ثقافة وفن

الحلقة السابعة من رواية “العملية كيسنجر”: الهروب من الجزار

ظن الثنائي ناحوم الأكبر وأحمد البوشناقي أنهما افترقا، واختلف قدراهما بعد أن اجتمعا لوهلة في عمر كليهما الحافل بالأحداث.

نقل ناحوم أمواله التي جمعها من تجارة الرقيق وعطايا الباب العالي، واستقر على ساحل عكا في كنف حاكمها (ظاهر العمر) في أرض الميعاد جوار أورشليم وسائر أرض فلسطين المقدسة، ووضع نفسه وما يملك في خدمة الحاكم الناهض المهتم بالتجارة والاقتصاد والتبادل الحر مع العالم، حتى صار أحد أهم التجار في عهده.

ودخل البوشناقي عالم المماليك ولم تمض إلا سنوات معدودات حتى ذاع صيته في الحجاز ومصر بعد حوادث متعددة ارتبطت كلها بالإغارة والدم حتى حمل لقب (الجزار)، بعد أن أسس واحدة من أقدم فرق الاغتيالات المملوكية التي كانت تنفذ القتل في خصوم من يدفع ومن يملك ومن يحكم، واستقر في كنف علي بك الكبير، والي مصر المحروسة، الذي منحه أول موقع رسمي في السلطنة العثمانية (سنجق بك القاهرة) وهو المسؤول عن حفظ الأمن في عاصمة المحروسة.

كادت الأقدار أن تجمعهما من جديد

ناحوم الأكبر وأحمد بك الجزار.. حاول سيداهما الاستقلال بما تحت أيديهما عن السلطان العثماني، أراد علي بك الكبير الاستقلال بمصر، وظاهر العمر الاستقلال بفلسطين، وتحالف السيدان لإحكام السيطرة على الشام كله وإجهاض أي محاولة عثمانية للإجهاز على المحاولة الوليدة للاستقلال،

لكن تلك الأقدار وضعتهما في أحد الاختيارات المُرة التي ستتكرر مع ناحوم وأجيال عائلته فيما بعد.

العملية كسينجر
رجل على فرسه – صورة تعبيرية

على أيهما يراهن ناحوم؟ 

الباب العالي صاحب الفضل وولي النعمة.. أم ظاهر العمر صاحب الأمر والقوة واليد الطولى الذي تقع أمواله وعائلته وروحه على مرمى كلمة منه؟

لم يحتج الأمر كثيرا من الجدل مع الذات ليختار ناحوم صف ظاهر العمر بوضوح ودون مواربة أو شعور بأي غصة ضمير، فقد قرر أن يضع ضميره حيث تسكن مصلحته المباشرة، على عكس رفيقه أحمد بك الجزار، الذى وُضع في اختيار حاسم، حين كلفه علي بك الكبير بقتل صاحبه (صالح بك)، أحد زعماء المماليك، لكن الجزار حذر سيده السابق من نيات سيده الحالي الذي بلغه أمر خيانة الجزار فصب عليه غضبه.

دفع الجزار ثمن اختياره بالهروب إلى سوريا، تاركا حلم مصر خلفه، فيما نجا ناحوم الأكبر باختياره، حتى وجد نفسه بعد سنوات قليلة في دوامة اختيار أصعب كان طرفاه هذه المرة ظاهر العمر وأحمد باشا الجزار.

*** 

عاد الجزار لجوار الباب العالي

قدم نفسه منشقا عن علي بك الكبير المتمرد على السلطان، والذي انتهى أمره بانقلاب محمد بك أبو الدهب عليه، وبقي ظاهر العمر، الذي سلط السلطان عليه الجزار فانتصر في جولة واستطاع حماية بيروت من توسعات ظاهر العمر، ونصبه السلطان حاكما عليها، وانتصر ظاهر العمر في جولة وطرد الجزار من بيروت بعد أن فر هاربا إلى الأستانة.

وبقيت جولة حاسمة حين تحرك الجزار على رأس جيش عثماني لاستعادة عكا ومحيطها وإسقاط ظاهر العمر، هنا جمعت الأقدار رفيقي الأمس من جديد، ناحوم الأكبر والبوشناقي القديم الذي صار أمير اليوم وقائد الجيوش العثمانلية.

واختار ناحوم هذه المرة ألا يختار اختياره السابق، وأن يعود لرهانه القديم على الجزار الذي اكتشف فيه جرأته وبطشه حين كان يطلقه لخطف الرقيق من قلب أوروبا.

هذه المرة لم يكن اختيارا سياسيا فحسب، وإنما مشاركة في الحسم، فبينما تشتد المعارك ويستأسد ظاهر العمر في الدفاع عن مُلكه ضد الجزار الغازي، كان الأخير قد رتب مع ناحوم شراء بعض العشائر المؤيدة لظاهر العمر، ومنها عشائر قريبة كانت تتولى حراسته، ما مكن الجزار وقواته من اقتحام حصن غريمة وقتله وتشريد أولاده متخفين في الشام وجوارها، ليدخل الجزار عكا حاكما قويا، مُعلنا عن وجوده كرقم صعب في كل الشام وفلسطين ليبدأ فصل جديد في العلاقة بين ناحوم الأكبر وأحمد باشا الجزار لم يخل من اختيارات ورهانات صعبة أيضا.

العملية كسينجر
رجلان يتحدثان وبينهما حقائب ذهب

وضع الجزار ناحوم تحت عينيه.. سمح له بمزيد من الإثراء لكنه شاركه في كل أوقية ذهب بخزائنه النصف بالنصف.. مكنه مقابل ذلك من احتكار التجارة البحرية وأعمال الميناء، وفرض عليه تمويل تحصينات سور عكا، وفي الوقت نفسه منعه من استقدام المزيد من بني طائفته الذين وطّن منهم المئات في عهد ظاهر العمر بعكا وحيفا ويافا، ومنعه من الاجتماع بمن استوطنوا.. خشي الجزار أن ينصب ناحوم نفسه زعيما لطائفة اليهود، وأن يجمع حوله الأنصار من بني ملته فيصير في منعة منهم، يزيدها عطف السلطان على اليهود إجمالا.

لم يكن ذلك مجرد تحسب من خطر ما لناحوم العجوز وقتها، بقدر ما كانت محاولة من الجزار لتثبيت مُلكه مع تزايد أطماعه لامتلاك الشام كله بعد انتزاعه حكم دمشق ونجاحه في إخماد ثوراتها، وتوجس السلطان من نزعته الاستقلالية.

وضع الجزار رجاله كلهم موضع الشك.. أخذ بالظن وبطش.. ولم يترك مشكوكا فيه لتتسع حوله دائرة الشك أو تثبت براءته من الشكوك، تعامل مع الظن كاليقين، وأقصى من يدخل دائرة ظنونه من باب الاحتياط.

صمد ناحوم في هذا المناخ الصعب.. تحسب من غضب الجزار الذي كاد يطوله مرة بعد مرة، وبدأ التفكير في مصير ثروته وعائلته والطائفة التي حاول أن يبنيها ويقويها، ولم يكن هناك ملجأ عند السلطان في الشمال، لكن كان هناك بصيص أمل في الجنوب عند ساري عسكر الفرنساوية.

*** 

جاء نابليون بونابرت

وراج مع قدوم حملته على مصر حلم التحرر اليهودي في العالم وإقامة وطن قومي لليهود في فلسطين.

وكانت تلك إشارة أولى لناحوم..

وجاءت الإشارة الثانية مع مخصوص نقل للرجل باعتباره من وجهاء طائفة اليهود في فلسطين رسالة بونابرت التي يتعاطف فيها مع ما سماه “الحق اليهودي في وطن بأرض الميعاد”.

وكان هذا يكفي ليكسب تعاطف ناحوم في وقت استعد فيه بونابرت لغزو الشام، وراجت الأنباء حول حملته العسكرية الجديدة.

كان بونابرت بالنسبة لناحوم حلا مزدوجا، فمن ناحية يقترب به من حلم أرض الميعاد الذي أنفق عليه وأخلص، ومن ناحية أخرى يخلصه من الجزار وبطشه وثقله وقدرته على أن يعود به تاجرا متواضعا في حدود السلطنة مع أوروبا، وينزعه كل ما قضى العمر يبني فيه.

بدأت الحملة ووقفت عند أسوار عكا في حصار قاس وصعب، وأظهر ناحوم وجها مزدوجا في دعم أحمد باشا الجزار، وفي ذات الوقت تثبيط الهمم بالحديث عن بونابرته الرهيب الذي لا يُهزم، والذي ابتلع مصر في بضعة أسابيع واستقر بها حاكما قويا.

وقفت الأسوار التي شارك ناحوم في تمويل تحصينها عائقا أمام نابليون، ما جعل ناحوم يعطي الفرنسيين خريطة بالمواقع الأضعف في السور لتركيز مدفعيتهم عليها لعمل ثغرات ينفذ منها الجنود.

قرر الجزار أن يبني في تلك المناطق سورا خلف السور، وعهد لناحوم بالإشراف على ذلك، فاستغل ذلك وفتح ثغرة في الجدار متفقا مع الفرنساوية على مساعدته في تأمين أمواله مع عائلته والسماح لهم بتوسيع الثغرة لإدخال القوات، ونجح في تهريب عائلته إلى حيث سفن الفرنساوية، لكن الجزار علم بالخبر فحشد القوات التي انتظرت الفرنساوية عند الثغرة، وأعملت فيهم القتل حتى تراجع الهجوم وفشل كما فشل تهريب الأموال، حيث سيطرت قوات الجزار على صناديق الذهب التي حاول ناحوم تهريبها، إلى سفن الفرنساوية.

أطلق الجزار رجاله بحثا عن ناحوم الأكبر الذي اختفى تماما، وقيل إن أحد أبناء طائفته قتله وسلم رأسه للجزار قربانا حتى لا يبطش بكل الطائفة ويأخذ كل اليهود بجريرة ناحوم الأكبر، فيما خرجت عائلته خاوية الوفاض وعادت مع الحملة العسكرية الفاشلة إلى مصر هاربة من الجزار غير مكترثة بمصير مؤسسها بعد أن عرفت مصير الصناديق التي صادرها حاكم عكا القوي.

لتنتهى رحلة ناحوم الأكبر وتبدأ رحلة ناحوم الأصغر أو الخواجة “ناحوم ابن الخطاف”، كما سماه أهل مصر. 

لقراءة الحلقات السابقة:

العملية كيسنجر.. صفقة توفيق بك خطاب مع الحياة (الحلقة الأولى)

العملية كيسنجر.. صفقة توفيق بك خطاب مع الحياة (الحلقة الثانية)

العملية كيسنجر.. صفقة توفيق بك خطاب مع الحياة (الحلقة الثالثة)

موت مباغت.. صفقة توفيق بك خطاب مع الحياة (الحلقة الرابعة)

أحمد الصاوي

كاتب وصحفي مصري

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى