دراسات وتحليلات

الحضور الصوفي في المجال العام بين الديني والسياسي

كيف يفكر العقل الإسلامي في المستقبل؟ (2)

في أعقاب ثورات الربيع العربي سارع العديد من مشايخ الطرق الصوفية إلى محاولة إطلاق منابر سياسية، أو الإعلان عن المشاركة في الانتخابات البرلمانية، مما أوحى بتحول جديد في تاريخ التصوف الإسلامي، الذي قرر أخيرًا الانتقال من مرحلة التجارب الشعورية الروحية الخالصة إلى مرحلة المشاركة السياسية الفاعلة.

ففي إبريل من عام 2011 أعلن تكتل من 18 شيخ طريقة صوفية اعتزامهم تأسيس حزب بخلفية دينية صوفية تحت اسم “التسامح الاجتماعي”، كان الهدف من تأسيسه، كما أعلن في بيان التأسيس، الإسهام في بناء مصر ما بعد ثورة الخامس والعشرين من يناير، والعمل على إضفاء التسامح المجتمعي ومبدأ المواطنة.

غير أن هذه المحاولات لم تكن في مجملها رغبة في المشاركة بقدر ما كانت محاولة للتمترس وإيجاد سند قانوني وشرعي للدفاع عن النفس، وذلك في مقابل هجمة التيارات السلفية وفورة جماعات الإسلام السياسي الحركي، والتي استغلت أجواء ما بعد الثورة في الإعلان عن نفسها في لحظة تمكين سرعان ما تُرجمت إلى هدم عدد من الأضرحة والمزارات الصوفية.

الطرق الصوفية
الطرق الصوفية

ويمكننا أن نسوق عددا من الأمثلة العملية للمزارات والأضرحة الصوفية التي هُدمت في أعقاب ثورة الخامس والعشرين من يناير، فقد أقدم السلفيون في محافظة المنوفية على هدم ضريح “سيدى على المتيم”، في قرية “ميت أم صالح” بمركز بركة السبع، في أثناء إحلال وتجديد مسجد “الجمعية الشرعية”، كما هُدم ضريح “سيدى على أبو طبل” بقرية “أبو طبل” بمركز كفر الشيخ، عن طريق التخلص من الضريح بحجة توسيع المسجد الموجود به، بجانب هدم مقام “سيدى محمد الكرى” بقرية “المساعدة” بمركز منيا القمح بالشرقية. وكأن السلفيون انطلقوا في ربوع مصر (لتطهير العقيدة من الشرك) حسب معتقدهم، في لحظة تمكين تشبه تلك التي قام فيها الشيخ السلفي محمد بن عبد الوهاب (1115 – 1206هـ) (1703م – 1791م) ورفاقه بهدم مزارات وقبور الصحابة في شبه الجزيرة العربية في القرن الثامن عشر.

هذه الحماسة الصوفية في الإعلان عن الرغبة في المشاركة السياسية، ثم اختفاؤها بنفس السرعة والكيفية تجعلنا نذهب إلى الاعتقاد بأنها لم تكن نابعة عن رغبة أصلية في المشاركة السياسية، على نحو ما سنرى من بعض المشروعات السياسية ذات البعد والمرجعية الصوفية في بعض الدول، مثل حركة الخدمة التركية التي يقودها الشيخ والمعارض السياسي فتح الله كولن، فقد ذهبت جل تلك الدعوات أدراج الرياح بمجرد استعادة الدولة بمؤسساتها لهيبتها الوطنية لتفرض حماية المعتقد كحق للجميع.

اقرأ أيضًا: مشروع الخلافة الداعشي: ما لم يمت لا يُبعث

التوظيف السياسي للصوفية تاريخيًا

يبدو من غير المنصف محاولة التأطير لموقف صوفي جامع من قضية المشاركة السياسية دون الأخذ في الاعتبار طبيعة التجربة الصوفية ذاتها، وهي تجربة قائمة في الأساس على الذاتية والزهد، ومحاولة التنكر ونفي الأنا الدنيوي في مقابل إثبات العبودية والوحدانية لله.. باختصار، الانشغال بالله عن مشاغل الحياة.. لكن هل يعني هذا أن التاريخ الإسلامي خلا من أي دور للمتصوفة في الشأن العام؟

ليس صحيحًا أن المتصوفة كانوا طوال تاريخهم منعزلون تمامًا عن المجتمعات ومشكلاتها، فمنذ الجيل الأول كان شيوخ المتصوفة هم ملاذ الفقراء ونصراء المستضعفين وكثيرًا ما قادوا حراكا شعبيا واسعا لمواجهة السلطة، كثورة “ابن الصوفي العلوي” على “أحمد بن طولون” في صعيد مصر عام 253ه [1]، والحلّاج واشتراكه في الثورة الاشتراكية للقرامطة في مطلع القرن الرابع الهجري. [2]

الصوفية في مصر
الصوفية في مصر – رسمة تعبيرية

وقد انتبهت السلطة السياسية في العصر الحديث إلى أهمية الصوفية داخل المجتمع، بعدما ازداد خطرهم وتأثيرهم بداية من العهد المملوكي، الذي تحول فيه إلى جماعات منتظمة ومترابطة وتخضع لطاعة شخص ما تحت اسم “التصوف الطرقي”.

وقد كان لانتشار التصوف الطرقي بين فئات متنوعة ومتعددة من الشعب المصري أهمية بالغة في لفت أنظار السلطة السياسية -منذ الدولة الحديثة- إلى ضرورة استيعاب وضمان ولاء تلك القوى الناعمة، التي يمكن أن تتحول في لحظة إلى موج هادر، ثم كيفية الاستفادة وتوظيفها في مشروعاتها السياسية في مرحلة التالية، وهذا ما فعله محمد علي باشا، في محاولته للسيطرة والإشراف على الطرق الصوفية في مصر خلال فترة حكمه.

في عام 1895، أنشأت الدولة المصرية المجلس الأعلى للطرق الصوفية، ثم توالت التشريعات التي تُنظِّم عمل جماعة المتصوفة ابتداءً من القرن التاسع عشر، فقد صدر أول تشريع يُنظِّم عمل الطرق الصوفية عام 1903 تبعه تعديل جزئي عام 1905 ظل معمولًا به حتى ثورة 1952.

وفقَا لتشريع عام 1903، كان شيخ مشايخ الطرق الصوفية يُعيّن من قبل المشايخ أنفسهم، ولكن في أعقاب ثورة يوليو أصبح رئيس الدولة هو منْ يقوم بتعيين صاحب هذا المنصب الرفيع، فكان قبول الشيخ “محمد محمود علوان”، شيخ الطريقة العلوانية الخلوتية، لتولي المنصب الجديد (شيخ مشايخ الطرق الصوفية) بقرار من حاكم سياسي لأول مرة وليس وفقًا للائحة المجلس الصوفي الأعلى، إنباءً بشكل العلاقة التي ستربط بين المتصوفة والدولة، ثم جاء القانون رقم 118 لعام 1976 ليُحكِم قبضة الدولة على الصوفية شيوخًا ومريدين بشكل نهائي.

ومنذ ثورة 1952 شهدت الطرق الصوفية شكلًا من أشكال التماهي مع المشروع القومي للدولة، لا سيما في صراعها مع جماعة الإخوان المسلمين، ولم يُعكِّر تلك الحالة سوى استثناءات قليلة، مثل محاربة عبد الناصر للطريقة البكتاشية ومصادرة تكيتها بالمقطم عام 1957، نظرا لاشتباهه في ارتباطها بنظام ما قبل الثورة، ومصادرته لأملاك الطريقة الدمرداشية عام 1961، ووقوفه في وجه الطريقة الحصافية للاشتباه في ارتباط بعض مريديها بجماعة الإخوان المسلمين، نظرا لأن مؤسسها الشيخ حسن البنا بدأ حياته الأولى في هذه الطريقة ببلدة المحمودية.

وصل تعداد الصوفية كجماعة دينية -حسب بعض التقديرات- إلى نسبة تتراوح ما بين 13 و15 مليون نسمة، موزعين على أقاليم ومناطق جغرافية متنوعة بين المدن والقرى والنجوع.

لذلك، ظلت الصوفية ورقة سياسية معمولا بها حتى فترة ما بعد ثورة الخامس والعشرين من يناير 2011، حين لجأ المرشح الرئاسي أحمد شفيق إلى استقطاب دعم المتصوفة في مواجهة مرشح الإخوان، محمد مرسي.

أحمد شفيق
أحمد شفيق

ذهب “شفيق” إلى الصعيد يمتطي صهوة حصان على طريقة خلفاء الطرق في المواسم الدينية، تلفُّه شارات وبيارق وأعلام الطرق الصوفية، وهو ما انعكس على التوجيهات المركزية للعديد من الطرق لمريديها عبر المحافظات المختلفة لصالح شفيق ضد مرسي، والذي عُدّ –من وجهة نظرهم- مُرشحا للسلفية الوهابية.

وإذا كان هذا على المستوى المحلي، فقد تم توظيف التصوف خارجيًا في عملية المد للمشروع القومي الناصري، من خلال بعض الطرق التي امتلكت امتدادات طرقية أو قبلية خارجية، مثل الطريقة الجنيدية الخلوتية، وهي طريقة أسّسها سوري في منتصف القرن التاسع عشر، وفي خريف عام 1958 أقام شيخ الطريقة حسين إبراهيم الجنيدي في سوريا، وهو العام الذي أُعلنت فيه الوحدة المصرية السورية، وليس ذلك لكونه شيخًا صوفيًا فقط، بل لأنه كان عضوًا سابقًا في مجلس الأمة في دورات 1957، و1958، و1968، ثم في مجلس الشعب عام 1971، كما حاول النظام الناصري استخدام الطريقة القطانية الشاذلية في توثيق العلاقة مع المغرب، الذي يعتبر مهد هذه الطريقة، وساندت الدولة الطريقة البرهانية الدسوقية الشاذلية الممتدة داخل مصر والسودان من أجل توطيد العلاقات بين البلدين.

هذا التوظيف السياسي للتصوف دوليًا كان باديًا أيضًا في مؤتمر جروزني، الذي احتضنته العاصمةُ الشيشانية في الفترة من 21 إلى 23 من ذي القعدة 1437 هـ (الموافق 25 إلى 28 أغسطس 2016م)، تحت عنوان: “منْ هم أهل السنة والجماعة؟”، والذي جمع عددا من رموز الأشاعرة والماتريدية والصوفية، مُقصيًا ومُستثنيًا جماعتي السلف والإخوان المسلمين وغيرهما من الجماعات الدينية، في إشارة واضحة لنوعية ونمط التدين الذي يُراد له عالميًا وإقليميًا الانتشار في المنطقة خلال السنوات القادمة، لمحاولة السيطرة على نمط التدين السلفي المحافظ، والذي كان مفرخة للعديد من جماعات العنف الديني.

هذا الأمر يؤكده ما كان لهذا المؤتمر من سوابق شهدتها العاصمة المصرية تحت إشراف مشيخة الأزهر، ووزارتي الأوقاف ودار الإفتاء المصرية على مدار عامي 2010 و2011.

مؤتمر جروزني
مؤتمر جروزني

مستقبل المشاركة السياسية للمتصوفة

يشهد التصوف في السنوات القليلة الماضية حضورا طاغيا على الفضاء الإلكتروني بعدما اُستدعيت شخصيات مثل ابن عربي والحلّاج وجلال الدين الرومي بمقولاتهم، وانتشار فيديوهات الشيخ الحبيب الجفري والشيخ صلاح التيجاني، وآخرهم تلك الانتفاضة التي أحدثها حضور الشيخ جابر البغدادي على صفحات “فيسبوك”، وهو حضور يعني -بلا شك- رغبة في استدعاء نمط ديني يقوم على الحب والتسامح والإخاء الإنساني، بديلًا لأشكال التدين التي سادت لسنوات، معتمدة على الاتهام والزجر والترهيب، وصولًا إلى التكفير ودفع الأنصار إلى حمل السلاح في وجه الجميع.

وقد لا يخلو هذا الحضور من دعم من قبل الأنظمة السياسية العربية، وبعض الدوائر الاستشراقية الغربية، باعتباره بديلا لما يُعرف في الغرب بـ“تيارت الممانعة”، وهي مسألة لا يجب أن تؤخذ على محمل سلبي طيلة الوقت، باعتبار المتصوفة طائفة مُداهنة ومستكينة، على الأقل لأن هذا لا يتسق ووقائع التاريخ التي كان المتصوفة في أكثرها مرابطين على الثغور، ومجاهدين ضد الاستعمار، وأسماء مثل ابن باديس وعبدالقادر الجزائري تؤكد هذه الحقائق.

ولكن لأن ما يملكه التصوف من مقومات أخلاقية ومنظومة قيمية تقوم على التعددية والاختلاف، والذاتية في العلاقة ما بين الله والإنسان، واستيعاب الآخر، تجعل التصوف الأكثر أهلية لاستيعاب مفاهيم الدولة الليبرالية الحديثة، لكن هل يعني هذا محاولة ترجمة تلك الإمكانات في مشروع سياسي ينافس على السلطة؟

في حديث خاص للدكتور أحمد نبوي، الأستاذ بكلية أصول الدين بجامعة الأزهر الشريف، ذهب إلى أن هدف المتصوفة ليس إنشاء حزب سياسي، لأنهم لا نية لديهم للمنافسة السياسية، لكن هدفهم هو المشاركة المجتمعية في التنمية، وبذل الجاه في خدمة المواطنين عند المسؤولين وأولي الأمر، وهو ما يبذله الشيخ علي جمعة من خلال جمعية “مصر الخير” كجمعية خيرية تنموية، وهو دور سبق للعديد من رموز التصوف ومشايخه القيام به، مثل الدور الخيري لطريقة الشيخ صالح الجعفري، وقد عُرف عن الشيخ محمود أبو هاشم في المنصورة أنه يقضي أكثر يومه بين دواوين الحكومة ومكاتب المسؤولين في قضاء حوائج الناس. [3]

لكن هذا الزهد في المنافسة في الحياة السياسية لا ينفي وجود رغبة ملحة -على الأقل- لبعض رموز التيار الصوفي للتأثير في الشأن العام، الأمر الذي تُوضِّحه تلك المعركة الشرسة التي خاضها الإمام أحمد الطيب (شيخ الأزهر) في مواجهة تيار الإسلام السياسي (الإخوان والسلفيين)، وهي معركة كان الهدف منها إحكام القبضة على الأزهر الشريف، معقل الأشاعرة الأقرب للتصوف.

الصوفية في مصر
علي جمعة، شيخ الطريقة الصديقية الشاذلية ورئيس اللجنة الدينية بمجلس النواب

ويُمثِّل حضور الشيخ علي جمعة، مفتي الجمهورية السابق، وشيخ الطريقة “الصدقية الشاذلية”، في الفضاء الإعلامي والإلكتروني أهمية بالغة في التأثير على الرأي العام الديني والثقافي، لا سيما في ظل ترؤسه اللجنة الدينية في البرلمان المصري، وهو ما يُشار إليه كمحاولة لاقتناص الفتوى الدينية لصالح جماعة المتصوفة، وهو ما يمارسه بالفعل الشيخ علي جمعة داخل أروقة البرلمان، وتتمثل آخر معاركه في قضية الختان التي وقف فيها يُفنِّد حجج ممثل حزب النور السلفي النائب أحمد حمدي.

خلاصة القول، إن الحضور الصوفي في المجال العام، وإن لم يكن هدفه سياسيًا بشكل مباشر، فإنه لم يكن اعتباطًا أيضًا، وإنما يُشكِّل الأرضية الثقافية والدينية التي تحاول الدولة البناء عليها في محاصرة التيارات الدينية المشددة والجماعات الإرهابية من ناحية، والانطلاق بالعقل المسلم إلى فضاء أكثر رحابة في التعايش وبناء الحضارة من ناحية أخرى.

المراجع

[1] زكريا سليمان بيومي، “الصوفية ولعبة السياسة في مصر الحديثة والمعاصرة”، القاهرة، دار العلم والإيمان للنشر والتوزيع، 2008، ص21.

[2] حسن حنفي، “من الفناء إلى البقاء: محاولة لإعادة بناء علوم التصوف – الجزء الأول: الوعي الموضوعي”، الطبعة الأولى، بيروت، دار المدار الإسلامي، 2009، ص16.

[3] مقابلة خاصة أجراها الكاتب مع الدكتور “أحمد نبوي”، بتاريخ 10 إبريل 2021.

بلال مؤمن

كاتب مصري

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى