دراسات وتحليلاتمختارات

الحل الغائب في ليبيا.. “لوغاريتم” الميليشيات بين ألوان التفكك والإدماج

 

اتسمت ثورتا مصر وتونس في العام 2011 بالسلمية، التي كانت شعارا لتظاهرات  خرجت في البلدين ضد نظامي الحكم بهما وقت إذ، لكن الوضع لم يكن مماثلا في جارتهما ليبيا التي انطلت الشرارة فيها خلال السابع عشر من فبراير من العام نفسه، وحمل الثوار سلاحهم ضد العقيد معمر القذافي، وبعد نحو 9 سنوات ماذالوا يحملونه.

الوضع الاستثنائي للمجموعات المسلحة الليبية بدأ منذ عام الثورة، حين دخل فريق من موقع “ميدل إيست” اللندني إلى معقل الميليشيات في مدينة مصراتة، ووسط غابات السلاح والذخائر، كان المقاتلون وأمراؤهم يجرون المقابلة مع الصحفيين، ويعلنون رفضهم تسليم السلاح إلى الدولة.

ميليشيات مسلحة في ليبيا

وفي حين تمكن القائد العام للجيش الليبي المشير خليفة حفتر، خلال الخمس أعوام الماضية، في توحيد المؤسسة العسكرية والأمنية في نطاق المنطقة الشرقية، ومناطق واسعة من الجنوب، ظلت هناك العشرات من المجموعات المسلحة في الغرب الليبي، التي تختلف في قدراتها وأيدلوجيتها، والتي لا تتوقف عن التصارع فيما بينها.

آخر تلك المواجهات دارت بين كتيبتي “الضمان” و”أسود تاجوراء”، اللتين اقتتلا باستخدام الأسلحة المتوسطة والثقيلة في صباح الجمعة 25 سبتمبر، ما دعا وزير الدفاع في حكومة الوفاق صلاح الدين النمروش إلى إعطاء أمر بحل «الكتيبتين»، وإحالة قادتهما إلى المدعي العسكري العام للتحقيق، حسب بيان رسمي.

شق “الوفاق”

لكن هل يملك “النمروش” القدرة على تنفيذ قراره، حسب مصادر مطلعة فإنه لن يتمكن من ذلك، لأن كتيبة الضمان تتبع الرجل القوي ووزير الداخلية فتحي باشاغا، الذي يبقي على الفصائل المنتمية إلى مصراتة قريبة منه؛ ليحافظ على مركزه في طرابلس.

وزير داخلية الوفاق فتحي باشاغا

وأوضحت  لـ”ذات مصر” أن آمر الكتيبة علي إدريدر ماذال قيد الاحتجاز لدى وزارة الداخلية، بعدما سلم نفسه لما تعرف بـ”قوة إنفاذ القانون”، رغم أن مكتب المدعي العام العسكري طلب الإثنين الماضي، تسليمه لاتخاذ الإجراءات اللازمة حياله، وإلى الآن لم ترد الداخلية على هذا الطلب.

وتذهب المصادر إلى أن الاشتباكات في الأساس وقعت كتعبير عن الشق الكبير في حكومة الوفاق، الذي يتسع يوما بعد آخر، منذ إحالة “باشاغا” إلى التحقيق ثم إعادته إلى منصبه، لكن مع ترقية النمروش من رئيس أركان قوات حكومة الوفاق إلى وزير دقاع لها، “ما جعل الأول يشعر بأن هناك محاولة لمزاحمتة “.

ويضاف ذلك الشقاق إلى آخر بعد توصل النائب بالمجلس الرئاسي لحكومة الوفاق أحمد معيتيق إلى اتفاق مع الجيش الوطني الليبي من أجل إعادة إنتاج وتصدير النفط، وقد ظهر ذلك جليا حينما تداولت صفحات مواقع التواصل الليبية مقطع فيديو يظهر تدخل مسلحون لمنع معيتيق من الظهور في مؤتمر صحفي للحديث عن هذا الاتفاق.

محادثات “الغردقة”

مدينة الغردقة استضافت أحدثت جلسات المباحثات الأمنية والعسكرية بين وفدي الغرب والشرق الليبيين، ضمن مسار الحوار للجنة العسكرية “5+5″، التي ترعاها الأمم المتحدة، وذلك خلال يومي 28 و29 سبتمبر الماضي.

الفرقاء الليبيون في القاهرة – أرشيفية

ولا يخلو أي حديث لوزير الخارجية سامح شكري عن الأزمة اللليبية دون الإشارة إلى الحاجة لـ”حل المليشيات المسلحة، وهيكلة القطاعين الأمني والعسكري” في ليبيا، ويؤكد  العميد خالد عكاشة مدير المركز المصرى للفكر والدراسات الاستراتيجية أن مصر لها كل الحق أن تكون معنية بهذا الملف لما ينعكس عليها داخليا، مشيرا إلى أنها حاليا منفتحة على الحوار مع جميع الأطراف الليبية.

والتقى عكاشة مع خبراء من المركز “ستيفاني ويليامز” الممثلة الخاصة للأمين العام في ليبيا بالإنابة، في 31 أغسطس الجاري، التي شهدت نقاشا “معمقا بشأن تطورات الحوار الليبي، وجهود الحوار الليبي.

العميد خالد عكاشة

وفي هذا الشأن، يرى عكاشة، في حديثه إلى “ذات مصر”، أنه لم تكن هناك أي محاولات جدية خلال التسعة أعوام الماضية للتعاطي مع هذا الملف، مشيرا إلى أن الاجتماعات الليبية في الغردقة شهدت بداية للحوار بشأن حل ودمج الميليشيات الليبية، ولن يؤجل الملف إلى حين تشكيل حكومة وحدة وطنية، ينتظر أن تباشر عملها من مدينة سرت.

“أخضر..أصفر.. أحمر”

لكن كيف ستتم إعادة الهيكلة أو الدمج، ومن سينفذها.. لمع اسم “باشاغا” في هذا الصعيد حيث تحدث في عدة بيانات رسمية سابقة عن “عمله من أجل هيكلة الأجهزة الأمنية”.

وفي 14 سبتمبر أصدر وزير الداخلية قرارا حمل رقم 1508 للعام 2020، والذي ينص على “تشكيل لجنة تتولى وضع آلية وبرنامج لدمج وتأهيل المجموعات المسلحة والمقاتلين في وزارة الداخلية”.

وحسب القرار “ستضع اللجنة قاعدة بيانات يتم من خلالها تصنيف المستهدفين بالدمج إلى ثلاثة فئات بألوان الأخضر والأصفر والأحمر، على أن تدمج وتأهل الفئتين ذات اللون الأخضر والأصفر، تفكك الفئة ذات اللون الأحمر”.

صورة من قرار وزير داخلية الوفاق بشأن المجموعات المسلحة

القرار جاء بعد نحو شهر  ونصف من لقاء جمع “الوزير” مع عدد من ضباط القيادة الأمريكية في أفريقيا “أفريكوم” والسفير الأمريكي ريتشارد نورلاند، حيث تناول معهم ملف “المجموعات التي سيجري دمجها والأخرى التي يجب حلها”، وفق بيان رسمي سابق.

“حل المليشيات.. حل الأزمة”

ويرى الصحفي والمحلل السياسي الليبي الحسين المسوري أن التفاهمات التي تجري في إطار اللجنة العسكرية “5 +5” تتمحور حول الوصول إلى صيغة توافق حول التموضع على الأرض بين الجيش الوطني وقوات حكومة الوفاق، والخطوط التي ستتمركز فيها قوات الطرفين.

لكن من  الصعب أن تتناول المحادثات مسألة حل أو إعادة هيكلة الميليشيات في الغرب أو توحيد الجهازين الأمني والعسكري في البلاد، والحديث للحسين، الذي عقب قائلا إنه “إذا ما جرى ذلك فهذا يعني حل الأزمة الليبية”.

وأثنى المسوري، في حديثه إلى “ذات مصر” على اللقاءات التي جمعت الطرفين في الغردقة، قائلا إنها استكمال لاجتماعات مماثلة عقدت في القاهرة، قبيل اندلاع الحرب في طرابلس في أبريل 2019، حين حاول الجيش إنهاء سيطرة المجموعات المسلحة على المناصب والأموال والنفوذ في العاصمة.

الصراع العسكري في ليبيا

وبشأن المواجهات التي تندلع بين الحين والآخر داخل صفوف الموالين لحكومة الوفاق، أشار إلى أنها ليست انعكاسا عن حالة من الرفض حيال التحركات السياسية التي تجرى في الساحة حاليا، ولكنها اتعكاس لكون قوات “الوفاق” ليست مجموعة موحدة، لها أيدولوجية أو أهداف معينة، بل أنها تتكون من فصائل تفتقر إلى الانضباط ، كان يجمعهم فقط الكراهية إلى القيادة العامة للجيش، وتوحدوا فقط خلال مواجهته في طرابلس، لكنهم عادوا إلى التنازع فيما بينهم، وقد لا ومن المتوقع ألا يلتزمون بأي قرارات تصدر عن المحادثات التي تجرى حاليا في عدة مدن حول العالم.

وما يؤكد تلك الرؤية البيان الصادر في 1 أكتوبر الجاري عن ما يسمى بـ”غرفة عمليات سرت والجفرة” التابعة لـ”الوفاق” والتي قال منتسبوها إنه «لا تعنيهم تلك الاجتماعات، مهما كانت نتائجها»، وإنهم « لن يرضون بقيادتهم من قبل أفراد كان يصفونها بالإرهابيين والمرتزقة والدواعش».

حلم الوصول إلى ليبيا مستقرة وموحدة

واختتم المسوري بالإشارة إلى أن ما تشهده مدن مثل العاصمة السويسرية جنيف والمغربية بوذنيقة من لقاءات في سلسلة من الحوارات الليبية، ما هي إلى محاولة لجذب الأنظار عن الأماكن الحقيقية التي تشهد نقاشات جدية حول مستقبل الأوضاع في ليبيا، مضيفا أن العواصم واشنطن وموسكو والقاهرة وأنقرة هي التي يجرى من خلالها التفاوض بشكل جدي حول الأزمة الليبية.

 

 

السيد نجم

صحفي مصري

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى