الحكومة تغازل الحريري

شُو بَدْكُن؟ ما في غيره!

عاد اسم سعد الحريري، رئيس الوزراء اللبناني المستقيل،  للتداول بوصفه مرشحًا لرئاسة الحكومة اللبنانية، وقد رحب بهذا الأمر قائلًا إنه مرشح، بعدما كان رافضًا للعودة حتى ولو بشروطه.

لم يغب اسم الرجل الذي ذاع صيته باسم “الشيخ سعد” عن بورصة الترشيحات لمنصب رئيس الحكومة منذ قرار استقالته تجاوبًا مع انتفاضة الشارع في أكتوبر/تشرين الأول الماضي، خصوصًا مع سلسلة اعتذارات المرشحين للمنصب وإسقاط آخرين.

ويكتسب الحريري نقاط قوة تعزز من عودته حتى مع رفض المتظاهرين له بوصفه “أحد رموز النخبة الحاكمة” التي ثارت عليها، وتجعل من المرشحين السابقين مجرد “رؤساء حكومة انتقاليين” أو “كروت مستنفدة” انتظارًا لقبول الحريري.

سعد الحريري
الزعيم السنّي الأقوى

يظل سعد الحريري دومًا هو المُرشح الأجدر لرئاسة الحكومة والخيار الأول للطائفة السنية في هذا الموقع داخل السلطة التنفيذية؛ فالرجل لا يزال هو الزعيم السنّي الأقوى عبر تيار المستقبل، حتى مع تراجع قوته السياسية والمالية والشعبية في السنوات الأخيرة.

ويستمد رئيس الحكومة المُستقيل هذا النفوذ من إرث والده رفيق الحريري، سواء في علاقاته الخارجية النافذة مع دول الخليج ، وثرواته المالية التي جعلته في مصافّ أثرياء العالم.

لافتة مؤيدة للحريري في لبنان

هذا النفوذ الواسع داخل طائفته يظهر في تمسك الشيخ عبد اللطيف دريان، مفتي السنّة في لبنان، بالحريري كمرشح السنّة للحكومة دون المرشحين السابقين،  وهو الأمر الذي دفع عدد من المرشحين للحكومة في الشهور الأخيرة لعدم قبول المنصب بسبب عدم قبول المفتي.

من بين هؤلاء سمير الخطيب، الذي رُشِّح لرئاسة الحكومة عقب استقالة الحريري، قبل أن يتراجع عن قبول المنصب، بعدما أبلغه المفتي في لقاء قبل تنصيبه رسميًّا، أنه “من داعمي الرئيس سعد الحريري.. واللقاءات والمشاورات والاتصالات مع أبناء الطائفة الإسلامية نتج عنها التوافق على تسمية الرئيس سعد الحريري لتشكيل الحكومة المقبلة”.

وسبق لمفتي السنة في لبنان رفض الاجتماع بأكثر من مرشح للحكومة، أو حتى الاعتراف بهم بعد قبولهم المنصب، مثل حسان دياب الذي لم يوافق الشيخ دريان على لقائه قبل قبوله المنصب، حتى لا يراه البعض تأييدًا ومباركة.

وتتوزع المناصب الثلاثة الكُبرى (رئاسة الجمهورية – رئاسة الحكومة – مجلس النواب) في لبنان على الطوائف الثلاث (المسيحية – السنة – الشيعة) بالترتيب، بحسب المعادلة التي توافقت عليها الداخل والخارج عقب عودة الرئيس اللبناني ميشال عون من المنفى.

بهاء الحريري يدخل على الخط

دخل بهاء الحريري، الابن الأكبر لرفيق الحريري، على الخط  كمرشح لرئاسة الحكومة عبر طرح نفسه في الأوساط السياسية في هيئة “المنقذ” لأوضاع البلاد المتعثرة، عقب سلسلة الاعتذارات المتتالية لرؤساء الحكومات، واستقالة آخرين.

وبهاء، الذي ذاع صيته في مجال البيزنس كواحد من أثرياء العالم العربي، وانحصرت اهتماماته في قطاع المال والاستثمارات، لم يمارس السياسة كحال شقيقه، وظل تفاعله مع الأحداث الكبري ببلاده متوسطًا، عبر  بيانات تصدر من مكتبه الإعلامي بشأن الأحداث الكُبرى.

بهاء الحريري

ونشط تفاعل بهاء في السنوات الأخيرة مع الشأن السياسي، من خلال الظهور في  مقابلات إعلامية أو إجراء اتصالات مع رؤساء دول عربية، حاول خلالها طرح نفسه كمرشح بديل محتمل لشقيقه.

تأكدت طموحات بهاء السياسية في تنصيبه رئيسًا للحكومة بعدما ذكر جيري ماهر، مستشار بهاء الإعلامي أن “بهاء قد يكون هو المنقذ لبلاده من الأزمة التي تعيشها”، معتبرًا أن بهاء يتفوق على كل منافسيه في تشدده مع الفاسدين وعلاقتهم مع “حزب الله”.

لكن تظل فرص صعود بهاء لمنصب رئيس الحكومة صعبة، في ضوء تمسك الطائفة السنية وتيار المستقبل بشقيقه، ورفض التحالف  الحاكم القبول به في هذا المنصب، وتفضيل سعد حتى بعد استقالته في ضوء التفاهمات التي كانت قائمة معه طيلة السنوات الماضية.

الطبقة الحاكمة تستجدي الحريري

ورث سعد الحريري عن والده نفوذًا سياسيًّا وعلاقات واسعة مع حكام دول خليجية وأوروبية، أهلته ليخلف والده كممثل لسنة لبنان في موقع رئيس الحكومة، ويصبح ركيزة أساسية لاستقرار منظومة الحكم التي تشكلت وفقًا لاتفاق الطائف الذي وُقِّع في 30 سبتمبر/أيلول 1989.

وبحسب مصدر داخل تيار المستقبل تحدث إلى موقع “ذات مصر”، فإن سبب قبول الحريري هو تلقيه إشارات إقليمية خليجية ودولية (فرنسا وأمريكا تحديدًا) بقبول عودته، مؤكدًا أن ثنائي “حزب الله – أمل” أي الثنائي الشيعي يقبل بالحريري، وهُم يفعلون ذلك على قاعدة انه “الأقوى في الطائفة السنّية” لتبرير سيطرتهم على الطائفة الشيعية.

الرئيس اللبناني ميشال عون

ويُضيف المصدر الذي تحدث شريطة عدم الكشف عن هويته –وهو مصدر مُقرب من الحريري- أن الرئيس اللبناني ميشال عون والأصح جبران باسيل، وزير الخارجية السابق وصهر عون، عنده تحفظات على ترؤس الحريري لحكومة اختصاصيين، ويقبل به رئيسًا لحكومة سياسيين ليكون باسيل جزءًا منها.

ويعتقد المصدر أن حزب القوات اللبنانية الذي يمثله سمير جعجع يرفض الحريري انتقامًا من خلافات سابقة بينهما. لكنه يستدرك قائلًا إن وليد جنبلاط (زعيم الطائفة الدرزية) مبدئيًّا يناور الحريري، لكن في النهاية سيسير مع نبيه بري، رئيس مجلس النواب، بتأييده.

من جانبه، يقول ربيع بركات، الصحفي والأكاديمي اللبناني في تصريحات إلى “ذات مصر” إن سعد الحريري يعتقد أن الفترة الماضية أثبتت فشل الرهان على استبدال شخص آخر به، كما يعتقد أن الظروف الدولية الآن تسمح بتقديم قدر من الدعم إذا ما كان هو على رأس الحكومة، وهي الأمور التي تؤهله للعودة بوضع أفضل عما كان عليه في السابق.

ويضيف ربيع الذي يعمل في الجامعة الأمريكية في لبنان، أن الحريري يعتقد كذلك أن وجوده على رأس الحكومة قد يعيد فتح الطريق أمامه نحو الرياض، بعد انتكاس العلاقة معها في الشهور الأخيرة  من رئاسته للحكومة اللبنانية، مؤكدًا أن هناك فراغًا ينبغي أن سدّه، و”الآن هناك فرصة، فضلًا عن أن الظروف الآن باتت أسهل  للحريري مما كانت عليه قبل عام”.

ويؤكد الأكاديمي اللبناني أن التحالف الحاكم لا يمانع إطلاقًا عودة الحريري الذي  سبق لهم رفض استقالته من منصبه، لأنهم يرون فيه أداة لتخفيف الضغط عليهم، ومظلة للعمل والحيلولة دون العزل، ومنع تحميلهم ما يحدث في لبنان من أزمات.

لكن بركات يستدرك قائلًا إن “الإشكالية ستكون حول من سيحق له تسمية وزراء الحكومة، وأي الحقائب الوزراية ستعطى لكل فريق”، مؤكدًا أن “ما يزيد فرص ونفوذ الحريري هو أن  حزب الله والتيار الوطني الحرّ ليسا في أفضل أحوالهما بالنسبة إلى الظروف الاقتصادية والاجتماعية، وقد عجَزا عن تقديم البدائل السياسية والاقتصادية الفترة الماضية”.

الأقدر على جلب الدعم الخارجي

يعيش لبنان أسوأ أزمة اقتصادية تهدد استقراره منذ الحرب الأهلية التي دارت رحاها بين عامي 1975 و1990، والتي دفعت الكثير من اللبنانيين إلى هاوية الفقر وزيادة معدلات الهجرة خارج البلاد، خصوصًا بعد انفجار مرفأ بيروت الضخم.

وظهر التحالف الحاكم في لبنان عاجزًا عن تحمل تبعات الأزمة الاقتصادية التي كان أبرزها انهيار الليرة اللبنانية، وفشل التواصل مع الدول الداعمة للبنان للحصول على مساعدات دولية.

ماكرون والحريري

إحدى نقاط تفوق الحريري التي تعزز من فرصة عودته لمنصب رئيس الحكومة، أنه يُنظَر إليه على اعتباره الوحيد القادر على جلب الدعم المالي الخارجي لبلاده، خصوصًا في ضوء التسريبات التي تقول إنه تلقى ضوءًا أخضر من فرنسا للقبول بالمنصب، وتعهُّدًا بدعمه ماليًّا.

ويتقاطع ذلك مع اقتراح الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون بتنفيذ خريطة طريق للإصلاح، كشرط لتقديم مساعدات دولية بمليارات الدولارات، وتعهد سعد الحريري بدعم الخطة الفرنسية.

Share on facebook
Facebook
Share on twitter
Twitter

قصة

أكرم الصباغ

صحفي مصري

مشاركة

أحمد بيكا

رسوم

Start typing and press Enter to search

Visit Us On FacebookVisit Us On TwitterVisit Us On Instagram