دراساتمختارات

الحرب البديلة: أجيال التكنولوجيا تنحت عالمًا جديدًا

مقدمة:

تشهد خريطة القوى الوطنية والسياسية السودانية تحولات واستقطابات متسارعة في المرحلة الانتقالية التي يمر بها السودان، والتي مددها اتفاق السلام الأخير في جوبا إلى 39 شهرًا بدءًا من أكتوبر/ تشرين الأول 2020 لتنتهي حسب المتوقع قبل ربيع عام 2024.

وفيما تُمثِّل الفترة الزمنية –في حد ذاتها- إشكالية جوهرية حول طبيعة المرحلة الانتقالية وتصور الأطراف الوطنية السودانية لها، يوضح استقراء خريطة هذه القوى إلى حد كبير العلاقات الحاكمة بينها على امتداد المرحلة المقبلة، واحتمالات إعادة تموضع مكوناتها.

ويمثل استقراء خريطة القوى الوطنية ضبطًا موضوعيًّا –قدر الإمكان- لديناميات العلاقات بين هذه المكونات راهنًا ومستقبلاً، سواء أكان على مستوى كلي (كأطراف حاكمة ومعارضة) أم فردي. وتُعزِّز هذه الخريطة من القدرة على توقع سلوك هذه المكونات في ظل خبراتها وتصوراتها واحتمالات تنقلها إلى مواقف مغايرة باستمرار، نظرًا إلى طول الفترة الانتقالية المتوقعة وصعوبة حسم ملفاتها، خاصة الاقتصادية والسياسية، عوضًا عن عدم قدرة المكون العسكري وشريكه المدني على تبديد غموض مآلات التحول الديمقراطي المستهدف في نهاية المرحلة.

مظاهرات سابقة في السودان

اضغط.. على كل محور يمين الصفحة للقراءة
اضغط.. على كل محور لقراءة مضمونه

 

أولاً: رؤية راهنة للوضع السياسي في السودان

يمر السودان بمرحلة انتقالية منذ سقوط الرئيس السوداني السابق عمر البشير في 11 إبريل/ نيسان 2019، عقب حراك شعبي سلمي منظم، أثار بدوره آمال انتقال السودان إلى حكم رشيد بقيادة مدنية.

غير أن هذا الانتقال تعطَّل في ضوء عدم رغبة بقايا النظام القديم في التغيير الحقيقي، وتخبط المكونات المدنية الثورية في الموقف والسياسات، وتدني كفاءة مؤسسات الحكم الانتقالية نفسها، وتجدد السخط الشعبي من الأداء الحكومي، وسط حالة ترقب -لا تخفى عن أعين المراقبين- من تيارات “الإسلام السياسي” إما للانخراط في العملية السياسية “الديمقراطية” حال إطلاقها، وإما للمناورة مجددًا والتحالف مع المكون العسكري لترجيح قوتها التفاوضية في هذه المرحلة.

وتسعى الخرطوم لتحقيق إنجاز في ملفاتها المعقدة والمتشابكة للغاية، وبعد تحول مهم في سياسة السودان الخارجية ومقاربة علنية للتطبيع مع إسرائيل، وتنسيق محتمل مع إثيوبيا في أزمة حكومتها الفيدرالية الحالية مع “إقليم تيجراي”، تظل الملفات الداخلية بالغة التعقيد وأقل قابلية للحسم، لا سيما الملف الاقتصادي الذي يتوقع أن يظل إشكاليًا طوال المرحلة الانتقالية وما بعدها، وملف إنجاز السلام الشامل وإكمال عملية جوبا، وضمان إدماج جميع مكونات “المسألة السودانية” في المسار السلمي للمرحلة الانتقالية.

وشهد هذا المسار تطورات في نوفمبر/ تشرين الثاني 2020 باستئناف المحادثات مع “الأطراف غير الموقعة على اتفاق السلام بجوبا”، خاصة حركة تحرير السودان بقيادة عبد الواحد النور، والسعي للوصول إلى أفضل سبيل لتحقيق السلام الشامل والعادل والقابل للاستمرار، وتأكيد مشروطية الحركة بتحقيق الاستقرار في إقليم دارفور [1]، وما يعنيه من ضرورة مقاربة قضايا بالغة الحساسية في الإقليم ستؤثر بالضرورة في مكانة نائب رئيس مجلس السيادة محمد حمدان دقلو “حميدتي”.

عبدالله حمدوك

وقبل نهاية 2020 شهدت خريطة القوى السياسية في السودان تغيرًا لافتًا عندما قرر رئيس مجلس السيادة عبد الفتاح البرهان تكوين ما عُرف بـ“مجلس شركاء الفترة الانتقالية” الذي زادت أهميته بعد دخول أطراف السلام (الحركات المسلحة) في الحكومة الانتقالية، في خطوة عكست استقطابًا حادًّا في الخريطة المذكورة، مع اعتراض حكومة رئيس الوزراء عبد الله حمدوك وقوى الحرية والتغيير على “الصلاحيات والسلطات” التي خولها البرهان “للمجلس”، واعتبارها “تغولاً على سلطات الجهازين التنفيذي والتشريعي”؛ لكن البرهان لفت إلى أن المجلس لا علاقة له بأعمال أجهزة الحكم ولا يتدخل في عملها، كما أنه لا يلغي دور المجلس التشريعي الانتقالي الذي لم يتكون بعد (حتى نهاية 2020) وأن هدفه “معالجة التباينات وتقريب وجهات النظر بين المكونات وأجهزة الحكم بما يخدم المصالح العليا للدولة… وتعزيز مهام الفترة الانتقالية”، في إشارة ضمنية إلى دور فاصل للمجلس في إدارة شؤون الدولة.

ويبدو مسار الوضع الراهن في السودان، حتى نهاية المرحلة الانتقالية، محكومًا في المقام الأول بأداء المكون العسكري الذي يُطوِّر بدوره أدواته وشبكة ارتباطاته الداخلية والخارجية، بما يُعزِّز دوره القيادي في المرحلة الانتقالية.

 

ثانيًا: مكونات الحكم الانتقالي في السودان

تتنوع مكونات إدارة المرحلة الانتقالية الحالية في السودان، والتي يمكن تقسيمها إلى مكونين رئيسَين، هما: المكون العسكري (الشامل للقطاع الأمني والتفاعلات العديدة لإدماج القوات شبه النظامية بنحو خاص في المؤسسة العسكرية الوطنية)، والمكون المدني. وشهدت العلاقات بين هذه المكونات تجاذبات لافتة، كان من آخر مظاهرها قرار تكوين مجلس شركاء الفترة الانتقالية ليكون كيانًا موازيًا لتحالف قوى الحرية والتغيير، ويُغيِّر من طبيعة الشراكة المدنية العسكرية في ما تبقى من إطار زمني للمرحلة الانتقالية.

  1. المكون العسكري والأمني

يقع موقف القوات المسلحة السودانية -بمكوناتها النظامية وشبه النظامية التي تؤدي أدوارًا منسقة مع القيادة العسكرية في ملفات عدة مثل الحرب في اليمن والأمن في دارفور- في إدارة المرحلة الانتقالية في قلب العوامل الحاكمة لها، خاصة في ضوء القوة النسبية للجيش السوداني الذي يحتل، رغم التقلبات السياسية الأخيرة، المرتبة 76 عالميًّا (ويسبقه الجيش الإثيوبي في المرتبة 60) من حيث القوة العسكرية وفق تصنيف “جلوبال فاير باور”، ويُقدَّر عدد جنوده في الخدمة بنحو 189 ألف جندي، واحتياطي كبير يصل إلى 85 ألف فرد، ويبلغ عدد من يصلون للخدمة العسكرية سنويًّا 1.2 مليون نسمة. [2]

وقد اضطلعت القوات المسلحة السودانية، إلى جانب جهاز المخابرات والجماعات شبه العسكرية وأبرزها قوات الدعم السريع، بدور مهم منذ سقوط عمر البشير بتكوينها المجلس العسكري الانتقالي، الذي تعهد بالعمل مع قادة حركة الاحتجاج لتوجيه المرحلة الانتقالية، ويلاحَظ أن العلاقات العسكرية-الأمنية ستظل حاضرة مستقبلاً ويصعب الفكاك منها في ضوء وثاقتها وانخراطهما منذ انفصال جنوب السودان، تحديدًا في أنشطة اقتصادية وتجارية مشتركة، وإن لاحظت بعض الدراسات المعنية بالجيش السوداني –على قلتها- ما أحدثه تدفق عائدات البترول من تنافسات بين كبار قادة القوات المسلحة السودانية، بالتزامن مع عدم تحمس القيادة السياسية مُمثَّلة في الرئيس السابق عمر البشير بتحسين القدرات الاحترافية للجيش، وانحيازها أكثر للكيانات الأمنية، ما غذَّى بدوره حالة سخط عارمة داخل الجيش. [3]

وفي ظل الاضطرابات الإقليمية التي تشهدها المنطقة، لا سيما في إثيوبيا وإريتريا، تبدو فرص توثيق الصلات التاريخية العميقة بين القوات المسلحة السودانية ونظيرتها المصرية عاملاً حاسمًا في الفترة المقبلة، في توجه الأولى نحو بناء مؤسسات احترافية يمكنها إدارة مرحلة انتقالية حرجة بالتعاون مع المكون المدني.

البرهان

ومثّلت زيارة رئيس أركان القوات المسلحة المصرية الفريق محمد فريد حجازي مطلع نوفمبر/ تشرين الثاني 2020 دفعة مهمة في هذا المسار، فقد ناقش مع مسؤولي القوات المسلحة السودانية سبل تحسين التعاون العسكري والأمني، والتركيز على إعادة تأهيل القوات السودانية وتدريبها وتعزيز قدراتها على صيانة أمن الحدود ومواجهة الإرهاب والصناعات العسكرية، إضافة إلى إجراء التدريبات العسكرية المشتركة ونقل وتبادل الخبرة العسكرية، وقد خطت مصر خطوة مهمة بتأكيد عمل الجيشين الوطنيين على صياغة إستراتيجية مشتركة لتحقيق مصالح البلدين ومواجهتهما للتهديدات الأمنية في الإقليم برمته [4]، ما يكشف بجلاء عن المسار المرجح للقوات السودانية مستقبلاً بالتقارب مع مصر، الحليف التقليدي للشعب السوداني، وتعزيز احترافيتها وقدراتها السياسية على الانخراط في قضايا المرحلة الانتقالية.

وينعكس توجه القوات المسلحة السودانية نحو محور الاعتدال العربي -الحليف التقليدي الأوثق للمؤسسة العسكرية السودانية في غالب عهد السودان بعد استقلاله- في تعزيز مكانتها في خريطة القوى الوطنية في المرحلة الانتقالية، وإضافة مهمة إلى القدرة التفاوضية لهذه القوات على أكثر من مستوى: إدارة المرحلة الانتقالية وموازنة الميل التقليدي للمكونات المدنية نحو جارة السودان الشرقية إثيوبيا، ومواجهة ضغوط ستتصاعد في الفترة المقبلة من الإدارة الأمريكية على الأنشطة الاقتصادية للجيش السودان، وربما عودة لسياسة البشير التقليدية بمناورة تحالفات السودان مع القوى الدولية، حسب ما ورد من تقارير نهاية عام 2020 عن احتمالات تقارب عسكري روسي-سوداني، ضمن سياسة روسية بالغة النشاط في منطقة القرن الإفريقي مع نهاية 2020.

حمدان دقلو
  1. المكون المدني

برز المكون المدني في مجلس السيادة الحالي شريكًا للمكون العسكري، بعد إعلان المتحدّث باسم المجلس العسكري الانتقالي الفريق أول شمس الدين كباشي (في 20 أغسطس/ آب 2019) صدور مرسوم دستوري بتشكيل مجلس السيادة المؤلف من 11 عضوًا برئاسة عبد الفتاح البرهان (6 مدنيين و5 عسكريين)، وذلك لمدة 21 شهرًا (ينتهي في إبريل/ نيسان 2021) وأن يخلفه مدني للفترة المتبقية ومدّتها 18 شهرًا تنتهي بنهاية المرحلة الانتقالية كما وُضعت مبدئًيا في أكتوبر/ تشرين الأول 2022.

وعُيِّن قائد قوات الدعم السريع محمد حمدان دقلو نائبًا لرئيس المجلس، وانحسر دور المكون المدني في تمرير سياسات وقرارات يضعها رئيس المجلس ونائبه بقدر كبير.

ويواجه المكون بمجلس السيادة السوداني أزمة كفاءة ملحوظة يُقر بها على نحو متزايد عدد كبير من النشطاء والمراقبين على حد سواء، وتتضح الأزمة أكثر عند مواجهة تحديات طارئة، مثل الموقف من إدارة الحكومة للملف الاقتصادي، وطرح بعض قادة المكون حلولاً غير واقعية تُنبِئ بعدم دراية أو خبرة دنيا بالمسائل الاقتصادية، وسبل التغلب على الوضع الاقتصادي بتعقيداته، وضعف الاستجابة لانتهاكات حقوق الإنسان والتردد في اتخاذ موقف واضح منها، ناهيك بعدم القدرة على التعامل بفاعلية مع الانشقاقات السياسية المتوالية في صفوف القوى المدنية الداعمة للمكون.

وعمومًا، يمثل تحالف إعلان الحرية والتغيير قلب المكون المدني في قيادة المرحلة الانتقالية الحالية، وتكوَّن بالأساس حول حراك سياسي قاده في البداية تجمع المهنيين السودانيين، الذي تأسس عام 2013 بعد الاحتجاجات التي عمت البلاد في سبتمبر/ أيلول من ذلك العام، وجاء الإعلان الرسمي عن التجمع في أغسطس/ آب 2018 قبيل أسابيع من اندلاع ثورة ديسمبر/ كانون الأول في العام نفسه، وضم العديد من الأكاديميين من مهندسين وأطباء وأساتذة جامعات، وقد تشكل التجمع ليكون بديلاً للأحزاب والنقابات الرسمية التي كان يسيطر عليها النظام، وسعيًا لتغيير النظام السياسي بوسائل سلمية.

وتعززت قوة “الحرية والتغيير” بفضل زخم “قوى نداء السودان” التي تشكلت في ديسمبر/ كانون الأول 2014 في أديس أبابا، وضمت عدة أحزاب وحركات سياسية وتنظيمات مدنية معارضة مختلفة أبرزها حزب الأمة بزعامة الصادق المهدي، بهدف إيجاد حل للأزمة السودانية وتشكيل حكومة مؤقتة لإدارة البلاد في الفترة الانتقالية، كما ضمت تنظيمات مسلحة مثل الجبهة الثورية المسلحة المكونة من “حركة تحرير السودان فصيل مني أركو مناوي” و”حركة تحرير السودان فصيل عبدالواحد نور” و”حركة العدل والمساواة” بقيادة جبريل إبراهيم و”الحركة الشعبية لتحرير قطاع الشمال”، وشهدت انشقاقات متوالية على خلفية عملية السلام مع الخرطوم والمحاصصة السياسية.

ومثلت “قوى أحزاب الإجماع الوطني” (التي ضمت مجموعة من القوى المدنية المعارضة أبرزها الحزب الشيوعي السوداني والمؤتمر السوداني المعارض وحزبا “البعث العربي والناصري و”مبادرة المجتمع المدني” والعشرات من منظمات المجتمع المدني) قوى إضافية لقوى إعلان الحرية والتغيير، بل وسبق بعض أحزابها، لا سيما الحزب الشيوعي، في المواجهة العملية لنظام البشير وتنفيذ احتجاجات متقطعة قبل ديسمبر/ كانون الأول 2018.

وفي قفز على مسألة مهمة مثل التحقيق في انتهاكات حقوق الإنسان (منذ زخم حركة الاحتجاجات الشعبية السودانية قبل شهور من ثورة ديسمبر/ كانون الأول 2018) اكتفى المكون المدني (خاصة في نوفمبر/ تشرين الثاني 2020) بعقد لقاءات واجتماعات والدعوة لتكوين بعثات تحقيق، كما تمثل في اجتماع المكون مع ما يُعرَف بـ “تجمع القوى المدنية” لمناقشة عدد من قضايا أهمها السلام وعملية الانتقال السياسي في البلاد، و”التأكيد على أهمية تكوين بعثات” وأن اكتمال العملية السياسية سيساعد في نجاح الانتقال السياسي [5]، كما أن المكون المدني لم يتمكن من التعامل مع هشاشة البني السياسية بأحزابها المشاكسة، وحركاتها المسلحة ومكونها العسكري، كما لم يتمتع غالب قادة المكون المدني المتشظي بمهارات تفاوضية وقدرة على المناورة وربما تنسيق رقابة دولية أو إقليمية من أجل إيجاد آليات لتبادل الآراء ووجهات النظر مع أطراف الخارطة السياسية، والاتفاق على تقديم الأجندة الوطنية على ما سواها. [6]

وتشير التحليلات المختلفة إلى أن المكون المدني هُمِّش بقدر كبير في ملفات كاملة تتركز غالبيتها في سياسة الخرطوم الخارجية، ويُرجَّح أن يستمر هذا الوضع حتى “نهاية المرحلة الانتقالية”، ومواجهة اختبار شعبية المكون المدنية الحقيقية حال عقد الانتخابات النيابية والرئاسية في نهاية المرحلة الانتقالية.

مظاهرات سودانية

 

  1. مكون أطراف “اتفاق سلام جوبا”

مثّل اتفاق السلام بجوبا (3 أكتوبر/ تشرين الأول 2020) بين السلطة الانتقالية وتحالف جماعات المعارضة فرصة حقيقية لإنهاء عقود من الصراع الدموي، خاصة وأنه تناول مسائل هامة –بعد عام من المفاوضات- مثل المشاركة في السلطة، وتوزيع الموارد والعدالة الانتقالية والأراضي وحل أوضاع المشردين والأمن.

ورغم توقيع 3 جماعات مسلحة رئيسة على الاتفاق (وهي حركة العدل والمساواة، وحركة تحرير السودان، وحركة التحرير الشعبية-شمال بقيادة جبهة مالك عقار) على الاتفاق فإن فصيلين مهمين هما حركة التحرير الشعبية-شمال جبهة بقيادة عبد العزيز الحلو وحركة تحرير السودان بقيادة عبد الواحد نور، قد رفضا توقيع الاتفاق، مما يمثل –إلى جانب عوائق أخرى- تحديًا أمام تطبيق اتفاق السلام، وسلاسة المسارات الخمسة التي تضمنها الاتفاق في “المرحلة الانتقالية”. [7]

وتتمثل اعتراضات حركة التحرير الشعبية جبهة الحلو على التفاوض مع نائب رئيس مجلس السيادة محمد حمدان دقلو باعتباره رئيسًا لفريق السلطة الانتقالية في المفاوضات (منذ أغسطس/ آب 2020)، وتحلحل الموقف في سبتمبر/ أيلول بلقاء بين الحلو وحمدوك في أديس أبابا بتأكيد الطرفين على “علمانية الدولة” وإلا فإن جنوب كردفان والنيل الأزرق (معقل حركة الحلو) سيكون لهما الحق في تقرير مصيرهما.

وبعد اجتماع جوبا، التقى الحلو بـ”حميدتي” (8 أكتوبر/ تشرين الأول) “لاستعادة الثقة” وقررا استئناف المحادثات بعد عقد ورش عمل لمناقشة العقبات أمام السلام وأبرزها مسألة فصل الدين عن الدولة.

أما حركة تحرير السودان بقيادة عبد الواحد نور (التي تتمركز في دارفور وتسيطر على مساحات معتبرة أهمها في جبل مرة) فأعلنت رفضها عملية السلام ودعت لأن يحل محلها مؤتمر وطني، إضافةً إلى رفض مكونات معارضة مسلحة أخرى للاتفاق، وأكد اتحاد المهنيين والحزب الشيوعي السوداني أن الاتفاق سيُغيِّر توازن القوى نحو مزيد من العسكرة والبعد عن المدنية. [8]

ويعني إدماج اتفاق جوبا للسلام في الوثيقة الدستورية إضافة 3 مقاعد إلى مجلس السيادة ليزيد إلى 14 (ليصير للمكون العسكري الحالي بجانب الثلاثة من حركات المعارضة المسلحة الأغلبية المطلقة مقابل ستة مقاعد فقط للمدنيين) وأن المادة 80 من الاتفاق ستُضاَف إلى الوثيقة الدستورية، ما سيُمهِّد لتكوين “مجلس شركاء” للفترة الانتقالية لمدة 3 أعوام. [9]

  1. ديناميات العلاقات بين مكونات الحكم الانتقالي

فيما كان يتوقع أن تمثل مظاهرات يونيو/ حزيران 2020 دفعة قوية للمكون المدني في مواجهة نفوذ المكون العسكري، مع رفعها شعار “تصحيح مسار الثورة” والتعبير عن رغبة شريحة معتبرة من الشعب السوداني في تحقيق انتقال سياسي حقيقي وملموس عبر دعم سلطة رئيس الوزراء عبد الله حمدوك، وصولاً إلى المطالبة بـ”رحيل الجيش وحماية الثورة”، فإن المحصلة النهائية لهذا الحراك لم تصل إلى غايتها، رغم ما اعتبره مراقبون وقتها ثقلاً إضافيًّا للمكون المدني في هذه المرحلة.

واقتصر تحرك رئيس الوزراء، وفق حدود المساحة المتاحة له، على تعديل وزاري شمل تغيير 6 وزراء بينهم وزراء الزراعة والنقل والبنية التحتية والموارد الحيوانية.

في المقابل تراجع دور الحكومة والمكون المدني بنحو كبير بعد مظاهرات يونيو/ حزيران 2020، ويتوقع أن يتزايد هذا التراجع مع تصدر رئيس مجلس السيادة عبد الفتاح البرهان المشهد السياسي برمته في الملفات الخارجية وتخبط حكومة حمدوك في الملفات الداخلية بنحو لافت.

وبينما تتماسك جبهة المكون العسكري والتقارب بين القوات شبه النظامية والقوات المسلحة السودانية، فإن تحالف الحرية والتغيير يواجَه بنحو متصاعد انتقادات من بعض الأحزاب المكونة له التي رأت أنه ليس عند مستوى مجابهة التحديات التي تواجه البلاد، وأن عليه تحمل المسؤولية التاريخية “وإعادة إنتاج نفسه لمجابهة التحديات الراهنة”، ولوحظ أن ضعف الشق المدني في المجلس السيادي وضعف مجلس الوزراء جاء بالأساس من ضعف قوى الحرية والتغيير نفسها، ونبّه آخرون إلى أن “الوثيقة الدستورية” صِيغَت بـ”عقل مركزي لم يكترث بالأطراف”، وأن التحالف أسير “الذهنية الاحتجاجية” ولا يستطيع تقديم حلول ناجعة للتحديات الراهنة.

 

ثالثًا: المعارضة السودانية

تمتع السودان منذ استقلاله بمعارضة فعالة أكسبته تجربة ثرية بوجود معارضة مؤسساتية ذات أيديولوجيات وأجندات بالغة التنوع والثراء، وصولاً إلى المرحلة الانتقالية الحالية، وتوفر بيئة لنشاط غير مسبوق لهذه القوى.  

احتفالات باتفاق السلام
  • التيارات القومية

ظهر تيار قومي واسع التأثير في القوى السياسية في أرجاء السودان، خصوصًا بين “الأحزاب الشمالية” وأبرزها الحزب الاتحادي الديمقراطي والحزب الشيوعي السوداني وحزب البعث العربي وحزب البعث الناصري، إلى جانب انتشار أفكار هذا التيار داخل بعض الأحزاب الإسلامية وأهمها حزب الأمة القومي بقيادة زعيمه التاريخي الراحل الصادق المهدي.

ورغم أهمية أفكار هذا التيار وتشابكها تاريخيًّا مع قضايا السودان منذ النضال من أجل استقلاله، ومواجهة نظام الإنقاذ الإسلامي بعد انقلاب العام 1989، فإن وضعه الحالي يعبر عن أزمة أيديولوجية “تقليدية” بين مبادئ التيار القومية والداعية إلى قيام نهضة قومية على أساس عصري واشتراكي وديمقراطي، وتوجهات مجلس السيادة الحاكم للمرحلة الانتقالية سواء أكانت السياسية أم الاقتصادية أم سياساته الاجتماعية التي لا تتوافق مع مبادئ هذا التيار بنحو تام، في الوقت الذي يعد فيه التيار كله داخل المكون المدني الحاكم للمرحلة الانتقالية بنحو مباشر أم غير مباشر عبر ترتيبات وتحالفات سياسية.

وفي ضوء تقلص شعبية هذا التيار وسط قطاعات سودانية بمرور الوقت، رغم الدور الرائد الذي لعبه الحزب الشيوعي –على سبيل المثال- في التبشير بثورة ديسمبر/ كانون الأول 2018 وتحمله مخاطرة المواجهة المبكرة مع نظام عمر البشير بالغ السلطوية، فإنه لا يتوقع أن تلبي توجهاته حل معضلات المرحلة الانتقالية، خاصة الاقتصادية، بالنظر إلى اعتماد السودان على تبني خيارات ليبرالية وأفكار السوق المفتوح للخروج من الأزمة الاقتصادية الطاحنة وإعادة إدماج السودان في “الاقتصاد الدولي”، كما أن التوجه “القومي” برمته يواجه معضلات داخلية عميق ومرشحة للتصاعد في أي وقت وعلى وجه الخصوص من قبل المعارضة “المسلحة” التي تتخذ توجهات مناهضة كلية للتيار القومي.

وعلى سبيل المثال، أدانت أحزاب هذه الكتلة، ومن بينها حزب الأمة القومي، توجه مجلس السيادة لتطبيع العلاقات مع إسرائيل، في موقف مغاير لكتلة حزبية لا بأس بها شملت حزب المؤتمر السوداني والحزب الاتحادي الديمقراطي وحزب الأمة القومي (فصيل مبارك الفاضل) والحزب الجمهوري (وهي أحزاب داعمة للمكون المدني ومجلس السيادة) وتحالف الجبهة الثورية السودانية التي أيدت التطبيع، ودعت بعض أطراف الكتلة مجلس السيادة ومجلس الوزراء لإلغاء قانون مقاطعة إسرائيل لعام 1958. [10]

ويؤشر الموقف من التطبيع على توجه كتلة “التيار القومي” لأن تكون معارضة للحكومة في المرحلة الانتقالية التي مُدِّدَت مؤخرًا، مقابل تزايد رقعة أحزاب المولاة المدنية للحكومة ولمجلس السيادة عمومًا، وإن افتقر هذا التيار لقيادة تاريخية بحجم الصادق المهدي قبل نهاية العام 2020، تاركًا فراغًا يصعب شغله.

  • التيار الإسلامي

يواجه تيار الإسلام السياسي، الذي احتل واجهة المشهد السياسي السوداني لعقود، رؤية إقصائية حقيقية حتى من داخل القوى المدنية والديمقراطية على مستوى النخبة والقاعدة.

الحركة الإسلامية السودانية

وترى هذه القوى، التي تسعى لإرساء “نظام علماني” صريح في السودان، أن التجارب التاريخية برهنت على هشاشة رؤى هذا التيار منذ بروزه متمثلاً في الثورة المهدية (في نهاية القرن التاسع عشر، والتي يثار جدل كبير حول تدريسها في المناهج الدراسية قبل الجامعية حاليًّا) وما خلفته تجربة الخليفة عبد التعايشي من احتلال إنجليزي للبلاد وتكريس مبكر لثنائية المركز والهامش التي ظل السودان يعاني منها بعد الاستقلال.

ويسود تصور “علماني” سوداني بأن هذا التيار لم يكن فاعلاً حقيقيًّا في الحركة الوطنية السودانية خصوصًا بعد ثورة 1924.

ووسط حالة تفاؤل حذر، أو مدفوع بالرغبة السياسية إن جاز التعبير، يتوقع مناوئو التيار الإسلامي برمته نجاح الحكومة في إدارة الفترة الانتقالية وفي تجاوز التحديات التي تواجهها، وأخطرها الانقلاب عليها من بعض مكونات نظام الحكم الحالي (المكون العسكري تحديدًا) التي لا تستبعد القوى المدنية والديمقراطية سعيها للانقلاب على مكتسبات الثورة الشعبية السودانية في مرحلة ما، أو إمكانية استعانتها بقوى الإسلام السياسي لاحتواء أي مسار خارج سيطرة هذه المكونات.

وفيما يحشد التيار الإسلامي قواه عبر خلفيات أيديولوجية تبدو متباينة، فإن القوى المدنية والديمقراطية تراهن على أن حكومة حمدوك جاءت بإرادة شعبية متماسكة يصعب تجاوزها سواء أكان عبر تكتيكات تيار الإسلام السياسي أم الانقلاب العسكري، وأن التحدي الأساسي أمام هذه الحكومة هو النجاح في إدارة المرحلة الانتقالية بسلاسة ووضع أسس نظام ديمقراطي لاحقًا والبدء في مقاربة حقيقية لتفكيك معضلة المركز- الهامش على المستويات الاقتصادية والسياسية.

لكن عناصر من الهامش نفسه، خاصة من مناطق النوبة وبعض مناطق دارفور، ترى في تجربة الحكومة الانتقالية تكرارًا لا يتوقع معه حدوث مخرجات جديدة في ظل تمترس الولاءات القبلية والأيديولوجية وراء أبنية سياسية (حزبية) مغلقة طوال عقود (مثل الطريقة التيجانية ذات الانتشار الواضح في دارفور والارتباط السياسي المتعاقب مع جماعات الإسلام السياسي، (خاصة الإخوان المسلمين والتيار السلفي) وهو الأمر الذي يصعب تفكيكه في الفترة القصيرة المقبلة قبل عقد انتخابات تشريعية عقب نهاية المرحلة الانتقالية، كما يغفل قادة القوى المدنية والديمقراطية في السودان، عن عمد واضح، تأثير الارتباط السوداني بدول الخليج العربي (لا سيما السعودية) على جدية “علمنة” النظام السياسي (وإقصاء مكونات تيار الإسلام السياسي حتى التيار السلفي المتنامي) والسماح بتكوين نظام حكم ديمقراطي حقيقي في السودان يحجم دور القوات المسلحة والأجهزة الأمنية (التي لا تزال تستحوذ على البند الأكبر في الموازنة العامة للبلاد، ولم تمس مصالحها على حساب مزيد من الضغط على المواطن السوداني لتحمل عبء الإصلاحات الاقتصادية المقبلة).

  • عناصر بقايا نظام البشير

يشمل هذا التصنيف شبكة واسعة للغاية من المنتمين إلى نظام البشير المنحل، في مقدمتهم أعضاء حزب المؤتمر الوطني السوداني (الذي قام على أنقاض الجبهة الإسلامية القومية في العام 1998) الذين حاولوا باستماتة بقاء النظام وتجاوز ضغط الحراك الشعبي حتى اللحظات الأخيرة له. كما يشمل بعض عناصر “أحزاب الموالاة” التي لم تكن تعارض سياسات البشير وحزبه داخليًّا أو خارجيًّا، لا سيما سياساته الاقتصادية المضطربة التي قادت إلى تدهور الأوضاع المجتمعية بنحو متسارع. ويبرز في مقدمة هذه الأحزاب حزب المؤتمر الشعبي (أسسه حسن الترابي في عام 2001) الذي تبنى معارضة شكلية بوضوح لنظام البشير قبل أن يدخل في تحالف سياسي معه في 2017 وقبول تولي أعضاء من الحزب حقائب وزارية في حكومة المؤتمر الوطني السوداني.

البشير

ويمثل عناصر جماعة الإخوان المسلمين الظهير البارز أيديولوجيًّا لنظام البشير، مع ملاحظة مقربين من دائرة البشير أنه لم يكن “إخوانيًّا” على نقيض ما يروج إعلاميًّا، قطاعًا مهمًّا مما يصنف حاليًّا بـ”بقايا نظام البشير”، رغم مساعي الجماعة في الشهور الأخيرة من نظام البشير انتهاج موقف “توفيقي” يتفهم دوافع الغضب الشعبي ويدعو للتظاهر “بصورة حضارية”، ما يتسق مع مواقف الجماعة البراجماتية تجاه الحركات الشعبية.

إلى جانب ذلك هناك قطاع مسكوت عنه بوضوح، يتمثل في عناصر عسكرية وأمنية (نظامية أو شبه نظامية على حد سواء) لا تزال في الخدمة أو خرجت منها تدين بالولاء لنظام البشير. ولا يمكن –في واقع الأمر- تجاهل تداخل الانتماء الأيديولوجي بالترقي الوظيفي في هذه الأجهزة في عهد البشير، ما يشير إلى أزمة مصداقية في مواقف مكونات قيادة المرحلة الانتقالية من “بقايا نظام البشير”.

وتتجسد تلك الأزمة –على مستوى معياري بحت- وصعوبة تحديد عناصر نظام البشير في ضوء طبيعة النظام كمؤسسة “وظيفية” ومظلية لتيارات وجماعات مصالح متفاوتة وذات غايات تصل إلى حد التناقض، في الدور الذي لعبه مدير الاستخبارات السودانية السابق صلاح قوش (والرجل القوي في نظام البشير) في ملف “تطبيع العلاقات السودانية الإسرائيلية” خلال زيارة رئيس مجلس السيادة الانتقالي عبد الفتاح البرهان للإمارات (سبتمبر/ أيلول 2020) وما استدعاه هذا الدور من اجتماع مهم لقوش مع رئيس جهاز الموساد الإسرائيلي في فبراير/ شباط 2019 (سبق أن نفاه قوش قبل إقالته من منصبه في نهاية الأمر) لمناقشة مستقبل السودان. [11]

وعمومًا، ستظل مسألة “عناصر نظام البشير” ومساعي تحجيمهم أو إقصائهم من الحياة السياسية غير محسومة في الفترة المقبلة لاعتبارات عدة، من بينها نظرة المكون العسكري لمقدرات هذه العناصر مستقبلاً في حالة عقد “مؤتمر دستوري”، وموازنة النفوذ “المدني” المتنامي، في سياسة تقليدية طالما انتهجها الرئيس السابق المعزول عمر البشير، والضغط في مواجهة مطالب “علمانية الدولة”.

  • شبكة التحالفات والتقاطعات بين قوى المعارضة

بالإمكان ملاحظة أن قطاعًا من القوى الوطنية السودانية سيظل في “صفوف معارضة السلطة” في الفترة المقبلة، لا سيما الحزب الشيوعي السوداني والتيار القومي العربي، وستضاف إليه لاحقًا قطاعات نقابية يُتوقَّع أن يزداد دورها مع تفاقم الأزمة الاقتصادية ولجوء الحكومة لمقاربات “نيوليبرالية” عقب الانخراط مجددًا في السوق العالمية والانفتاح على قروض وبرامج صندوق النقد والبنك الدوليين. وقد يكون الإنجاز الأبرز لهذا القطاع، في حالة عقد المؤتمر الدستوري الجامع لوضع دستور جديد للسودان تمهيدًا لنهاية المرحلة الانتقالية، إضافة صياغات حاكمة لمصالح الفئات العمالية والمهمشة، عوضًا عن تضمينه ضمانات اجتماعية ضرورية في المرحلة المقبلة.

ووفق تجربة ثورة ديسمبر/ كانون الأول 2018 ومقدماتها وما نتج عنها، فإن هذا القطاع سيظل المخلص الأول لمطالب حركة الاحتجاجات السودانية والساعي لتحقيق تنمية اقتصادية شاملة للمركز والأطراف، وإعادة توزيع السلطة، والدفع باتجاه مشروع وطني سوداني حقيقي.

وفي محور آخر تظل اعتبارات التيار الإسلامي (بمختلف أطيافه) مرهونة بالانتكاسة التاريخية التي مني بها من جراء ثورة ديسمبر/ كانون الأول 2018 وسقوط نظام البشير الذي ظل يدعم التيار، ويناور به في الوقت نفسه، وستقترب خياراته بنحو حاسم من المكون العسكري بالحكم الانتقالي بصرف النظر عن سياسات هذا المكون الداخلية أو الخارجية، ما سيعزز رغبة متبادلة في إثبات الوجود السياسي- الشعبي، ومواجهة ما يعده الطرفان تهديدات مشتركة مثل علمانية الدولة وتغول الهامش على حساب المركز “العربي- الإسلامي”.   

 

رابعًا: تصورات “القوى الوطنية” لمستقبل السودان وقضاياه

يمكن رصد تصورات القوى لوطنية في السودان لمستقبله بالرجوع إلى عدة مسائل مهمة على النحو الآتي:

  • شكل الدولة والتحول الديمقراطي

يقصد بشكل الدولة سعي المرحلة الانتقالية لإرساء دولة مدنية وديمقراطية عبر وسائل الحكم الانتقالي مثل المجلس التشريعي الانتقالي وإجراء انتخابات نيابية ورئاسية وضمان عدالة انتقالية ناجزة وتعزيز شمول كل مكونات الشعب السوداني في أبنية الدولة (خاصة حل أزمة الهامش أو الأطراف والمركز).

وقد خطت قيادة المرحلة الانتقالية في سبتمبر/ أيلول 2020 خطوة مهمة في هذا المسار، حسب أجندتها المتقلبة في واقع الأمر والمرهونة بقدر كبير على أطراف “عملية السلام” في دارفور والمنطقتين “جنوب كردفان والنيل الأزرق”، فقد كان التوقيع في أديس أبابا على “إعلان مبادئ” بين الحكومة وجماعات متمردة على “فصل الدين عن الدولة وعدم التمييز ضد أي مواطن على خلفية الانتماء الإثني لضمان المعاملة المساوية لجميع مواطني السودان”، والتأكيد على أن السودان مجتمع متعدد عرقيًّا وإثنيًّا ودينيًّا وثقافيًّا، وأن السودان لن يقر “دينًا رسميًّا” للبلاد، أو في ما عرف بتبني “علمانية الدولة”، الأمر الذي أثار رفضًا واسعًا من مختلف أطياف التيارات الإسلامية سواء الراديكالية والمعتدلة، وكذلك لدى قيادات دينية تقليدية.

لكن لا يبدو أن مثل هذا الملف بالسهولة التي قد يبدو عليها، فحسب إشارات متكررة من المكون العسكري وقياداته، وبعض أطياف المكون المدني، فإن مسألة شكل الدولة لن تُحسَم إلا عبر المؤسسات التشريعية “الدائمة”، سواء المجلس التشريعي الذي سيتوج نهاية المرحلة الانتقالية، وفكرة المؤتمر الدستوري الذي يعول عليه بعض المكونات لتحقيق دعم شعبي كبير وراء مواجهة فكرة علمانية الدولة، وإعادة ضبط مسار التحول الديمقراطي برمته عبر تحقيق جماهيرية حاسمة بين قطاعات مختلفة من الشعب السوداني لا يُستثنى منها الإسلاميون وأتباع الطرق الصوفية وبعض التيارات قومية التوجه.

  • الإصلاح الاقتصادي

يواجه الاقتصاد السوداني أزمة “سقوط حر” في حين أن الحكومة الانتقالية تدفع ثمنًا باهظًا لقاء وصول البلاد إلى التمويل الدولي.

المؤتمر الاقتصادي بالسودان

وقد ظلت حكومة الخرطوم طوال عام، لا سيما منذ زيارة عبد الله حمدوك لواشنطن نهاية العام 2019، تحاول شطب اسم السودان من لائحة وزارة الخارجية الأمريكية للدول الراعية للإرهاب، الأمر الذي يحول دون حصول السودان على قروض أو إعفاء من الديون من البنك الدولي أو صندوق النقد الدولي أو أية مؤسسة مالية أخرى مقرها في الولايات المتحدة، وتخطي الحظر المفروض على منحه مساعدات وصادرات عسكرية، أو تلقي مساعدات غير طارئة من دول أخرى، وتوقف الصفقات التجارية. [12]

ورغم الضجة الإعلامية المصاحبة لمسألة رفع اسم السودان من اللائحة، فإنه مع تفعيل مثل هذا القرار سيظل تأثيره الحقيقي مؤجلاً لفترة قد تستغرق المرحلة الانتقالية، خاصة وأن خبراء يتوقعون استمرار عوامل أخرى داخل السودان تعوق إعادة انخراط المستثمرون والبنوك الأجنبية في الاقتصاد السوداني، وأن رفع اسم السودان سيسمح للولايات المتحدة بالانخراط على نحو أكثر إيجابية في صندوق النقد الدولي والبنك الدولي بما في ذلك ما يتعلق بتقدم السودان نحو الحصول على إعفاء من الديون، وهي مسألة تتطلب عوامل أخرى إضافية، ما يعني أنه لن يكون للخطوة أثر فوري واضح. [13]

 

  • التحول المؤسساتي للجيش السوداني

يمثل وضع القوات المسلحة السودانية قضية ملحة في المرحلة الانتقالية، ومحدِّدًا بالغ الأهمية في مسارها. وفيما مثل الجيش السوداني، والأجهزة الأمنية الموازية، عماد نظام عمر البشير، فإنه يمثل العامل الأكثر حسمًا في ضبط مسار المرحلة الانتقالية وتوازناتها الداخلية والخارجية. وإلى جانب هذا الدور الذي لا يتوقع تراجعه مستقبلاً فإن الجيش نفسه يمر بمرحلة تحول مؤسساتي لافت تمكن ملاحظته بنحو خاص منذ منتصف 2020 مع بدء ما عرف بعملية إدماج قوات الدفاع الشعبي (المكونة بعد وصول البشير للحكم في عام 1989 من ميليشيات إسلامية بالأساس ومن عناصر من دارفور وكردفان) داخل المؤسسة العسكرية الوطنية، وإطلاق مصطلح “قسم الاحتياط” عليها.

الجيش السوداني

وجاء الإعلان عن الخطوة على صفحة رئيس أركان الجيش السوداني محمد الحسين على بموقع “فيس بوك”. [14]

وتعبر هذه الخطوة عن المسار المستقبلي للتحول المؤسساتي للقوات المسلحة نحو محاصصة أيديولوجية معدلة موروثة عن نظام البشير.

ويتوقع أن يشهد هذا التحول خطوة كبيرة أخرى حال التزام الحكومة وأطراف اتفاق السلام بمخرجاته، وتحديدًا بند إدماج عناصر المعارضة المسلحة في الجيش، ما سيعزز هذه المحاصصة الأيديولوجية والسياسية في ظل عدم جدية ضمانات سلاسة التحول المؤسساتي- المهني للجيش السوداني وترشح تزايد الضغوط الاقتصادية ووصولها إلى قلب هذه المؤسسة لاحقًا بعد فترة من القدرة على تفادي المساس بمصالحها ومقدراتها الاقتصادية.

يعهد اتفاق السلام إلى مجلس الأمن الوطني والدفاع بوضع خطة كبرى لتحويل القطاع الأمني وتطويره وتحديثه. ويحدد الاتفاق أيضًا تحويل قطاع الأمن كأولوية في جدول أعمال المؤتمر الدستوري المقبل. وبالمثل، قرر مجلس السيادة ومجلس الوزراء وقوات الحرية والتغيير وضع إستراتيجية للأمن الوطني كإحدى المهام الملحة للمرحلة الانتقالية. وعلى الرغم من هذه الالتزامات الرفيعة المستوى، فإن العملية الانتقالية في السودان تفتقر إلى إطار شامل لتوجيه إصلاح قطاع الأمن.

من دون إشراف مناسب، ستنظر الجهات الفاعلة الأمنية والسياسية إلى نزع السلاح والتسريح وإعادة الإدماج على أنه مصدر دخل وفرصة عمل للجماعات المسلحة. وهذا سيجعل عملية نزع السلاح والتسريح وإعادة الإدماج عرضة للفساد والتلاعب، مع زيادة تمكين الجهات الفاعلة الأمنية الأكثر تسييسًا [15]. وستتوازى عملية إصلاح الجيش الوطني السوداني مع المخرجات المتوقعة للدعم الإقليمي للسودان (بما في ذلك الدور الإسرائيلي المرشح للتصاعد والذي تجسد منتصف أكتوبر/ تشرين الأول 2020 في بدء محادثات ثنائية مع السودان لتعزيز العلاقات الاقتصادية والتجارية، لا سيما في قطاع الزراعة). [16]

ويحظى مسار التحول المؤسساتي للقوات المسلحة السودانية بدعم قطاعات كبيرة، ستتضح معالمها أكثر عند أي عمليات انتخابية أو تحديات تهدد الدولة السودانية عند مفترق طرق حاسمة.

 

خلاصة

رغم التحولات المتسارعة في السودان على الصعد الداخلية والخارجية، والتغيرات بالغة الخطورة في شبكات تحالفه، لا سيما في الجبهة الإثيوبية، فإن خريطة القوى الوطنية السودانية تظل ذات قسمات مستقرة إلى حد كبير في المرحلة الانتقالية الحالية من جهة النظر لمستقبل السودان واستقراره كأولوية قصوى لا بديل عنها، ما يدفع أطرافًا في المرحلة الحالية إلى تقديم تنازلات ومواءمات سياسية لتجاوز اختناقات المرحلة الانتقالية.

وتظل مؤسسة القوات المسلحة السودانية في قلب خريطة القوى الوطنية السودانية في المرحلة الانتقالية والأكثر قدرة على إعادة ترتيب الأولويات وصياغة الأجندات بنحو متماسك، مقابل أداء هزيل للقوى المدنية أثر على مصداقيتها أمام قطاعات لا يستهان بها من الشعب السوداني.

ولا يمكن إغفال الدور المحتمل دائمًا للقوى الإسلامية، خاصة عند بروز استحقاقات انتخابية أو دستورية مقبلة لحسم مخرجات المرحلة الانتقالية، مع ملاحظة أن هذا الدور سيظل محكومًا بآليات عمل المكون الأكثر فاعلية في المرحلة الانتقالية والأقرب أيديولوجيًّا –تاريخيًّا على الأقل- لأفكار التيار الإسلامي، سواء التقليدي والراديكالي، والأكثر قدرة على توظيف البراجماتية في السياسة السودانية: الجيش السوداني.

وتوضح قراءة خريطة “القوى الوطنية” في السودان أن المرحلة الانتقالية ستصل في نهايتها إلى مخرجات أكثر سلاسة وإحكامًا لسيطرة القوى التي تقود المرحلة الانتقالية، وعدم حدوث تحولات راديكالية أو اكتمال التحول الديمقراطي بنحو مثالي، وإن ظل ذلك مرهونًا- بطبيعة الحال- بقدرة المكون الأبرز، وهو الجيش السوداني، على مواصلة دوره الريادي وموازنة طموحات الشعب السوداني بتحقيق الاستقرار السياسي والاقتصادي بأجندة إصلاحية ومشروطيات أقل لحساب الأطراف الإقليمية والدولية المعنية بالشأن السوداني والمرحلة الانتقالية الحالية.

 

المراجع:

  1. Holdout Sudanese rebel movement to negotiate peace process, Radio Dabanga, November 11, 2020 https://www.dabangasudan.org/en/all-news/article/holdout-sudanese-rebel-movement-to-negotiate-peace-process.
  2. Sudan Military Strength (2020), Global Fire Power: https://www.globalfirepower.com/country-military-strength-detail.asp?country_id=sudan.
  3. Atta El-Battahani, The Sudan Armed Forces and Prospects of Change, (Bergen: Chr. Michelsen Institute) CMI Insight, April 2016, No. 03, p.5.
  4. Egypt, Sudan agree to enhance military cooperation, Egypt Independent, November 3, 2020. https://egyptindependent.com/egypt-sudan-agree-to-enhance-military-cooperation/.
  5. Sudan: TSC Civilian Component Meets Alliance of Civil Forces, All Africa, November 10, 2020. https://allafrica.com/stories/202011110289.html.
  6. عبد الرحيم خليفة: السودان: تحديات وفرص الانتقال، معهد واشنطن، 1 يونيو/ حزيران 2020. https://www.washingtoninstitute.org/ar/fikraforum/view/Sudan-Transitional-Government-Economy-Peace-Building.
  7. Yaseen Mohamed Abdalla, The obstacles to Sudan’s landmark peace deal, African Arguments, October 12, 2020. https://africanarguments.org/2020/10/12/the-obstacles-to-sudans-landmark-peace-deal/.
  8. Yaseen Mohamed Abdalla, The obstacles to Sudan’s landmark peace deal, African Arguments, October 12, 2020. https://africanarguments.org/2020/10/12/the-obstacles-to-sudans-landmark-peace-deal/.
  9. Arrival of rebel leaders in Khartoum for peace celebration postponed, Radio Dabanga, November 1, 2020. https://www.dabangasudan.org/en/all-news/article/arrival-of-rebel-leaders-in-khartoum-for-peace-celebration-postponed.
  10. Sudan’s political parties divided over relations with Israel, Radio Dabanga, October 26, 2020. https://www.dabangasudan.org/en/all-news/article/sudan-s-political-parties-divided-over-relations-with-israel.
  11. Sudan intel chief denies meeting Mossad head to talk supplanting nation’s leader, The Times of Israel, March 2, 2019. https://www.timesofisrael.com/sudan-intel-chief-denies-meeting-mossad-head-to-talk-supplanting-nations-leader/.
  12. Eman El-Sherbiny, Sudan weakened by US demands on compensation & ties with Israel, The Africa Report, November 3, 2020. https://www.theafricareport.com/48548/sudan-weakened-by-us-demands-on-compensation-ties-with-israel/.
  13. Popular Defence Forces integrated into Sudan army, Radio Dabanga, June 8, 2020. https://www.dabangasudan.org/en/all-news/article/popular-defence-forces-integrated-in-sudan-army.
  14. لوكا بيونجج دي كول: إصلاح القطاع الأمني في السودان: الحاجة إلى وضع إطار عمل، المركز الإفريقي للدراسات الإستراتيجية، 2 نوفمبر/ تشرين الثاني 2020. https://africacenter.org/ar/spotlight/ar-reforming-security-sector-sudan-need-framework/.
  15. Israel to send first delegation to Sudan on Sunday to firm up normalization, Ynetnews, November 10, 2020. https://www.ynetnews.com/article/Hygmbe00YD.

 

 

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى