ثقافة وفن

“العملية كيسنجر”: في جوار السنهوتي (الحلقة الثامنة)

أحداث هذه الرواية “العملية كيسنجر” من خيال مؤلفها وأي تشابه بينها وبين واقع أشخاص أو أحداث هو من قبيل المصادفة الفنية غير المقصودة.

طارد مصير ناحوم الأكبر أجيالا من عائلته فيما بعد.. بعضهم رأى أنها لعنة تشبثت بهذه السلسلة البشرية حتى لم يسلم رائد جيل من أجيالها من مصير كذلك. 

قد لا يكون الموت، وإنما السجن أو النفي أو المصادرة أو الإفلاس أو كل ذلك مجتمعا.. كلها مصائر مرتبطة بتقلب الأحوال وغضب السلطة وانقلابها بعد زمن من المودة التي تفيض عسلا وذهبا.

انقلابات السلطة في كل حال كان لها ما يبررها.. تستطيع أن تقول إنه انكشاف وليس انقلاب، وأن المنقلب ليس السلطة في معظم الحوادث.

لم يغضب أحمد باشا الجزار على ناحوم الأكبر من فراغ.. 

المسوغات كانت كثيرة، وناحوم مقامر كبير عرفه الجزار جيدا.. تاجر يعرف  متى يشتري ومتى يبيع.. في مرتين سابقتين ربح معه البيع والشراء، واحدة حين راهن على ظاهر العمر على حساب السلطان، والثانية حين باع ظاهر العمر لصالح الجزار.

العملية كيسنجر ودخول نابلوين بونابرت

لكنه ظن أن الثالثة ستربح مثل سابقتيها، وأنه سيجني الكثير من بيع الجزار، وهذه المرة لن يبيعه مملوكا للسلطان ويحصل في مقابله على عهد أمان وبضعة أكياس من الذهب السلطاني، وإنما سيبيع حصنًا عصيًّا وسدا منيعا يقف في وجه التطلعات الإمبراطورية لنابليون بونابرت في كل الشرق، وعائد البيع ليس فقط توسيع نفوذه التجاري في الشام، وإنما تنصيبه سلطانا لليهود في أورشليم.

امتلاك أرض الميعاد كانت صفقته الكبرى، لذلك كان الرهان يستحق المُضي قدما في تلك المقامرة الرهيبة، التي لم يكن لها نتيجة غير الفوز بكل شيء، أو خسارة كل شيء.

جاءت النهايات إذن على قدر البدايات

ومن يختار هذه اللعبة عليه أن يقبل بالنتيجة.. هذا ما جال في خاطر (ناحوم الابن)، طوال رحلة الهروب حتى حطت به الرحال في قاهرة مصر المحروسة عائدًا مع حملة بونابرت الفاشلة من عكا، فيما يفكر في بداية جديدة لعائلته على هذه الأرض، وقد فقدت مؤسسها وثمار هذا التأسيس كله.. مئات الصناديق المعبأة بالذهب والنفائس ابتلعها أحمد باشا الجزار في بحر انتقامه من أبيه.

لم يتوقف هذا الانتقام عند موت ناحوم الأكبر.. لم يَشْفِ غليل الجزار زعم بعض أبناء طائفته أنهم قتلوه قصاصا على خيانته وغدره بولي الأمر.. يعرف الجزار ناحوم أكثر من هؤلاء، ويعرف أن أحدا لم يقتله، لكنه قتل نفسه حسرة بعد أن وجد صناديقه لم تصل إلى قوافل الفرنساوية واستقرت في خزائن والي عكا الخاصة.

تلك الصناديق كذلك لم تُشبع انتقام الجزار الرهيب، الذي أقسم أن يَسبي أسرة ناحوم وأن يبيع أفرادها جميعا، كل رجل في مدينة وكل امرأة في قصر، وأرسل أعوانه يتتبعون الأسرة في مصر، ويحكون للمصريين تاريخها وتاريخ مؤسسها.

***

وجد (ناحوم الابن) نفسه مسؤولا عن عائلة في مهب الريح.. لا تجد ما تستند عليه وتخوض تحديات وجودية عدة، كل منها أصعب من الآخر.

الفقر المدقع الذي لم تعتده تلك العائلة، التي وجدت نفسها في لحظة بلا نفقة من درهم أو دينار، وبلا مأوى من خيمة أو جدار.

والأمن المُهدد الذي يسببه قَسم أحمد باشا الجزار ورغبته في أن تدفع الأسرة ثمن ما فعله مؤسسها، وبذات الطريقة التي كان يفعلها هذا المؤسس مع أبناء وبنات الأسر السلافية، الذين كان يمول عمليات خطفهم وبيعهم لحسابه في أسواق الرقيق.

والتحدي الأهم هو السيرة التي لحقت بهم من الشام إلى مصر لتقول للمصريين إن مؤسس هذه العائلة كان (خطافا) ونخاسا، فضلا عن خيانته للباشا والسلطان وقت نفير الجهاد دفاعا عن ديار الإسلام.

العملية كسينجر ودخول نابليون بونابرت مصر

تحمل ناحوم الابن كل هذا العبء وحده.. 

قدره أن يبدأ من الصفر محاولا حماية عائلته من تلك النوائب المستجدة.. فى تاريخ هذه العائلة لم يقف أحد روادها هذا الموقف.. حتى أولئك الذين نزحوا من الأندلس خرجوا بما استطاعوا حمله من أموال ومتاع، وحين استقروا في البلقان نفعهم ما بقي من هذا المتاع في بناء تجارة وحياة.

في مصر لم يكن الوضع صعبا لتدبير قوت العائلة يوما بيوم.. علّق ناحوم الابن مشاكله في رقبة الفرنساوية الذين منحوه دارا قُرب الجمالية، واستعانوا به كونه يجيد القراءة والكتابة بالعربية والتركية ولديه جاهزية لتعلم الفرنسية، للعمل في الديوان بماهية شهرية لا تحقق لعائلته رغد العيش الذي اعتادته، لكنها تكفيها شر السؤال في محيط متربص ومتنمر جعله غير قادر على الفكاك من اسمه الدارج الذي عرفه به المصريون ونادوه به، فلم يجد أمامه سوى الاستجابة لإرادة الناس حين ينادونه (ناحوم أفندي بن الخطاف).

***

ظل شبح ما جرى يطارد ناحوم الابن وعائلته، خصوصا حين بدأت التقلبات تعصف بالفرنسيين في مصر.. غادر بونابرت ومعظم ضباطه الذين شاركوا في الحملة على عكا، عائدين من حيث جاءوا.. حاول ناحوم الهجرة بعائلته معهم إلى فرنسا فلم يجد من يعينه على ذلك.. لا أحد من جنرالات وضباط نابليون اكترث به أو حاول الإصغاء له.. كانت لديهم تحديات أهم وأكبر من مصير عائلة تسكنها الهواجس والمخاوف.

اندلعت الثورات وتزايد الغضب بين المصريين من الفرنساوية وأعوانهم، ولم يكن أمام ناحوم الابن سوى أن يستمر في التشبث بهؤلاء العسكر.. لا خيار أمامه ولا إمكانية لخلق خيار آخر.

قُتل كليبر وسط موجات الغضب والاحتقان الكبير، وقيل إن قاتله سليمان الحلبي، الذي كان يدرس في الأزهر الشريف، جاء إلى المحروسة مدعوما من أحمد باشا الجزار ورجال السلطان في الشام.

جلس ناحوم يحسبها مع نفسه

نجح هؤلاء في الوصول إلى كليبر، رأس الحكم الفرنسى في مصر، فكيف بناحوم المسكين وأهله، الذين شعروا أن الخطر قريب وأن فاتورة ما فعله ناحوم الأكبر لا بد أن يُحاسب عليها هذا الجيل.

فقد كليبر حياته.. فهل ستفقد العائلة حريتها؟ 

قَسَمُ الجزار ببيعهم في أسواق الرقيق ما زال حاضرا.. وقوى الفرنساوية تخور في مصر، ولا بديل يملؤ ما سيتركونه من فراغ إلا عودة مصر ولاية عثمانية، وربما فوجئ الجميع بالجزار العجوز واليا عليها، وهو الرجل القوي في الشام الذي وسع نفوذه ليكاد يبتلع الإقليم كله.. حتي إن لم يأت الجزار فقد فقدت الأسرة عطف السلطان بأفعال ناحوم الأكبر.

كان ناحوم وعائلته في أزمة كبرى، والمشروع الفرنسي في مصر في أزمة أكبر تصل إلى حد الاحتضار، حاول (جاك مينو) أن يعيد له الحياة بإجراءات اندماج معاكسة.

حاول الفرنسيون استعمار مصر ثقافيا لتصبح جزءا لا يتجزأ من الإمبراطورية الفرنسية عبر دفع المصريين لتقليد الفرنسيين وتعلم لغتهم وأساليبهم، وأراد “مينو” أن يعزز هذا الدمج بإجراء معاكس يقترب فيه من المصريين ويحاول إقناعهم بدليل يتجاوز خَطابة بونابرت الكلامية المنمّقة، أنه غير بونابرت وكليبر، صار منهم ويخطط للبقاء معهم والعيش والموت بينهم.

أسلم جاك مينو وصار حاكم مصر الجنرال الفرنسي عبد الله باشا مينو، وتزوج الرشيدية بنت البواب، وانغمس في طقوس المسلمين مُظهرا الولاء للدين الجديد، ما اعتبره بونابرت تضحية كبرى منه من أجل القضية الوطنية بدمج مصر في فرنسا وجعلها قطعة منها.

منح إسلام “مينو” للوجود الفرنسي في مصر بعض الحياة، وإن لم تستمر هذه الحياة كثيرا، فغادرت الحملة الفرنسية الديار المصرية مهزومة، تاركة عائلة ناحوم في مهب الريح، بعد أن فشل رائدها (ابن الخطاف) في إقناع الفرنساويةوالبريطانيين بحمل العائلة مع عائلات الضباط والجنود الفرنسيين على سفن الأسطول الإنجليزي التي غادرت سواحل الإسكندرية عائدة بالجنود المهزومين إلى مارسيليا.

العملية كسينجر ودخول نابليون بونابرت مصر

فقدت عائلة ناحوم آخر ما كانت ترتكز عليه، فيما تسلمت الحامية العثمانية البلاد، فلم يجد ناحوم أفندي أمامه سوى (خطة مينو) بأن يطلب الحماية من المصريين أنفسهم وأن يصير واحدا منهم.

بحكم عمله في الديوان، اقترب من أعضائه من العلماء والمشايخ، وأسرَّ للشيخ الشرقاوي برغبته في اعتناق الإسلام والزواج من مصرية عربية.

دلَّه الشيخ الشرقاوي علي الشيخ السنهوتي، أحد أعيان منيا القمح، وزيّن الشرقاوي للسنهوتي نسب ناحوم بعد أن يشهر إسلامه.

قال له:

– مهر ابنتك أجر وثواب دخول أسرة كاملة في الإسلام..

وقبل السنهوتي المهر المتفق عليه، وأسلم ناحوم الأصغر بين يديه ومن تبعه من أفراد عائلته، فيما رفض أحد أشقائه مسلك العائلة وفارقهم هاربا، وقيل إنه عاد إلى فلسطين متخفيا عند أحد حاخامات اليهود.

منح السنهوتي ناحوم الابن اسم شقيقه الذي انقطعت أخباره خلال رحلة إلى الحجاز، وعقد قرانه على ابنته باعتباره (محمد كمال الدين خطاب)، ومنحه وعائلته دارا، وسلمه الأعمال الكتابية والمحاسبية لفلاحة أراضيه بزمام سنهوت، فاندمج في حياة الفلاحة وأخلص، ولم يغادر هذا الزمام حتى بعد أن بلغه نبأ هلاك الجزار في عكا.

حاول شقيقه الهارب أن يستدعيه من جديد إلى فلسطين، لكن الرجل الذي التقط أنفاسه وهدأ روعه بعد سنوات صعبة، رفض الاستمرار في طريق المقامرات، ورضي بمصيره أن يعيش ويموت (كمال أفندي خطاب) في جوار السنهوتي وعصبته، وأن يعتزل الأحلام الكبرى ودوائر السلطة المتقلبة الحارقة.

اختار أن يبتعد عن الشر.. لكن على الأرجح أن الشر رفض فراقه، وإن تركه في هدنة معتبرة لسنوات.  

لقراءة الحلقات السابقة:

العملية كيسنجر.. صفقة توفيق بك خطاب مع الحياة (الحلقة الأولى)

العملية كيسنجر.. صفقة توفيق بك خطاب مع الحياة (الحلقة الثانية)

العملية كيسنجر.. صفقة توفيق بك خطاب مع الحياة (الحلقة الثالثة)

موت مباغت.. صفقة توفيق بك خطاب مع الحياة (الحلقة الرابعة)

أحمد الصاوي

كاتب وصحفي مصري

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى