الحركات والتيارات الإسلامية المعاصرة في إندونيسيا: جمعية المحمدية الإصلاحية

مصطفى زهران

كاتب وباحث مصري

تعد دراسة الحالة الدينية الإسلامية وتنوعها في الداخل الإندونيسي من القضايا التي تفرضها طبيعة ومقتضيات اللحظة الراهنة، خاصة بعد ما شهدته في العقدين الأخيرين من تحولات طالت البنى المجتمعية الدينية هناك، نتيجة حجم التنوع والتباين داخل التيارات الإسلامية بالداخل الإندونيسي، ما جعلهما سببًا رئيسًا في تباين واختلاف المكون الديني الإندونيسي عن غيره، سواء أكان ذلك داخل دول جنوب آسيا أم غيرها من دول المشرق والمغرب العربيين.

في هذا المقال، نستعرض أهم التيارات والجماعات والجمعيات الإسلامية الهامة في دولة إندونيسيا، التي تتصارع في ما بينها وتصطف أحيانًا في علاقات بينية للمواجهة وتدور في غالبيتها حول دائرة السلطة، لأن قدرًا كبيرًا منها تستهويه لعبة السياسة وتنشط خلالها بقوة بالتوازي بقدر كبير مع العمل الدعوي، وعلى الرغم من كون الدولة الإندونيسية عرفها دستورها بأنها دولة ديمقراطية “علمانية”، هناك من يسعى لجذبها نحو ما يمكن تسميته بـ”دولة خلافة إسلامية” على منوال تلك الدولة التي كانت في صدر الإسلام، وهو ما سنعرضه بالتفصيل لاحقًا.

إندونيسيا.. الدين والدولة

تضم إندونيسيا أكبر عدد من المسلمين من بين جميع دول العالم، ويقدر العدد الحالي للسكان المسلمين -وغالبيتهم من السنة– بنحو 237 مليون نسمة، أي ما يقرب من 13 بالمئة من إجمالي عدد المسلمين في العالم يعيشون في إندونيسيا، وفي ذات الوقت تحتوي أيضًا على عشرات الملايين من غير المسلمين، وترتكز في وعي وفهم مسلمي إندونيسيا تعاليم الآباء المؤسسين للإسلام ومن أدخلوه للأرخبيل الإندونيسي الذين تميزت آراؤهم وأفكارهم الإسلامية بالتعددية دون التحيز أو الارتهان لجانب فكري معين دون غيره.

ومنذ استقلال إندونيسيا عام 1945 وما أعقبها من تحولات سياسية، لم تتمكن الأحزاب السياسية المؤيدة لتأسيس دولة إسلامية من تحقيق ما ترنو إليه عبر الحصول على غالبية الأصوات الشعبية، فالمزاج العام لمسلميها، الذي كشفت عنه الانتخابات كافة على مدار التاريخ السياسي الحديث للبلاد خلال العقود السابقة -خاصة بعد نهاية النظام الجديد الاستبدادي لسوهارتو- لم يكشف عن هذه الرغبة، ما دفع البعض للقول بأنه من غير المرجح أن تصير إندونيسيا دولة إسلامية تحكم بالشريعة الإسلامية كما ينظر إليها قيادات الجماعات والتيارات الإسلامية السياسية أو الأخرى الراديكالية بالداخل الإندونيسي.

بيد أنه في العقود الثلاثة الأخيرة شهد التاريخ السياسي الإندونيسي تطورًا لافتًا كشفت عنه نتائج الانتخابات السياسية بمستوياتها المختلفة، التي أجريت خلال هذه الفترة وتحديدًا مع مطلع عام 2017، إذ نجحت الجمعيات والتنظيمات الإسلامية عبر ممثليها في تصدر المشهد السياسي، بعد سنوات من تراجعها مقابل صعود الأحزاب العلمانية، بعد أن سعت نحو توسيع قاعدتها الشعبية، ما كان له عظيم الأثر في بسط سيطرتها على السياسة الإقليمية والوطنية، توازيًا مع النمو الاقتصادي الذي تشهده البلاد وموجة التحديث والتصنيع القائمة، التي نتج عنها ارتفاع في نصيب الفرد من الناتج المحلي الإجمالي فزادت القوة الشرائية وتوسعت الطبقة المتوسطة بنحو مغاير، بعد أن تراجعت آليات الفساد التي أسس لها نظام سوهارتوا، وتلمّس التحضر الحادث في مدن إندونيسيا المختلفة.

وتقف على رأس الجماعات والتنظيمات الدينية الإسلامية في الداخل الإندونيسي جماعتا “المحمدية” التي تأسست عام 1912 في مدينة جاوة الإندونيسية، و”نهضة العلماء” (NU) التي جاء تدشينها عام 1926، كردة فعل على تأسيس المحمدية.

عبرت “المحمدية” عن التيار التحديثي والتجديدي في الحالة الإسلامية الذي لا يتوافق مع الإسلام الجاوي (التقليدي)، ومثلت “نهضة العلماء” الإسلام التقليدي. ورغم قرب نشأتهما، لا يبدوان في اللحظة الراهنة منسجمين معًا، خاصة بعد التحولات التي عايشتها “المحمدية” في العقد السابع والثامن من القرن الفائت نتيجة التأثير الخليجي السعودي فيها، الذي عززته منطلقاتها الفكرية التي تأسست على أدبياتها ممثلة في أدبيات الشيخ محمد بن عبد الوهاب وتعاليم الإمام بن تيمية، وفي المقابل جنحت نهضة العلماء نحو التصوف الأزهري، ما أسفر عن تضاد كبير.

"المحمدية".. التأسيس الأول للتيار الإسلامي

تأسست جمعية “المحمدية” عام 1912م في مدينة جاكارتا الإندونيسية وأطلق عليها الشيخ أحمد دحلان هذا الاسم تيمنًا بالنبي محمد -صلوات الله وسلامه عليه- وقُدِّمت كـ”حركة اجتماعية دينية” تسعى لإصلاح واقع مسلمي إندونيسيا وتطهير ممارساتهما العقائدية مما لحق بهما من تأثيرات المعتقدات الدينية الأخرى السابقة على الإسلام في الداخل الهندوسي ممثلة في “الهندوسية، البوذية”، حاول خلالها الشيخ دحلان وعبر استلهام آليات الشيخ محمد بن عبد الوهاب النجدي (1703-1778) في شبه الجزيرة العربية من تأصيل لعقيدة التوحيد التي تضمنتها أفكاره، إضافة إلى تقليد تراث الإمام الشيخ أحمد بن تيمية، ويقال إن الشيخ المؤسس تأثر كثيرًا بكل من الشيخ محمد عبده وجمال الدين الأفغاني من حيث الأفكار الإصلاحية حين همّ بتأسيس “المحمدية” ما جعله يسارع نحو تنقية التوحيد في المجتمع الإندونيسي.

ولد الشيخ أحمد دحلان في قرية كاومان في يوجياكارتا الإندونيسية عام 1868 م، وكان والده خطيب الجامع الكبير بسلطنة يوجياكارتا، ويرجع نسبه إلى أحد رواد ودعاة انتشار الإسلام في جاوة الإندونيسية.

عايش دحلان 3 مراحل هامة من تاريخ إندونيسيا المعاصر، بدءًا من الاستعمار الهولندي مرورًا بالآخر الياباني انتهاء بالاستقلال الذي لعبت خلاله “المحمدية” دورًا بارزًا يضاف إلى مسيرتها الفكرية. في عام 1921 وافقت الحكومة على السماح للمحمدية بالقيام بنشاطاتها في جميع مناطق جاوة، وفي عام 1921 سُمح لها بتوسيع أراضيها حتى بقية جزر الهند الشرقية الهولندية (إندونيسيا).

فلسفة التعليم الديني في فكر المؤسس

تبنت “المحمدية” منذ تأسيسها برنامجًا إصلاحيًّا يمزج بين التعليم الديني و”العلماني”، ويرجع السبب الجوهري في ذلك إلى أن التعليم في إندونيسيا في أوائل القرن العشرين كان يتسم بالانقسام بين التربية الدينية (الإسلام) والتعليم العام (علماني)، فكانت هناك مدارس إسلامية تدرس المواد والمناهج الدينية وحسب، وأخرى تدرس مواد التعليم الدنيوية ولا تتخللها أية مواد دينية، وانطلاقًا من ذلك سارع الشيخ المؤسس بمحاولة الربط بين التعليم الديني والعلماني في المناهج الدراسية، بحيث لا يمكن أن يؤثر هذا الانقسام في معارف ووعي المتعلم والطالب الإندونيسي سواء أكان في المدارس الخاصة الدينية أم الأخرى الحكومية العلمانية.

انطلقت  أولى أدوات الشيخ الإصلاحية من أرضية التعليم، لقد كان الشيخ دحلان طامحًا إلى أن يخرج جيلاً إندونيسيًّا متمسكًا بالإسلام من جهة، وحاملاً للعلم الدنيوي من جهة أخرى، انطلاقًا من أهمية الدين والمعرفة للناس. وبالإضافة إلى تعليم الرجال وتأهيلهم دينيًّا في بادئ الأمر، كانت تُعطى دروس في القرآن الكريم وتلاوته للأمهات الشابات في مجلس أطلق عليه “سدرة المنتهى”، ويتناوب البنون والبنات والأطفال على الدروس الدينية في النهار والليل.

وخلال بضع سنوات استطاعت “المحمدية” أن تنشئ عددًا من المدارس الإسلامية ما بين عامي 1913 و1918، وبلغت 5 مدارس. وفي عام 1919 أُنشِئَت مدرسة ثانوية إسلامية هي مدرسة هوج المحمدية، وفي عام 1921 تغير الاسم إلى “كويك المحمدية”، وفي عام 1923 فُصِل الذكور عن الإناث، ثم تغير اسمها إلى مدرسة المعلمين والمعلمات بحلول عام 1930.

وعلى عكس غريمتها “نهضة العلماء” تجنبت “المحمدية” منذ نشأتها السياسة عمومًا، فلم تُنشِئ حزبًا سياسيًّا منذ تأسيسها، وكرست نفسها للأنشطة التعليمية والاجتماعية، الأمر الذي هيأ لها الحصول على دعم الحركة القومية الأبرز في إندونيسيا بالنصف الأول من القرن العشرين “بوييدي أوتومو”، وذلك في دعم مشروع المدارس الذي طرحته في السنوات العشر الأولى من تأسيسها.

وبعد عقود من تأسيس المحمدية لمدارسها الخاصة بات لديها أكثر من 4623 دار رعاية أطفال في سنوات ما قبل الدراسة، وأكثر من 2604 من المدارس الابتدائية، وأكثر من 1772 للثانوية ونصفها للثانوية العليا وما يقرب من 278 للثانوية المهنية، وعشرات الجامعات والمعاهد.

الإصلاح المجتمعي والديني

نجحت “المحمدية” في أن تتحول إلى فاعل مؤثر في الإصلاح الاجتماعي والديني، من خلال مشاركة الحياة العامة للشارع الاندونيسي، فتحركت في مجالين هامين أولهما: مجال العقيدة التي يشار إليها عادة باسم حركة التطهير “تطهير الإسلام الإندونيسي” من الممارسات التلفيقية المحلية الناجمة عن تأثيرات الديانات الأخرى مثل المسيحية والبوذية والهندوسية، التي كان لها عميق الأثر في تعلق الكثير من الشوائب والخرافات والجهل والتقليد دون وعي في ممارسات الحياة اليومية لمسلمي إندونيسيا، وهي المهمة التي وضع الشيخ أحمد دحلان مواجهتها على عاتقه منذ السنوات الأولى من عمر “المحمدية”، خاصة وأن الاستعمار الهولندي والياباني لعبا دورًا كبيرًا في تسطيح وتجهيل المعارف الدينية لشرائح كبيرة من مسلمي إندونيسيا.

وثانيهما: حركة التجديد في عالم المعاملات الدنيوية، فعملت على تطوير والارتقاء بعلم الكلام الإسلامي والتعليم –كما ذكرنا سابقا- والرعاية الاجتماعية، فعملت على تدعيم الثقافة المحلية وتعزيز التسامح الديني في إندونيسيا، وتُرجِم ذلك في إدارتها لمجموعة كبيرة من المستشفيات والمدارس والجامعات، خاصة في مقاطعتي “نوسا تنقارا الشرقية” و”بابوا” الإندونيسيتين، اللتين تضمان مسلمين وغيرهم من أصحاب الديانات الأخرى السماوية والوضعية، ويرجع للمحمدية الفضل في تأسيس أول دار للأيتام والفقراء في إندونيسيا، وهو ما جعل لخدماتها المجتمعية التي شملت دور رعاية المسنين والأطفال من ذوي الاحتياجات الخاصة، دَور كبير في جذب قطاعات كبيرة من الشارع الإندونيسي بتنويعاتهم العرقية والإثنية والملية كافة، وباتت تملك أراضي بما يقارب من 20، 945، 504 أمتار مربعة، منتشرة في جميع أنحاء إقليم إندونيسيا.

وفي سياق أدواتها التعبوية والدعوية، نوعت أساليب استهدافها للشارع الإندونيسي منذ تأسيسها، باستخدام المواد المطبوعة والمطويات والكتيبات الصغيرة، المتضمنة مواد تعليمية وآدابًا إسلامية تحوي مواد للصلاة اليومية وآداب الصيام في شهر رمضان وغيرها من المواد الدينية التقليدية.

ولتعزيز دورها الدعوي من خلال الإعلام الذي فطنت له مبكرًا، أصدرت مجلة باسم “سوارة محمدية” أو “صوت المحمدية” -باللغة الجاوية– وتعد المجلة الأقدم في تاريخ إندونيسيا المعاصرة، ومن أبرز المواد الإعلامية التي اشتبكت خلالها المحمدية مع الواقع المجتمعي من حولها، ثم أعقبتها مجلات أخرى أكاديمية مثل المجلة الدولية للبحوث الأكاديمية في الأعمال والعلوم الاجتماعية، وتتناول موضوعات متعددة دينية وأخلاقية.

سلفية المنهج والطريقة

منذ انطلاقة “المحمدية” على يد مؤسسها الشيخ دحلان، عرف عنها نزوعها نحو السلفية التقليدية –كما أسلفنا سابقًا– إلا أنها أخذت منحى أيديولوجيًّا في أواخر القرن الفائت، ويمكننا تلمس ذلك بدقة في الموقف من إقامة المولد النبوي الشريف الذي دأبت عليه “المحمدية” منذ نشأتها تأثرًا بالإسلام الجاوي والمذهب الشافعي، والذي انتقلت به من الإباحة إلى الإكراه ثم التحريم تماشيًا مع التحولات التي شهدتها الجمعية.

في الواقع، يمكن التأريخ لهذا التحول من السلفية التقليدية إلى الأخرى المؤدلجة مع الشيخ “ماس منصور” الذي تولى رئاسة المحمدية في الفترة ما بين (1936-1942)، شهدت خلالها نقاشات بشأن تلك القضية إلى أن جاء عام 1972 لتعلن الجمعية القطيعة مع المذهب الشافعي وتبني الآراء السلفية الوهابية، كما عزز الحضور السلفي داخلها مع بدايات الألفية الثانية، من خلال ضم شخصيات سلفية تلقت تعاليمها في الخليج، خروجها بالتحريم القطعي للاحتفال بالمولد النبوي الشريف، وعلى رأسهم “دين شمس الدين” رئيس مجلس العلماء الإندونيسي آنذاك.

وبالطبع صارت “المحمدية” خصمًا رئيسًا للتوجه الصوفي لدى البعض في الداخل الإندونيسي، وخاصة جمعية “نهضة العلماء” ذات التوجه الصوفي الأزهري.

"المحمدية" والسياسة

يمكن التأريخ للدور السياسي للمحمدية، من خلال وجودها كفاعل مؤثر في المشهد الإندونيسي بداية مع الإرهاصات الأولى لحرب الاستقلال ومن ثم إعلانه في 17 أغسطس/ آب سنة 1945، فقد عملت على تعبئة قوة المسلمين والشعب عمومًا -وفقًا للطرق والشرائح الاجتماعية- للنهوض ضد الاستعمار والمضي قُدمًا لتحقيق الاستقلال الإندونيسي، وكانت في قلب الحركة الوطنية، وحثت على التحالف في السنوات التي سبقت الاستقلال وتحديدًا عام 1937 مع ما كان يعرف بتحالف الأمة (Partai Islam Indonesia -PII) ومجلس الإسلام الإندونيسي (Majelis Islam Ala Indonesia-MIAI)  في عهد رئاسة ماس منصور Kyai Mas Mansur  لـ”المحمدية” في ذلك الوقت، والذي اشتهر بكونه أحد أهم رجالات الثورة جنبًا إلى جنب مع سوكارنو ونائبه فيما بعد محمد حتا. وفي فترة الاستقلال عام 1945، شاركت المحمدية التي كان يمثلها “كي باغوس هادكوسوما” بنشاط واسع في النقاش بشأن أساسيات وشكل إندونيسيا كدولة مستقلة.

ثم تأتي الاضطرابات السياسية والعنف الذي شهدته البلاد في الفترة ما بين (1965-1966) لتضع “المحمدية” مرة أخرى على سطح الأحداث السياسية في البلاد، فقد استهدفت المتعاطفين مع الشيوعيّة في ما عرف بإجراءات التطهير ضد الشيوعية في أعقاب محاولة انقلاب حركة 30 سبتمبر/ أيلول في إندونيسيا، وعلى أثرها قتل الآلاف، وكانت أحداث العنف والتطهير تلك عاملاً مهمًّا وحدثًا محوريًّا في الانتقال إلى “النظام الجديد” وإلغاء الحزب الشيوعي الإندونيسي كقوة سياسيّة، مع بعض التأثيرات على الحرب الباردة العالميّة. أدّت تلك الاضطرابات إلى سقوط الرئيس سوكارنو، وبدء فترة رئاسة سوهارتو السلطويّة التي دامت 3 عقود.

وعقب تراجع الشيوعية واندثارها، وخلال مرحلة ما يسمى بـ”الإصلاح الإندونيسي” 1988 حث البعض قادة المحمدية آنذاك على الانخراط في العمل السياسي وتشكيل أحزاب تتفاعل مع المشهد الجديد، ولاستدامة طريقة الإصلاح التي بدأت منذ عقود، وإحلال تعاليم “المحمدية” وأفكارها محل الشيوعية، في معاقل الحزب الشيوعي الإندونيسي في جاوة الوسطى وجاوة الشرقيّة وسومطرة الشماليّة، وكان على رأسهم “أمين الرايس” الرئيس السابق لـ”المحمدية” الذي ترأس مجلس الشعب الاستشاري (البرلمان) بين عامي 1999 و2004، والذي قد قاد عملية الإطاحة بسوهارتو، وبدأ بتأسيس “حزب الانتداب الوطني” الذي لاقى ترحيبًا كبيرًا ودعمًا لا بأس به من الجمعية، إلا أن هذا الحزب ليست له علاقة رسمية بالمحمدية، فقد يكون الإندونيسي محمديًّا ومنخرطًا في أحزاب سياسية أخرى علمانية أو وطنية، ويضع قادة المحمدية شرطًا لانضمام الفرد المحمدي إلى الأحزاب السياسية الأخرى هو توافقها مع أدبيات “المحمدية” القيمية والأخلاقية.

نجحت “المحمدية” في غرس بذرة الإصلاح في قلب التربة المجتمعية الإندونيسية، على مدار قرن من الزمان، واستطاعت أن تجعل من نفسها جزءًا لا يتجزأ من تاريخ إندونيسيا المعاصرة.

ولولا التحولات الرئيسة التي عايشتها في العقود الأخيرة، من نهايات القرن الفائت، ممثلة في جنوحها نحو السلفية الوهابية وخروجها من سياقاتها المحلية الوليدة على اعتبارها تيارًا إسلاميًّا إصلاحيًّا إندونيسيًّا في المقام الأول، إلى جمعية سلفية تخضع للتأثير الفكري للسلفية الخليجية، لكانت على رأس التيارات الإسلامية القائمة في اللحظة الراهنة، بالداخل الإندونيسي، لامتلاكها السبق التأسيسي والقدم التاريخي، وهو ما يفسر لنا بعد ذلك الأسباب الكامنة وراء تصدُّر جمعية “نهضة العلماء” الإندونيسية المشهد الديني في اللحظة الراهنة، وهو ما سنتناوله بالتفصيل في الحلقة القادمة.

Share on facebook
Facebook
Share on twitter
Twitter

Start typing and press Enter to search

Visit Us On FacebookVisit Us On TwitterVisit Us On Instagram