وجهات نظر

الحضارة.. متحف بسعة وطن

محمد السيد الطناوي

أن تفجر فعالية نقل المومياوات الملكية من المتحف المصري إلى متحف الحضارة كل تلك المشاعر الفياضة بالفخر والاعتزاز، وأن يثير مسلسل تاريخي هذا القدر من الاستياء لعدم التزامه ببعض السمات المعروفة عن المصريين القدماء، فهذا يقول بالاتصال رغم كل نظريات الانقطاع، ويدلل على الامتداد وإن تطاول البعد وبعُد الانفصال.

أبرز، وربما أهم، مَن قال بالانقطاع هو المفكر والجغرافي جمال حمدان، ليرجعه إلى “الانقلابات الحضارية” المتعددة بتاريخنا، لكن يبقى “مركب الإسلام ـ التعريب أخطر انقطاع في تاريخ مصر، حيث انتقلت به من الفرعونية إلى العروبة”، مع ذلك رأى “حمدان” أن الانقطاع يبقى ثقافيا فقط، على اعتبار أن النواحي الحضارية، ممثلة في القاعدة الأساسية الزراعية، استمرت “فرعونية الهيكل والبناء حتى مجيء الحضارة الغربية الحديثة في القرن الماضي (التاسع عشر)”.

توجه هذه النظرية بذلك كامل عنايتها إلى التراث المكتوب، وتصبح اللغة أكثر من مجرد معطى من معطيات الهوية، بل هي الهوية ذاتها، لتتجاهل التراث المعماري والزخرفي والموسيقي.. ويُفرض مفهوم معين عن التراث الثقافي يرتبط بالمعرفي فقط، وما دام وقع انقطاع به فالانقطاع تام وأكيد.

بينما هناك معنى آخر للثقافة يفسر الارتباط القوي والملموس ـ في حالتنا ـ بالحضارة المصرية القديمة، قدمه عالم الإنسانيات اللغوي الأمريكي إدوارد سابير، مفاده أن الثقافة تعني “الممتلكات الروحية للجماعة”، لتقترب الثقافة من أن تكون الروح الخاصة بشعب من الشعوب، ويحيل ذلك إلى “الماضي السيكولوجي أو شبه السيكولوجي لحضارة قومية ما”.

بهذا لا يكون التراث مثلما صوّره أصحاب الرؤية الأولى على أنه شيء مضى وأنه “لم يعد إلا موضوعا من موضوعات الوعي التاريخي”، وأنه يوجد وراءنا بينما هو “يجيء صوبنا لأننا معرضون إليه ولأنه قدرنا”.

ولا يعني القدر (التاريخي) هنا مثلما يبين هيدجر جبرية كونية، بل يشير إلى  الارتداد إلى الأصل، والأصل ليس شيئا يمضي ويزول أو يقف عند عتبة البداية الزمنية أو هو نقطة ارتكاز للانطلاق، فهو لا يكف عن الابتداء ولا يرتدع عن التسلل والانخراط، “يظل الأقدم في كل ما هو قديم يلاحقنا، ولا بد أن يدركنا”.

التراث وفق هذا المفهوم ليس زخارف مرسومة على جدران معابدنا بقدر ما هو نقوش مطبوعة على نسيج لا وعْينا ومعانٍ تهيمن على مباني لغتنا وظلال منعكسة على وجداننا، يصبح المعبد بذلك داخلنا لنعيش فيه مثلما يعيش فينا.

والاتصال، الذي تزعمه رؤيتي، ليس نفيا لمكون عربي إسلامي، فالنفي إفقار أمام غنى الآخر، والتفرد ضعف أمام قوة التعدد، والواحدية ضيقٌ أمام اتساع التنوع، إنه اتصالٌ يجعل من التراث حاضرا زمانيا، حتى وإن غاب على مستوى الوعي، فكما يقول هيدجر “حضوره لا يكون كذاتية متعينة، وإنما في اختلافه وانفصاله وتباعده”.

والزمان هنا ليس الزمان التاريخي وفق التحديد الهيجلي، الذي اعتمده حمدان في طرحه، ويفصل الحاضر فيه المستقبل عن الماضي، فليس التاريخ -حسب رؤيتي المقدمة- حقبا أو عصورا متتابعة، فلا الماضي يقع خلفنا ولا المستقبل يمتد أمامنا، الأبعاد الثلاثة، الماضي والحاضر والمستقبل، تتداخل أو يوجد كل بُعد في الآخر.

الزمان هو نحن، لهذا يسأل هيدجر: من هو الزمان؟، لا، ما هو الزمان؟ يُمسي شعورنا بالزمان “هو نفسه الزمان بالمعنى الحقيقي”، أو بمعنى آخر نحمل في داخلنا ماضينا السيكولوجي لحضارتنا العظيمة، فلا يكون هناك موضع للانقطاع.

لا تروج تلك الرؤية لأسطورة 7000 سنة حضارة، فهي تحمل ذات المعنى، الذي يسوقه من يتبنون واحدية المكون العربي الإسلامي، إنما يحرض الطرح على الالتفات إلى الخطوط المتنوعة التي يخطها تاريخنا، والإنصات إلى الأصوات المتعددة التي تصدر عنه، وذلك لن يكون بالوقوف عند عتبة الفخار، لكن بالتقدم لاستنطاق ما أسكته النسيان، وسد فراغات خلّفها الإهمال، والقيام بحفريات لا لاستخراج الكنوز والآثار، بل فيما اختفى من أفكار أنتجت الكنوز والآثار.

Mohamed.altanawy1@gmil.com

محمد السيد الطناوي

كاتب مصري Mohamed.altanawy1@gmail.com

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى