديها سجل قوي حافل بالبطولات والنجاحات، في حين تعتبر القوات البحرية الخاصة في الجيش الفرنسي صاحبة أداء جيد وسمعة قوية، لكن ما يميز الأمريكيين دومًا في كل أعمالهم الحربية: كثافة القوات والتكنولوجيا، وهما عاملان يندر أن يجتمعا في قوة أخرى خاصة غير القوات الخاصة الأمريكية.

3- حروب الإنابة والقوات البديلة في إستراتيجيات القوى العظمى

في البيئة العولمية الحالية، لم تعد أيدي الدول طليقة في شن الحروب أو فتح أبواب لصراعات عسكرية إقليمية أو متعدية للإقليم، بسبب الطبيعة الترابطية المركَّبة للنظام الدولي الحالي.[2]  ورغم ذلك، فإن القدرات التقليدية للدول على شن الحروب لم تعد فعّالة. لذا، فإنه منذ بدايات القرن الحادي والعشرين بدأ التفكير في الحروب غير التقليدية كطريقة لحفظ الدول حقوقها في المبادرة وإرباك الخصوم على نحو يتواكب مع روح العصر.

لذا، فقد نصَّ كثير من الإستراتيجيات العسكرية الدول العظمى على الأقل على مبدأ المرونة تجاه الأساليب والوسائل الدفاعية للدفاع عن مقدراتهم القومية. وكل الأحاديث عن المرونة وتنويع القوات واعتماد العمليات المشتركة والتعاون مع المحليين وتدريبهم هو من قبيل اعتماد الحروب غير التقليدية.

فالولايات المتحدة تنص في أحدث إستراتيجياتها العسكرية الصادرة في 2015 على الحفاظ على مصالح الأمن القومي الأمريكي، عن طريق تبني إستراتيجية عسكرية متكاملة يتكامل فيها وسائل الدفاع التقليدي مع غير التقليدي/ الهجينة (وفقًا للشكل 1)، كما تحدثت الإستراتيجية بصراحة عن “إستراتيجية”[3] العلاقة مع الشركاء المحليين في ما يتعلق بمكافحة إرهاب تنظيمات التطرف المسلح VEO دون أي سقف زمني لهذه الحملات.[4]

وأكدت وزارة الدفاع الأمريكية في بيان الموقف الدفاعي لعام 2017 أنها تسعى بنحو حثيث لاستئصال شأفة (داعش) عن طريق دعم القوى المحلية بإمكانيات التحالف المناهض لداعش أو بالدعم التدريبي والاستخباراتي واللوجيستي والاستشاري.[5]

أما الإستراتيجية الروسية لعام 2015، فينص البند الثامن والثلاثون منها على ضمان تحسين صور وأساليب نشر القوات المسلحة الروسية والقوات والتشكيلات الأخرى، على نحو يتوافق مع طبيعة الحروب الحديثة، وضمان مراعاة متطلبات التشكيلات غير التقليدية للحروب المستقبلية.[6]

حلف الناتو من جانبه يسير منذ عام 2011 على ورقة المفهوم الإستراتيجي لعام 2010 بعنوان “الارتباط الفعّال، الدفاع الحديث” والتي تنص على مبادئ عامة للحلف من بينها المرونة الكاملة في تشكيل القوات، بما يحقق الأهداف العليا المشتركة لدول الحلف في إطار ما يسمى “الأمن التعاوني”.[7]

أما الإستراتيجية العسكرية الصينية لعام 2015، فنصت في المبدأ الخامس من مبادئ الدفاع الفعّال على تسخير جميع الإستراتيجيات والتكتيكات التي تظهر المرونة وسهولة الحركة، وتمنح فاعلية كاملة للعمليات المشتركة، وتركز بقدر كبير على قوات النخبة وتدمج كل الوسائل والمناهج العملياتية.

4- حروب الإنابة والقوات البديلة: ثمن زهيد للتغيير الإستراتيجي واسع المدى

تتمتع الجيوش الكبرى بسجل حافل من حروب الإنابة وقيادة القوات البديلة في القرن العشرين، خاصة القوات الأمريكية والبريطانية. فخلال صيف عام 1916 وكجزء من عمليات الحرب العالمية الأولى شاركت الاستخبارات البريطانية في إذكاء التمرد العربي ضد الأتراك، وقد أرادت بريطانيا إرباك الأتراك الذين هزموهم في معركة جاليبولي هزيمة ساحقة وأثرت تلك الهزيمة في سير الحرب وفي النظرة البريطانية إلى الأتراك بعد ذلك[8]. وفي الوقت الذي ركز فيه الأتراك على أولوية أمن القوقاز خلال الحرب، حاول البريطانيون تشتيت الأتراك وكسب موطئ قدم في المشرق تمهيدًا لتضييق الخناق عليهم من الجنوب. أفلح البريطانيون وغيرت حرب الإنابة تلك وجه المنطقة.

المقاومة الفرنسية: نموذج مثالي للقوة البديلة

وكما كان لهذا النمط من الحروب أثر كبير في رسم خريطة ما بعد الحرب العالمية الأولى، فإن أثر حروب الإنابة والقوات البديلة في الحرب العالمية الثانية لا يكاد تخطئه عين، فخلال الحرب العالمية الثانية ظهرت قوات بديلة على أكثر من جبهة، وفي صدارة تلك القوات البديلة ما يعرف بالفيلق الإفريقي (L’Armée d’Afrique) التابع للجيش الفرنسي، والفرقة الفرنسية الخارجية، والفرق التي شكلها اليابانيون من السكان الأصليين في جزر الباسيفيك، لكن أهم تلك الجبهات على الإطلاق كانت فرنسا المحتلة التي تولت عملياتها المقاومة الفرنسية، التي دربها وتولى التخطيط لها وقيادتها مكتب الخدمات الإستراتيجية OSS الأمريكي، الذي صار فيما بعد وكالة المخابرات المركزية الأمريكية، إلى جانب مكتب عمليات القوات الخاصة البريطانية SOE الذي تشكل خصوصًا في يوليو/ تموز عام 1940 ليقود عمليات التجسس والتسلل والتخريب ضد القوات الألمانية داخل فرنسا المحتلة، وكذلك تقديم الدعم اللوجيستي للمقاومة الفرنسية وتوحيد صفوفها.

الفيلق الإفريقي

كانت خطة الإنزال في النورماندي (المعروفة كوديًّا باسم Operation Neptune) في يوم 6 يونيو/ حزيران 1944 (المعروف كوديًّا باسم D-Day) تقضي بإنزال 6 وحدات قتالية محمولة بحرًا و3 وحدات محمولة جوًّا في نفس يوم الإنزال.[9] هذه القوات كانت في مواجهتها دفاعات حديدية بداية من حائط الأطلسي على طول الساحل وفي شمال وغرب فرنسا المحتلة 30 كتيبة مشاة و6 وحدات من دبابات Panther التي كانت محل فخر الفيرماخت حتى نهاية الحرب. هذه الفرق العسكرية بإمكانها وقت حشد الحلفاء على شواطئ فرنسا أن تصفي أي رأس شاطئ مهما كانت قوته في ساعات محدودة. لذا، ولتفكك الجيش الفرنسي بعد سقوط باريس وانشقاق الجنرال بيتان بما تبقى من الجيش وتأسيس جمهورية فيشي في الجنوب والشرق الفرنسي، لجأ الحلفاء إلى تجنيد المقاومة الفرنسية وتولى مكتبا عمليات القوات الخاصة البريطانية SOE والخدمات الإستراتيجية الأمريكي OSS تدريب شبكات المقاومة الفرنسية على أعمال التجسس وجمع المعلومات وتقنيات الاتصال واستخدام الراديو والدفاع عن النفس والتخريب والاغتيال والقفز المظلي، وهي كلها مهام قوات العمليات الخاصة. لهذه الأسباب، صدر قرار الجنرال فردريك مورجان قائد القيادة المشتركة للحلفاء بتكليف قوات العمليات الخاصة بمهام وأعمال التعبئة العامة في الجزء الأولي من خطة يوم الإنزال الكبير.[10] لم يكن دور المقاومة التخريب العبثي، ولأن دور المقاومة من اليوم الأول التركيز على الإعداد ليوم الإنزال الكبير فلقد ركزت المقاومة وقيادة الحلفاء على جهود جمع المعلومات حول خرائط التحصينات الألمانية واعتراض وقطع خطوط الإمدادات الإستراتيجية للجيش النازي داخل شمال وشرقي فرنسا المحتلة من أجل درء كل المحاولات الألمانية لإحباط عملية الإنزال. وقد ذهب قادة الاتصال وخبراء التخريب والمتفجرات ومعدات التدريب والأسلحة والمتفجرات إلى فرنسا عبر إنزالات مظلية متتالية. كان التحدي الأكبر في ذلك الوقت هو أن الصدمة التي حدثت للفرنسيين بعد سقوط فرنسا في يد الرايخ قد تركت آثارًا في الحالة العامة للشعب الفرنسي، فبات يكفر بأشياء كثيرة وزادت الشكوك والظنون، والريب وتبادل الاتهامات حتى بين المقاومين وشبكات ومجموعات المقاومة، واستغلالًا لهذا الوضع، نفَّذ الجوستابو والقوات الألمانية اختراقات عديدة لبعض هذه المجموعات، لكن لم يمكن القضاء عليها بسبب دعم الحلفاء القوي وتحسن شبكات المقاومة وانتقاء أفضل العناصر لهذه المهام.

في 5 يونيو/ حزيران 1944، وقبل يوم الإنزال الكبير بيوم واحد، أغلق الحلفاء ساحل النورماندي، وتمكنت القوات الجوية البريطانية الخاصة SAS وقوات OSS المجوقلة وعناصر المكتب المركزي للعمليات والاستخبارات التابعة لقوات فرنسا الحرةBCRA  بالإضافة إلى القوات البلجيكية والهولندية الحرة من الإنزال خلف خطوط العدو (في إطار ما يعرف بعملية الجيدبيرج Operation Jedburgh) وكانت جيوب المقاومة على أتم استعداد للتحرك بعد تدريب دام 3 سنوات على قطع التعزيزات والإمدادات والاتصالات النازية. وتولى مكتبا العمليات الخاصة البريطاني والخدمات الإستراتيجية الأمريكي، خلال عملية معركة النورماندي، التنسيق مع شبكات المقاومة للتمهيد لعلميات الإنزال المظلي خلال الأسبوع الأول من المعركة في بريتاني ودورودوني وأوت فيان وليموزين. واستطاعت هذه العمليات وقف التعزيزات الألمانية خلال الأيام الأولى، خاصة قطع قوات المقاومة الطريق على فرقة القوات الخاصة الألمانية SS التي تحركت من الجنوب الفرنسي باتجاه النورماندي. بعد مرور أسبوعين فقط، وبفضل المقاومين الفرنسيين (قوات الحلفاء البديلة في تلك الحرب)، استطاعت قوات الحلفاء تأمين شواطئ النورماندي كلها لاستقبال جيوش الحلفاء.

خلال تلك الأثناء، قام مكتب الخدمات الإستراتيجية الأمريكي OSS بتكوين الكتيبة 101 من أجل شن حرب عصابات غير تقليدية ضد الوجود الياباني في الصين وبورما (ميانمار حاليًا). قامت هذه الكتيبة بتدريب مواطنين أصليين من بورما من رجال القبائل على أعمال التسلل والتجسس والتخريب وحروب العصابات والحملات الدعائية. وبالمثل، قام رجال القبائل بتدريب الجنود الأمريكيين على فنون البقاء وشن حروب الغابات. وقد بدأت هذه الكتيبة بما يقارب 100 فرد وانتهى بها المطاف مع نهاية الحرب بقوة تزيد على 10 آلاف مقاتل. [11]

في مكان وزمان قرب عمليات الكتيبة 101 التابعة لمكتب الخدمات الإستراتيجية الأمريكي في الصين وبورما، وفي إطار حرب فيتنام ومع بدايات الحرب، أغلقت فيالق القبعات الخضر Green Berets (العمليات الخاصة للقوات البرية الأمريكية USASOC) الحدود الفيتنامية عن طريق تجنيد القبائل المحلية وتدريبهم والإشراف على مهامهم. إلى جانب هذه المهمة، تولى ضباط من كتائب القوات الخاصة الأمريكية الأولى والخامسة تدريب قرابة 100 ألف من رجال القبائل والمسلحين (الذين عملوا كقوات بديلة خلال تلك الحرب) على فنون القتال وشن حروب العصابات وفنون الدفاع عن النفس والبقاء.[12]

 أفغانستان المستحيلة: متطرفو الشرق الأوسط ينفذون المهمة

– بعد تنفيذ مهام فيتنام، كانت مجموعات من العملاء السريين لوكالة المخابرات المركزية الأمريكية CIA وخبراء من مكتب الخدمة الخارجية البريطاني MI6 وهيئة الاستخبارات العسكرية الباكستانية، على وعد بمهام شبيهة في وسط آسيا، لكنها كانت مهمة استخباراتية بامتياز وليست شبه عسكرية كما حدث في فرنسا وبورما. ففي ديسمبر/ كانون الأول 1979، أصدر ليونيد برجنيف رئيس الاتحاد السوفييتي أوامره بغزو أفغانستان على خلفية مظاهرات وتحركات مناوئة للحكومة الماركسية الجديدة التي أتت عقب انقلاب عام 1978 على محمد داوود خان، ووجه السوفييت الجيش الأربعين للسيطرة على الأوضاع في أفغانستان.

في مقابلة تليفزيونية له في يناير/ كانون الثاني 1980، اعتبر الرئيس الأمريكي الغزو السوفييتي لأفغانستان أمرًا جللًا وأنه “أخطر تهديد حدث للسلام العالمي منذ الحرب العالمية الثانية”[13]. لم يكن باستطاعة الولايات المتحدة والقوى الغربية استصدار قرار من مجلس الأمن بنشر قوات في أفغانستان بسبب الفيتو الروسي، ولم تقدر الأمم المتحدة على أي دور سوى بعض بيانات الشجب والإدانة من الجمعية العامة UNGA. لذا، قادت الولايات المتحدة جهود إرسال مقاتلين إسلاميين متشددين إلى أفغانستان بدعم من دول كبرى، كالمملكة المتحدة والصين والسعودية وباكستان، وقد اختيرت مواقع على الحدود الباكستانية لتدريب المقاتلين ونشرهم على الجبهات وتوجيههم.

الغزو السوفييتي لأفغانستان

بدأ الدعم الأمريكي السري للمقاتلين الإسلاميين المعادين للشيوعية في أفغانستان عام 1979، إذ زودتهم بمعدات اتصال.[14] المقاتلون سموا أنفسهم مجاهدين وكانوا في المعظم مزارعين، نظَّمهم فقهاء وملاك الأراضي الذين رأوا أن حكومة نور تراقي ليست فقط حكومة فاسدة وظالمة، لكنها أيضًا خائنة للدين والوطن.

دعمًا لهذا الحراك المناوئ للسوفييت، أنشأت لجان استخباراتية مشتركة قاعدة تحرك في باكستان قريبة من الحدود الأفغانية، تحت إشراف كامل من وكالة المخابرات المركزية الأمريكية وزيارات متكررة من مسؤولين أمريكيين كبار، مثل بريجينسكي ذاته الذي خطب مرارًا في حشود من هؤلاء المجاهدين على الحدود الباكستانية الأفغانية.

حصلت الخطة الأمريكية على دعم سياسي ولوجيستي (كالسلاح السوفييتي) مع دول ذات تأثير كالصين وتشيكوسلوفاكيا، بالإضافة إلى تمويل سخي من المملكة العربية السعودية التي أرادت طرد الراديكاليين الإسلاميين من أراضيها، حيث ضاقت بهم الحكومة السعودية خاصة بعد حادثة الحرم المكي في نوفمبر/ تشرين الثاني 1979.

