الحسناوات والناشطات

يُذبحن في العراق كالدجاج!

  • مقتل الناشطة السياسية “شيلان دارا” وأسرتها لا يزال يهز الرأي العام العراقي.
  • غموض يُحيط بجرائم قتل الناشطات والنسوة في بلاد الرافدين.. ومطالبات بسن تشريع جديد يحمي النساء.
  • في أغسطس 2018؛ قُتلت خبيرتا التجميل “رشا الحسن” و”رفيف الياسري”.. وفي الشهر اغتيلت العارضة “تارة فارس”.
  • مجهوون اغتالوا “سعاد العلي” ناشطة المجتمع المدني في البصرة.

“أيتها النسوة الجميلات، احذرن من شوارع بلاد الرافدين.. فهناك قتلة يتخفون.. في الانتظار”. هل يمكن أن تنطبق هكذا عبارة على العراق فعلًا عقب مشاهد قتل محددة استهدفت حسناوات وصاحبات ألقاب في مسابقات الجمال؟. تعالوا نعود إلى الوراء قليلًا.

في صيف عام 2018، انتشرت حوادث قتل النساء في العراق بشكل مريب. القتلة استهدفوا الحسناوات وصاحبات ألقاب مسابقات الجمال على وجه التحديد، لأسباب زاد من غموضها عدمُ تقديم السلطات العراقية أي توضيح بشأن تلك الجرائم.

البداية كانت في أغسطس 2018؛ عندما قُتلت خبيرتا التجميل “رشا الحسن” و”رفيف الياسري”، في ظروف غامضة.

وفي الشهر التالي، في سبتمبر 2018؛ اغتيلت وصيفة ملكة الجمال العراقية وعارضة الأزياء “تارة فارس” في سيارتها الفارهة وسط بغداد. وقبلها بيومين فقط، اغتيلت إحدى ناشطات المجتمع المدني “سعاد العلي”، بعدما أطلق عليها مجهولون النار في البصرة.

  • العبارة الأولى إذا تجد لها محلًّا من الإعراب، فحينها أراد البعض تنميط تلك الجرائم في إطار الجانب المتطرف من المجتمع المحافظ الرافض للظهور “الجريء” للنساء في بلد يعاني ويلات حرب وإرهاب، لا سيما بعدما وصلت تهديدات بالقتل لحسناوات أخريات، كشفن عن هلعهن من تلك التهديدات في مقاطع فيديو عبر مواقع التواصل الاجتماعي. لكنه تبرير تلاشى شيئًا فشيئا، بمجرد انضمام الناشطات والحقوقيات لقوائم الاغتيال التي تطال النساء. فالأمر لم يعد مقصورًا على الحسناوات فقط.

قتلوا "شيلان دارا" أيضًا

وقبل أيام، هزّ حادث قتل الناشطة السياسية العراقية “شيلان دارا”، وأسرتها، الرأي العام العراقي، بعد العثور على جثتها ووالديها مقتولين في منزلهم في قلب العاصمة العراقية، بغداد.

وفيما أشارت التحقيقات الأولية للحادث إلى أن الجريمة جنائية، ووقعت بهدف السرقة، وهي نفس الأقوال التي اعترف بها الشخص المتهم في الواقعة، والذي ألقت الشرطة القبض عليه قبل أن يواري التراب جثامينهم؛ إلا أن تلك الاعترافات أثارت الشكوك حولها، وفتحت الجدل من جديد حول شبهة الاغتيال السياسي.

“شيلان دارا”، الصيدلانية، ذات الثمانية والعشرين ربيعًا، تنحدر من أسرة سنية من كردستان العراق، وعلاقتها بالسياسة كانت من خلال عملها كمسعفة للمصابين في تظاهرات أكتوبر 2019 التي أدت إلى مقتل حوالى 500 قتيل وإصابة نحو ألفين ضمن من خرجوا للتنديد بالبطالة والفساد وتردي الخدمات في البلاد.

بنادق التطرف تستهدفهن

تأتي حالة الاغتيال التي تعرضت لها الصيدلانية العراقية “شيلان دارا”، من وجهة نظر الأكاديمي العراقي والباحث في الشئون الاستراتيجية والأمنية “فراس إلياس”، لتسلط الضوء على حالة غياب القانون وسلطة الدولة، خصوصًا أنها ليست الحالة الأولى من نوعها في العراق، فقد تعرضت العديد من الناشطات العراقيات وتحديدًا خلال فترة التظاهرات، لحالات اختطاف وقتل على يد جماعات الجريمة المنظمة، والتي تستند في عملها إلى قاعدة خلق الفوضى وعدم الاستقرار، بهدف إفراغ التظاهرات من أهدافها الحقيقية في التغيير والتنمية.

شيلان دارا ووالديها
اغتيال لأدوارهن السياسية

وعلى الرغم من الفعل الجنائي الواضح في عملية تصفية “شيلان”؛ إلا أن “إلياس” يرى أن الأمر لا يخلو من أبعاد سياسية واضحة، في ضرب الأمن والاستقرار، خصوصًا أن هناك توجهًا حكوميًا لضرب الفساد ومكافحة المفسدين التي بدأت منذ شهر تقريبًا.

ومن خلال متابعة ملابسات الحادث، قال الباحث والأكاديمي العراقي: “يبدو واضحًا البعد السياسي فيه، خصوصًا أن المجني عليها لعبت دورًا في إسعاف وتقديم المساعدات الطبية للمتظاهرين، كما تحدث مقربون منها”.

وبشكل عام، تعاني حقوق المرأة أوضاعًا صعبة للغاية في العراق، بحسب “إلياس”، الذي أرجع ذلك إلى “غياب الأنظمة والقوانين التي تحفظ حقوقها. ورغم محاولات تعديل أوضاعها في العراق، إلا أن الواقع لم يتغير، فهناك عادات وتقاليد لا تزال حاكمة، كما أن غياب سلطة الدولة سمحت للكثير من الجماعات المسلحة بتصفية الكثير من النساء، ولهذا فإن الوضع الحالي سيشهد تصفيات كثيرة، طالما أن الدولة لم تتمكن حتى اللحظة من وضع حدٍّ لهذه الممارسات”.

الأحزاب المتأسلمة متورطة؟

أصابع الاتهام التي وجهها “إلياس” للجماعات المسلحة التي تستهدف تصفية الناشطين والنساء، وجهها أيضًا لهم، المحلل السياسي العراقي “وسام صباح”، الذي أكد أن شبهة سياسية تُحيط بمقتل الناشطة “دارا”، وأبويها، نتيجة عملها كمسعفة للمتظاهرين خلال الأحداث السياسية السابقة، على الرغم من اعتراف المتهم بقتلهم بدافع السرقة، وأنه كان على معرفة مسبقة بوالدها، وسرق 10 آلاف دولار من المنزل بالفعل قبل تنفيذ الجريمة.

فهذا القصد الجنائي الوارد في التحقيقات المبدئية للجريمة، لا ينفي عنها الشبهة السياسية، بحسب “صباح”، الذي وصف المجتمع والنظام العراقي بـ”عشائري قبلي بحت، لا يخلو من قضايا الثأر وغسل العار”.

بعض أحزاب الإسلام السياسي في العراق، أو “الأحزاب المتأسلمة” كما يفضل أن يُطلِق عليها “صباح”، قد تكون وراء تلك الجرائم التي تستهدف النساء والناشطات، من أجل إحداث بلبلة في الشارع العراقي، وإحراج رئيس الحكومة العراقية “مصطفى الكاظمي”، الذي يحاول جاهدًا تقويض وجود تلك التكتلات الحزبية في المشهد السياسي العراقي، من خلال “القبض على بعض المتأسلمين، وإحالة بعض القادة العسكريين للتقاعد”.

وقال “صباح”: “هذه الأحزاب المتأسلمة المدعومة بقوى سياسية تابعة لحزب الله وإيران، تستغل أي ثغرة للإطاحة بالكاظمي وحكومته، وهو ما حدث مثلًا في حادث اغتيال الخبير الأمني العراقي “هاشم الهاشمي”، وفي حوادث أخرى تستهدف سياسيين ونشطاء وأمنيين”.

مصطفى الكاظمي.. رئيس الحكومة العراقية

ويمكن لقرار إلغاء الأحزاب الإسلامية أن يحل المسألة في العراق، كما يرى “صباح”، لكنه في الوقت نفسه “حل صعب قد يجر العراق مجددًا لمتاهات تقود لحرب”. الشارع العراقي في تظاهراته، يطالب بكشف الغموض عن تلك الحوادث التي يحوم حولها الغموض، ويطالبون دومًا عبدالوهاب الساعدي، الذي أعاده الكاظمي، على رأس جهاز مكافحة الإرهاب في العراق، بضرورة التقصي خلف تلك الجرائم، وكشف الجهات التي تقف خلفها، فيما يرى المحلل السياسي العراقي “وسام صباح” ضرورة أن تسن حكومة “الكاظمي” تشريعًا جديدًا لمعاقبة كل من يتطاول على نساء وتراب ونخل العراق.

ناجيات بشق الأنفس!

قبل عام وشهرين من الآن، وتحديدًا في يوليو 2019، تعرضت المحامية والمناضلة العراقية “هناء إدوار”، لحادث دهس كاد أن يودي بحياتها، بعد إلقاء كلمة حماسية، في ذكرى سقوط الموصل في ساحة التحرير وسط العاصمة العراقية. ولم يتم الكشف عن الجهة أو الشخص وراء هذا الحادث المدبر، إلى الآن. أي أن حوادث القتل والاغتيال التي تستهدف النساء والناشطات في العراق، لا تسفر التحقيقات فيها عن نتائج في أغلبها.

"نُذبح في العراق كالدجاج"

لا تكف أصوات النساء عن المطالبة بالتغيير، والخروج عن النمط الذي أجبرت عليه منذ احتلال العراق في 2003، حسبما ترى الكاتبة العراقية “لينا مظلوم”، الصورة بمنظورها الأشمل.

تقول “مظلوم”: “سمعت يومًا جملة استوقفتني من سيدة عراقية مستهدفة: نحن نُذبح في العراق كالدجاج”، ومع ذلك؛ لا تستغرب الكاتبة العراقية وصول الحال لما هو عليه، إذ إن “التيارات السياسية الإسلامية حرصت على تنميط المرأة العراقية منذ 2003 في إطار السلعة الرخيصة التي لا حقوق ولا سلطة لها”.

“مظلوم” لم تخفِ حزنها من التراجع السياسي والثقافي والاجتماعي الكبير للمرأة العراقية، صاحبة الريادة تاريخيًّا. فالعراقية “نزيهة الدليمي”، صاحبة منصب أول وزيرة في العالم العربي. لكنها أيضًا لم تخفِ أملها الكبير في حالة الحراك المستمرة في الشارع العراقي منذ مظاهرات أكتوبر من العام الماضي.

الكاتبة العراقية لينا مظلوم

كانت “مظلوم” في زيارة إلى العراق مؤخرًا، ولاحظت وجود المرأة في ساحات الاعتصام السلمي، ما يعني عودة المرأة للازدهار في كافة المجالات وخاصة الحياة السياسية، لهذا لا تستبعد “مظلوم” وجود شبهة سياسية حول حوادث قتل النساء، لا سيما حادث قتل شيلان “غير المنطقي” على حد قولها، إذ إن منزلها يقع في منطقة سفارات مؤمّنة وتحظى بحراسات طوال الوقت، فضلًا عن أن “اعتراف القاتل أمام كاميرات التلفزيون كان واضحًا في كذبه”.

تقول “مظلوم”: “من يستفزهم خروج فتيات على دراجات في شوارع أبو نواس، من المؤكد سيرفضون عودة المرأة للمشهد العام”، في إشارة منها إلى حادث استهداف فتيات في كورنيش أبو نواس في بغداد.

النماذج كثيرة لحوادث القتل والاستهداف الممنهج للنساء في العراق، لكن ما لاحظته الكاتبة الصحفية مؤخرًا، هو الاستهداف العشوائي للمرأة، حيث تمارس الجماعات والميليشيات المسلحة عنفًا وتتبع نهجًا دمويًّا لا تفرق فيه بين العراقيين. ورغم مناخ الخوف المنتشر في شوارع العراق، إلا أن الإصرار على ما حققه المتظاهرون من مكاسب -طبقًا لرأيها- يضمن استمرار حلم التغيير.

Share on facebook
Facebook
Share on twitter
Twitter

تقرير

ندى الخولي

صحفية مصرية

مشاركة

أحمد بيكا

رسوم

Start typing and press Enter to search

Visit Us On FacebookVisit Us On TwitterVisit Us On Instagram