اعتبر الجيش الروسي أن المجاهدين هم قوات أمريكية لا ينقصها سوى زي الجيش الأمريكي وتأدية التحية للعلم الأمريكي، ووجه جنوده نحو هذه العقيدة.[15] كان هذا النوع من الحروب كارثيًّا للجيش الأحمر الذي تعود وبنى جل خبراته على الحروب التقليدية، الخطية التناظرية معلومة العدو ومعروفة الطوبوغرافيا، على منوال ممارساته مع الناتو في أوروبا الشرقية والصين في سهول منشوريا، وقد شكل كل تقدم عسكري لهذا الجيش إخفاقًا جديدًا وتورطًا أكبر.

ومع انتخاب دونالد ريجان رئيسًا للولايات المتحدة عام 1980، زادت المساعدات الأمريكية لـ”المجاهدين” المناوئين للسوفييت في أفغانستان، وازداد تورط السوفييت. أدارت وكالة المخابرات المركزية الأمريكية وجهاز الخدمة الخارجية البريطاني MI6 والمخابرات العسكرية الباكستانية معظم عمليات التدريب والتوجيه والإمداد اللوجستي والإستراتيجي وأعمال التخريب، وكانت القيادة الإستراتيجية في يد مجموعة مجلس الأمن القومي برئاسة الرئيس ريجان.

وكما هو حاصل في حالات سابقة، قطع “المجاهدون” خطوط الإمداد والتموين على السوفييت، إما بإيعاز من لجان المخابرات الرابضة على الحدود، وإما بداعي الجوع بسبب ضعف التموين الحاصل في شبكة الإمداد اللوجستي شديدة السوء، فقد كانوا يتلقون تدريبهم ويُدفَع بهم إلى الداخل الأفغاني، وكانت ترسل قوافل أغذية بين فينة وأخرى كانوا يستفيدون منها، لكن مع منتصف الثمانينات، دفعت الولايات المتحدة بمتغير هام أدى إلى ليّ أعناق السوفييت في وقت كانوا فيه عالقين فعلاً بالوحل الأفغاني، ألا وهو إمداد المقاتلين في أفغانستان الذين اعتبروا كقوات بديلة Surrogate Forces بصواريخ أرض – جو من طراز ستينجر Stinger. ففي خلال عامين، أسقطت صواريخ ستينجر نحو 350 طائرة روسية ما بين طائرات ثابتة الجناح وطائرات عمودية، وهو السلاح الذي دفع السوفييت فعلاً للتسليم بخسارتهم هذه الحرب. صمم السوفييت إستراتيجية انسحاب تدريجية بدأت بإعلان إيكال مهمة الحرب إلى الجيش الأفغاني، وصولاً إلى التوقيع على معاهدات جنيف عام 1988 في إطار خطة البيروسترويكا التي تبناها ميخائيل جورباتشوف.[16]

بعد خروج السوفييت وبدء التناحر الداخلي بين الجماعات المسلحة في أفغانستان، استتبت السلطة لتحالف القاعدة – طالبان وسط سخط كبير من الجماعات الأخرى وفي أتون روح عرقية عصبية سادت خلال تلك الفترة، تأسس تحالف الشمال من معظم المناوئين لحكم طالبان، وكان اعتماد قوات التحالف الدولي في غزو أفغانستان عام 2001 على هذا التحالف. فقد كلفت قوات تحالف الشمال المدعومة من دول الشمال الأفغاني (أوزبكستان وطاجيكستان وهما عضوان في التحالف الدولي) بأن تزحف من الشمال صوب كابول كجزء من خطة التحالف الدولي لإسقاط حكومة طالبان وغزو أفغانستان. لم يواجه تحالف الشمال عقبات جمة واستطاع الوصول إلى كابول في وقت قياسي.

 حرب العراق 2003: حروب الإنابة في طور جديد

بعد غزو أفغانستان بعامين، اضطر تومي فرانكس قائد حملة التحالف الدولي إلى إسقاط نظام صدام حسين (عملية الحرية الدائمة Operation Enduring Freedom) إلى أن يقلد خطته لغزو أفغانستان 2001، خاصة بعد رفض تركيا استخدام القوات الأمريكية لأراضيها في أعمال حربية ضد العراق.[17] فقد كانت الخطة الأصلية تقضي بإرسال 4 فرق مشاة أمريكية وفرقة بريطانية لغزو العراق من الكويت، بالإضافة إلى فتح جبهة شمالية عن طريق تكليف فيلق المشاة الرابع في الجيش الأمريكي بهذه المهمة على أن ينطلق من تركيا، مع تكليف فرق العمليات الخاصة ببعض العمليات على الجبهتين الشمالية والجنوبية ومن بينها التنسيق مع الأكراد. وفي هذه الخطة، ستكون من مهام فرق العمليات الخاصة تهيئة ساحة المعركة فقط للفيلق الرابع. لكن بعد أن أوصدت تركيا الأبواب أمام التحالف قبل 3 أسابيع فقط من موعد بدء الهجوم، صارت خطة الغزو مهددة، واستبشر الجيش العراقي ونقل بعض فرقه العسكرية من الشمال إلى الجنوب استعدادًا للغزو.

حرب العراق 2003

في ظل هذه الظروف، أقدم فرانكس على إيكال مهام عملية رحلة الشمال جمعاء لقيادة العمليات الخاصة ومعها فرق البشمرجة، على أن تتولى فرق العمليات الخاصة أعمال الإعداد الميداني والمناورة والاختراقات المطلوبة داخل الأراضي العراقية وفي قلب فرق الجيش العراقي، وتتولى البشمرجة الانتشار والتأمين والسيطرة على المدنيين. وقد دُعِمَت عملية رحلة الشمال التي تنفذها العمليات الخاصة والبشمرجة بأسلحة حديثة ومناسبة للطوبوغرافيا الكردية، مثل عربات GMV الضخمة لنقل الإمدادات وسيارات Humvee المزودة بصواريخ جافلين Javelin لتدمير المدرعات والتصدي لسلاح الجو المعادي. وقبيل شن الحرب بأيام، تولت طائرات النقل الإستراتيجي طراز سي-17 جلوب ماستر وسي-130 نقل الكتيبتين المجوقلتين الثانية والثالثة من فرقة القوات الخاصة العاشرة، من معسكراتها في فورت كارسون بألمانيا، مع عتادهم اللازم خلال الحرب، وتسللت تحت ستار الليل إلى شمال الأردن وغرب العراق، حيث انضمت الفرقتان إلى قوات البشمرجة.

في التاسع عشر من مارس/ آذار 2003، وفي وقت بدء الهجوم، تحركت كتائب القوات الخاصة بصحبة البشمرجة إلى العمق العراقي، وتلقت تعزيزًا بالكتيبة الثالثة من فيلق القوات الخاصة الثالث المرابض في ذاك الوقت بالبحر المتوسط. ورغم متابعة العالم أجمع تطورات الهجوم عبر الإعلام، لم يلتفت أحد إلى عملية المحور الشمالي التي ستنفذها القوات الخاصة، رغم أن بعض معاركه كان حاسمًا في الحرب، مثل معركة الخط الأخضر التي شاركت فيها فرق العمليات الخاصة، مدعومة بالبشمرجة التي كانت قواتهم البديلة خلال تلك الحرب، والذين تركزت مهامهم فيها على اختراق خطوط الجيش العراقي والوصول إلى حقول النفط في كركوك. خلال طريقهم إلى كركوك جرت معركة كبرى ساعدت فيها فرق البشمرجة بشكل كبير هي معركة “ممر ديبيكا”، على الرغم من الأخطاء التي شابتها بسبب قلة خبرة البشمرجة وضعف التنسيق مع فرق القوات الخاصة المشتركين معهم في العمليات.

لقد كانت حرب العراق 2003 نقطة تحول ضخمة في الاستعانة بالقوات البديلة (البشمرجة) حتى إن كامل الخطة مصمَّم على أدوار مركزية للعمليات الخاصة وقوات البشمرجة، دون أي دور يذكر لأي فرق عسكرية من قوات التحالف، وهو ما اعتبر ثورة في الشؤون العسكرية.

قد يكون فرانكس غامر فعلاً بتكليف القوات الخاصة وقوات البشمرجة بتغطية محور الشمال بمفردها، لكن هذه المحاولة كشفت عن أدوار جديدة وكبرى يمكن للقوات الخاصة والقوات البديلة تنفيذها بدلاً من الجيوش التقليدية، مع تطور وسائل النقل والاتصالات وتكنولوجيا السلاح والعتاد والذخيرة، خاصة في منطقة تموج بالتقلبات السياسية والاجتماعية العنيفة كالشرق الأوسط.

5- حروب الإنابة في الشرق الأوسط: الديموغرافيا والجيوبوليتيك

بدأت انتفاضة ضد العقيد معمر القذافي في ليبيا في 18 فبراير/ شباط 2011 وكانت بداياتها في الشرق، وسرعان ما انتقلت من الشرق إلى الغرب لأسباب عديدة، وطبقًا لقراري مجلس الأمن 1970 و1973 الصادرين تباعًا في فبراير/ شباط ومارس/ آذار 2011، طبّق حلف الناتو حظر الطيران والقصف بالصواريخ والطائرات في ما عرف بعد ذلك بعمليتي “فجر أوديسا” و”الحامي الموحد”.

ورغم نفي الناتو نفيًا قاطعًا بأنه لا علاقة له بقوات مدنية شبه عسكرية نسقت معه على الأرض،[18] فإنه من المسجل والمؤكد إرسال فرنسا وإيطاليا وبريطانيا مستشارين عسكريين[19] لرفع خبرات قوات الثوار الليبيين في بدايات الصراع في 2011 بالإضافة إلى دفعات سلاح فرنسية[20] وإيطالية وأمريكية معلن عنها، وهذا هو نفس النهج الذي اتُّبِع في أفغانستان؛ إرسال إمدادات أسلحة ومستشارين عسكريين للتخطيط والتوجيه والتدريب.

على نحو متطور من هذا، تدخلت القوى الغربية في الصراع السوري على وجهين: الأول دعم قوات سوريا الديموقراطية بالسلاح الخفيف، وقد تلقت القوات الكردية في سوريا مئات الأطنان من السلاح الأمريكي، ما أثار حفيظة تركيا بسبب حساسية ملف الأكراد بالنسبة إليها. وفي معركة القوات الكردية في منبج مع داعش، شاركت القوات الخاصة الأمريكية والفرنسية والألمانية مع الأكراد في تلك المعركة.[21] كما نفذت القوات الأمريكية والفرنسية أعمال إنشاءات لقواعد عسكرية في كوباني تحت حماية القوات الكردية. [22]

على الجانب الآخر، ومن أجل احتواء الغضب التركي ولأسباب أخرى، قامت الولايات المتحدة في 2014 بإعداد برنامج تدريب وتجهيز السوريين[23] من المعارضين السوريين غير الإسلاميين الموجودين في تركيا بقيمة 500 مليون دولار. وقد تحدد 700 مرشح لتلقي التدريب الذي تولاه 1000 جندي أمريكي ونحو 100 جندي بريطاني سمحت لهم تركيا بالتدريب على أراضيها، إلا أن أولى المجموعات التي تلقت التدريبات واجهت مصائر مجهولة بعد دخولها سوريا على أيدي جبهة النصرة رغم التغطية الجوية الأمريكية لهم.[24] لكن في أكتوبر/ تشرين الأول 2017، دشنت الولايات المتحدة فصلاً آخر من البرنامج لتدريب وتجهيز قوات سوريا الديموقراطية لمحاربة داعش وتطهير الرقة.[25]

في الحالتين الليبية والسورية وحتى اليمنية، تتمثل معايير القوات البديلة أو حروب الإنابة كافة، لكن من دون مغامرة الجنرال فرانكس في العراق 2003 لم يكن ليتطور هذا النوع من الحروب وعمليات الإسناد العملياتي بهذه الصورة، فهناك فوارق ضخمة في نمط التعاون المتبع في الحرب العالمية الثانية مع المقاومة الفرنسية وفي الحرب الأهلية السورية مع قوات الأكراد. الفارق بينهما ليس فقط في الوقت بقدر ما هو فارق في الخبرة في إدارة القوات البديلة وتدريبها وتجهيزها، وكذلك فارق في التكنولوجيا وأدوات الاتصال، بالإضافة إلى التحولات الحادة التي شهدتها المنظومة منذ ذلك الوقت، ولعل هذا يبرز الفارق بين الجيلين الثالث والرابع من الحروب.

6- العولمة والنظام الدولي وحروب المستقبل

شكلت حرب العراق 2003 نقطة تحول كبرى في ملامح وهيئة حروب الإنابة ودور القوات البديلة في الصراعات العسكرية، فكان للمرة الأولى إسناد كامل لكل المهام العسكرية المسندة إلى فرق وجيوش نظامية تقليدية إلى هذا النوع من المقاتلين غير النظاميين، وقد أثبت هذا النوع من الإسناد كفاءة جيدة على أكثر من محور:

  1. أن التوسع في التحالف مع اللاعبين المسلحين من غير الدول، وتنظيمات التطرف العنيف، من جانب بعض الدول وإسناد المهام بهذه الصورة الكاملة لقوات بديلة، هو جزء من الاتجاه العالمي لخصخصة الحروب وخصخصة المجالات الأمنية والعسكرية بالكامل. وهذا يتماشى كثيرًا مع الاتجاهات السياسية والاجتماعية والاقتصادية في عصر العولمة الذي نحياه. كما أن تناقص وضعف هيبة الدول وسيادتها في المنظومة الدولية الحالية لصالح الشركات والمصالح الاقتصادية المتعدية والتجارة الحرة، تتطلب من صانع القرار العسكري والإستراتيجي التماهي ولو جزئيًّا مع هذه الروح الجديدة التي تسود، وإظهار المرونة لها حتى لا تنكسر قدرة الدول على الفعل السياسي قبل العسكري.

  2. أن التكنولوجيا المتقدمة التي بدأت الجيوش الكبرى في تسليمها للقوات البديلة منذ تسليم صواريخ ستينجر لـ”المجاهدين” هي عامل حاسم في تغيير شكل الحروب. فهذه الأسلحة لا تتطلب تدريبات معقدة تستثني كثيرين. فالتقدم التكنولوجي في المجال العسكري سهّل كثيرًا من طريقة التعامل مع الأسلحة ويسرها.. فقط تدريبات خفيفة والأسلحة هي التي تتولى بقية المهمة، وهو ما حدث في حالة صواريخ جافلين التي حسمت معارك شمال العراق في 2003 ضد فرق دبابات الجيش العراقي، وكذلك مركبات GMV التي وفرت على عناصر العمليات الخاصة والبشمرجة أمور الإمداد، وسرعت من أدائهم وصولاً إلى الهدف بأقصى سرعة.

  3. أن مسألة الغطاء الاجتماعي الذي يقدمه المسلحون المحليون هو أمر في غاية الخطورة بالنسبة إلى القوى المتصارعة، فالأكراد وقوات البشمرجة في حالة حرب العراق 2003 على سبيل المثال وفروا غطاء اجتماعيًّا لقوات التحالف، بالإضافة إلى سيطرتهم على المدنيين، وهذا يوفر على القوات مؤونة التواصل مع جماهير غاضبة في أوقات عصيبة وهي جماهير تحمل ثقافات مختلفة عن ثقافة القوات المهاجمة. وحتى مع وجود تدريب وتوجيه ثقافي ومعنوي للقوات، فإن احتمالية استيعاب العناصر لكل المدخلات السياسية والثقافية والتاريخية لأمة ما في وقت المعركة قد تكون ضئيلة، وهو ما يؤدي إلى مشكلات مع المجتمعات المحلية بعد دخول القوات.

  4. أن المقولة الخالدة للمفكر الصيني الكبير “صن تزو”، التي يقول فيها “اعرف عدوك، اعرف نفسك”، تتجلى بمنتهى القوة في إطار حروب الإنابة والقوات البديلة. فقد صار خوض الحروب بالنسبة إلى القوى العظمى شديد التكلفة على الاقتصادات القومية والاقتصاد العالمي والسمعة السياسية والشرف العسكري، وغير ذلك من العوامل والأبعاد. لذا، مع انخفاض تكلفة حروب الإنابة والنظر في آثارها الجوهرية، فإنها صارت الخيار الأساسي في صراعات البيئة الدولية في شكلها الحالي.

  5. أن البيئة الإستراتيجية الدولية لم تعد تسمح بنحو أو بآخر بأي حرب تقليدية من أي نوع، نظرًا إلى هشاشة الظرف الإستراتيجي في النظام العالمي، الذي يمر بمخاض صعب وتحول بطيء بدأ منذ الأزمة المالية العالمية في 2008 ولن يُحسَم قبل 10 سنوات على الأقل. لذا، فإن كل الصراعات العسكرية منذ 2008 حتى الآن، خصوصًا في الشرق الأوسط، هي في جوهرها حروب غير تقليدية Unconventional Warfare نظرًا إلى دقة الظرف الدولي، ولعدم قدرة أي طرف داخل المنظومة الدولية على اتخاذ قرار الحرب حتى الولايات المتحدة ذاتها، وهو ما يمكن تفسيره بنحو مثالي في إطار نظرية الاعتمادية المركبة Complex Interdependence التي يتداولها الواقعيون الجدد والليبراليون الجدد مثل جوزيف ناي وريتشارد كوبر.

لقد كان في انهيار حائط برلين 1989 انهيار لنظام دولي قام على مبدأ الطوارئ الدائمة وسردية الحرب القادمة، وخطوط الاتصالات الإستراتيجية الحمراء التي حددت مصير العالم بأسره. بعد انهيار الاتحاد السوفييتي وتربع الولايات المتحدة على عرش العالم، دشنت الولايات المتحدة (خلال التسعينات) لنظام دولي يقوم على ثنائية “خفض التصعيد والتنمية”، لكن إستراتيجيات التطوير الاقتصادي والتنمية لم تكن عملاً اقتصاديًّا مجردًا: فالتطور الاقتصادي وزيادة الناتج المحلي العالمي استتبعه تطوير للعلاقات التجارية بين الدول وشق خطوط تجارة إضافية. ازدادت أعباء الولايات المتحدة في أعالي البحار، وأنتجت حاملات طائرات ومجموعات قتالية جديدة، وضمت قواعد عسكرية جديدة حتى وصلت إلى 72 قاعدة في أنحاء العالم، تضم 855 منشأة عسكرية ويزيد عدد طواقمها على 300 ألف فرد، مع انتشار أفقي في 150 دولة.

وفقًا لهذا، فإن المصفوفة غير التقليدية لهياكل القوى في عالمنا اليوم تحتاج إلى تعامل ديناميكي في كل المجالات، خصوصًا في ما يتعلق بالأمن والسلم الدوليين. من هنا جاء الحديث عن الحروب غير التقليدية UW والحروب الهجينة HW التي اعتبرت آخر موجات الثورة في الشؤون العسكرية، كوسائل للسيطرة على بؤر المشكلات وتحويطها بمرونة مركَّبة تستغل التكنولوجيا والمعلومات والديموغرافيا والثقافات والموارد بما يتواكب مع روح العصر ولا يخل بتوازناته.

المراجع:

[1] Major Allen E. Day, USAF, Implications of Surrogate Warfare (Newport, R.I.: Naval War College, 2002), 4.

[2] Waheeda Rana, Theory of Complex Interdependence: A Comparative Analysis of Realist and Neoliberal Thoughts, International Journal of Business and Social Science Vol. 6, No. 2; February 2015

[3] أنس القصاص: قراءة نقدية للإستراتيجية العسكرية الأمريكية ، أغسطس/ آب 2015

http://www.masralarabia.com/%D8%A7%D8%B6%D8%A7%D8%A1%D8%A7%D8%AA/%D8%AA%D8%AD%D9%84%D9%8A%D9%84%D8%A7%D8%AA/701853-%D9%82%D8%B1%D8%A7%D8%A1%D8%A9-%D9%86%D9%82%D8%AF%D9%8A%D8%A9-%D9%84%D9%84%D8%A5%D8%B3%D8%AA%D8%B1%D8%A7%D8%AA%D9%8A%D8%AC%D9%8A%D8%A9-%D8%A7%D9%84%D8%B9%D8%B3%D9%83%D8%B1%D9%8A%D8%A9-%D8%A7%D9%84%D8%A3%D9%85%D8%B1%D9%8A%D9%83%D9%8A%D8%A9-2015

[4] The National Military Strategy of the United States of America 2015, US Joint Chief of Staff, June 2015

http://www.jcs.mil/Portals/36/Documents/Publications/2015_National_Military_Strategy.pdf

[5]  2017 DEFENSE POSTURE STATEMENT: Taking the Long View, Investing for the Future, Secretary of Defense Ash Carter, February 2016, p16

https://www.defense.gov/Portals/1/Documents/pubs/2017DODPOSTURE_FINAL_MAR17UpdatePage4_WEB.PDF

[6] Russian National Security Strategy, December 2015

http://www.ieee.es/Galerias/fichero/OtrasPublicaciones/Internacional/2016/Russian-National-Security-Strategy-31Dec2015.pdf

[7] Strategic Concepts: https://www.nato.int/cps/en/natohq/topics_56626.htm

[8]  أنس القصاص، العلاقات التركية الأوروبية في ظل صعود اليمين، مجلة السياسة الدولية، عدد إبريل/ نيسان 2017.

http://www.siyassa.org.eg/News/12053/%D9%85%D9%86-%D8%A7%D9%84%D9%85%D8%AC%D9%84%D8%A9/%D8%A7%D9%84%D8%B9%D9%84%D8%A7%D9%82%D8%A7%D8%AA-%D8%A7%D9%84%D8%AA%D8%B1%D9%83%D9%8A%D8%A9%E2%80%AE-%E2%80%AC%D8%A7%D9%84%D8%A3%D9%88%D8%B1%D9%88%D8%A8%D9%8A%D8%A9-%D9%81%D9%8A-%D8%B8%D9%84-%D8%B5%D8%B9%D9%88%D8%AF-%D8%A7%D9%84%D9%8A%D9%85%D9%8A%D9%86.aspx

[9] Normandy Breakout, US Army Europe Website

www.eur.army.mil/pdf/Normandy-Breakout.pdf

[10] Normandy, Center of Military History, United States Army

https://history.army.mil/html/books/072/72-18/CMH_Pub_72-18.pdf

[11] James R. Ward, The Activities of Detachment 101 of the OSS (1942-1945), The Secret War: The Office of Strategic Services in World War II, George C. Chalou, 1995

[12]Francis John Kelly, The Green Berets of Vietnam – The U.S. Army Special Forces 61-71, ARCHIVE MEDIA PUB Limited, 2013

[13] “Meet the Press”: Jimmy Carter Interview with Bill Monroe, Carl T. Rowan, David Broder, and Judy Woodruff, NBC, January 20, 1980

http://www.presidency.ucsb.edu/ws/index.php?pid=33060

[14] Robert Gates, From the Shadows: The Ultimate Insider’s Story of Five Presidents and How They Won the Cold War, Simon & Schuster Paperbacks, 2007 (p 170-180) 

[15] Alex Alexiev: The War in Afghanistan: Soviet Strategy and the State of Resistance, Rand Corporation, 1984

https://www.rand.org/content/dam/rand/pubs/papers/2008/P7038.pdf

[16] Bruce Riedel, America’s Secret War in Afghanistan (1979-89), Brookings Institution Press, 2014

[17] Turkey rejects U.S. troop proposal, CNN, March 2nd, 2003

http://edition.cnn.com/2003/WORLD/meast/03/01/sprj.irq.main/

[18]https://www.nato.int/cps/ic/natohq/topics_71652.htm

[19]https://www.washingtonpost.com/world/libya-vows-to-fight-any-foreign-troops-on-its-soil-rebuffs-eu-proposal/2011/04/19/AF7GP34D_story.html?utm_term=.382046a7abfa

[20]https://www.washingtonpost.com/world/france-sent-arms-to-libyan-rebels/2011/06/29/AGcBxkqH_story.html?utm_term=.bbe46deec7d6

[21]  http://www.newsweek.com/france-admits-special-forces-operating-ground-rebels-syria-468434

[22]  https://www.voanews.com/a/us-confirms-involvement-in-syria-airport-expansion/3176116.html

https://www.reuters.com/article/us-mideast-crisis-syria-usa-base/u-s-builds-two-air-bases-in-kurdish-controlled-north-syria-kurdish-report-idUSKCN0W80R7

https://sputniknews.com/middleeast/201606141041316184-french-troops-kobani-syria/

[23] Train and Equip Program for Syria: Authorities, Funding, and Issues for Congress, Congressional Research Service, published on the Defense Technical Information Center

http://www.dtic.mil/docs/citations/ADA622754

[24]https://www.annahar.com/article/255962-%D8%AC%D8%A8%D9%87%D8%A9-%D8%A7%D9%84%D9%86%D8%B5%D8%B1%D8%A9-%D8%AA%D8%AE%D8%B7%D9%81-8-%D9%85%D9%82%D8%A7%D8%AA%D9%84%D9%8A%D9%86-%D9%85%D9%86-%D9%81%D8%B5%D9%8A%D9%84-%D8%B3%D9%88%D8%B1%D9%8A-%D9%85%D8%B9%D8%AA%D8%AF%D9%84-%D9%85%D8%AF%D8%B1%D8%A8%D9%8A%D9%86-%D9%81%D9%8A-%D8%AA%D8%B1%D9%83%D9%8A%D8%A7

[25]https://sputniknews.com/middleeast/201710231058458707-us-coalition-raqqa-training-sdf/

أنس القصاص

باحث في الشؤون الإستراتيجية والدولية والمستشار السابق بالأمم المتحدة

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى