وجهات نظر

الحملة الفرنسية.. المشايخ لنابليون: وإن غبت أحافظ على عهدك (3)

محمد السيد الطناوي

شواهد كثيرة تقف على حفاوة كبار المشايخ بالمحتل الفرنسي، فضلا عن تعاونهم، لكن عيون مزوّري التاريخ عميت عنها لتبصر فقط مشهد الشيخ الشرقاوي وهو يلقي الطيلسان في لقائه الأول بنابليون ولم تبين بعد المغانم والمغارم أو ينصب الساري عسكر المسرح ليقدم عرضا خلب به الألباب. لا تذكر حوادث الحملة الفرنسية مثلا ما استحق به نابليون من توصيفات أسبغها مشايخ الديوان عليه في بيانهم عقب إخماد ثورة القاهرة الأولى بأنه “رجل كامل العقل، عنده رحمة وشفقة على المسلمين ومحبة على الفقراء والمساكين”!

الانتصار لنابليون لا عليه

تتوالى بعدها بيانات كبار مشايخ الأزهر في مدح الرجل وتعظيمه، فهو “يحب المسلمين، ويعز الرسول، ويهذب نفسه بقراءة القرآن كل يوم، ويريد بناء مسجد لا نظير له في بهائه وفخامته، ويود اعتناق الإسلام”.

ويرد ذكر هذا المسجد في موضع آخر يدلل على أن مواقف مشايخ الأزهر لم تستدعها البرجماتية فحسب، بل الغفلة كذلك، ففي جلسة الديوان الأخيرة وبعد الإعلان عن الاتفاق مع العثمانيين والإنجليز على جلاء الحملة، ولم يعد هناك ما يدعو للمداراة، توجه وكيل الديوان الفرنسي، جيرار، إلى “الشرقاوي” في سياق الحديث عن نابليون:

“وتشهد بما أقول أن حضرة سر العسكر بونابارته عزم على أن يتوجه معك إلى البيمارستان لينظر في مصالح الضعفاء؟، فرد الشيخ الشرقاوي قائلا: “وكان أخبرنا أنه يريد أن يبني مسجدا”، فقال (جيرار): لم يعقه عن هذا إلا توجهه إلى الشام”.

تفصيلة صغيرة لكنها تحمل دلالة بليغة، تشي بأن أحاديث المتقمص البارع بونابرت بلغت في نفوس المشايخ أبعد مما صوره البعض، وتدعيما لوجهة النظر تلك يسوق إسماعيل الخشاب، كاتب الديوان، وثيقة سجل فيها الشيخ الأزهري إحدى جلسات الديوان المعاد تشكيله للمرة الثالثة بعد مقتل كليبر وتولي الجنرال مينو قيادة الحملة.

اقرأ أيضًا: الحملة الفرنسية.. حكاية من زمن تزوير التاريخ الحلال (1)

في هذه الجلسة اتخذ محمد المهدي، سكرتير أو كاتم سر الديوان، لنفسه كرسيا وسط المشايخ ليقرأ نص رسالة سترسل إلى نابليون باسم المجلس، وفيها يتضرع مشايخ الأزهر إلى الله بأن ينصر السر عسكر على أعدائه! ويبلغوه بأن المصريين والفرنسيين أمسوا شعبا واحدا ويرجونه أن يرجع إلى مصر مثلما وعدهم!.

وبعد مقدمة مثقلة بعبارات التفخيم والتعظيم، كتب “المهدي” على لسان المشايخ وسائر أهل مصر:

“كل سكان القطر من أمراء وأعيان ومن سائر أحبابنا الذين يعز علينا نجاحهم ونحبهم من الإخوان، وأهل أنواع التجارة، وأرباب الصنائع في جميع مدائنهم والبنادر… وسائر النساء اللاتي صان الله عرضهن على يديكم الشهيرة بالفروسية والشجاعة، وكامل الفقراء والمساكين… هم باتفاق واحد بنا إليكم متوسلين، وعلينا في مخاطبتكم معولين وبنا مستعينين… نحن وإياهم مبتهلون وإلى الله راغبون، طالبين من فضل رب العالمين أن تكونوا دائما على أعدائكم منتصرين ظافرين ولفعل الخيرات متعطفين، محبا وعضدا للفقراء والمساكين، موقرا مكرما ومعضدا لديننا الأمجد الأجل.. إذ إنه أمر مهم من بعد الدين لا يوجد عندنا أعز منه… فنشكرك ونحمد الله، حيث إنك تصدرت لمنع كامل الأضرار والأوصاب التي كان يمكن حدوثها علينا، وعاقبت فاعليها في أوقات الاضطراب، والفرنسيس طبعهم لا يميل، ولم يسرعوا وراء المظالم”.

وفي رجاء الساري عسكر أن يعود لمصر:

“وأنتم سترجعون للقطر المصري إن شاء الله آمنين، وأنت ظهرت عندنا لمح نظير برق لامع من قبل الحق، وغبت عنا بغتة كأسرع ما يكون البرق، إذ أخبرتنا بأن موضوعا آخر يدعوك إليه… وقد بلغنا الفرنساوية أحبابنا الذين سرورنا يسرهم وسرورهم يسرنا، فرحونا بأنكم توجهتم وقصدتم الحصول على نصرة عظيمة جدا.. هذا وقد غلبتم فحمدنا الله على نصرتكم ونجاح مقصدكم… ونخبركم من خالص الطوية تصديقا لمقالنا بأن الطائفتين المصرية والفرنساوية لا يعدان الآن سوى رعية واحدة، مع وفور المحبة وصدق النية، ولا زال هذا الاتحاد يشتد يوما فيوما في سائر الأوقات وذلك اعتناء محبنا وعزيزنا عبد الله مينو الجزيل إكرامه بين المخلوقات.. فنحمد الله على أنه اشتاقكم لأن تحكموه وتقرروه وتختاروه على أن يسوسنا ويلاحظنا ويحفظنا ويرعانا ويقوم بحقوقنا وحقوق فقرائنا، ويجعلنا عباد الله إخوانا”.

هذه الوثيقة المكتوبة بخط الشيخ إسماعيل الخشاب، كاتب الديوان، والتي نشرها المعهد العلمي الفرنسي للآثار الشرقية في 2003 ضمن مجموعة من الوثائق، بتحقيق كل من الدكتور محمد عفيفي، أستاذ التاريخ بجامعة القاهرة، والمؤرخ الفرنسي أندريه ريمون، تنبه إلى ما قطعه كبار المشايخ من شوط في التعاون وممالأة المحتل، لكن بقدرة بعض المؤرخين ومزوّري التاريخ استحال المتعاونين والممالئين إلى ثائرين.

بالوا على أنفسهم ووقعوا في عرض النصارى!

ومن زعموا لعبد الله الشرقاوي ولكبار المشايخ ثورية حاشاها كانت لهم، يستشهدون بما أثبته الرجل لنفسه ولزملائه حين ادعى: “وقد حبسونا في القلعة مع إخواننا من العلماء، خوفا من قيام أهل البلد عليهم، كما وقع منهم سابقا، فمكثنا في القلعة مائة يوم، من تسعة ذي القعدة إلى أواخر صفر، سنة ست عشرة ومائتين وألف، وسبب خروجنا من الحبس وقوع الصلح بين المسلمين وبين الفرنسيين”.

وبالعودة إلى “الجبرتي” تقرأ خلاف ما أشار إليه “الشرقاوي” من صلة بين حبسهم وانتفاضة الناس، إذ يقول المؤرخ الكبير:

“فلما كان في صبحها ثامنه بكر المشايخ بالذهاب إلى بيت ساري عسكر ولبسوا أفخر ثيابهم وأحسن هيئاتهم، وطمع كل واحد منهم، وظن أن ساري عسكر يقلده في هذا اليوم أحلى المناصب، أو ربما حصل التغيير والتبديل في أهل الديوان فيكون في الديوان الخصوصي، فلما استقر بهم الجلوس في الديوان، أهملوا حصة طويلة، لم يؤذن لهم ولم يخاطبهم أحد، ثم طلب ساري عسكر الشيخ محمد المهدي فدخل إليه بمفرده، فكلمه كلاما طويلا، فمما قال له: إننا لما حضرنا إلى بلدكم هذه نظرنا أن أهل العلم هم أعقل الناس، والناس بهم يقتدون، لأمرهم يمتثلون، ثم إنكم أظهرتم لنا المحبة والمودة وصدقنا ظاهر حالكم، فاصطفيناكم وميزناكم على غيركم واخترناكم لتدبير الأمور وصلاح الجمهور، فرتبنا لكم الديوان وغمرناكم بالإحسان، وخفضنا لكم جناح الطاعة، وجعلناكم مسموعين القول مقبولين الشفاعة، وأوهمتمونا أن الرعية لكم ينقادون، ولأمركم ونهيكم يرجعون، فلما حضر العثمنلي فرحتم لقدومهم وقمتم لنصرتهم وثبت عند ذلك نفاقكم لنا، فقال له (المهدي): نحن ما قمنا مع العثمنلي إلا عن أمركم، لأنكم عرفتمونا أننا صرنا في حكم العثمنلي من ثاني شهر رمضان، وأن البلاد والأموال صارت له، وخصوصا وهو سلطاننا القديم وسلطان المسلمين، وما شعرنا إلا بحديث هذا الحادث بينكم وبينهم على حين غفلة، ووجدنا أنفسنا في وسطهم، فلن يمكننا التخلف عنهم، فرد عليهم الترجمان ذلك الجواب، ثم أجابهم بقوله: ولأي شيء لم تمنعوا الرعية عما فعلوه من قيامهم ومحاربتهم لنا، فقالوا: لا يمكننا ذلك خصوصا وقد تقووا علينا بغيرنا، وسمعتم ما فعلوه من ضربنا وبهدلتنا عندما أشرنا عليهم بالصلح وترك القتال، فقال لهم: وإذا كان الأمر كما ذكرتم ولا يخرج من يدكم تسكين الفتنة ولا غير ذلك، فما فايدة رياستكم وإيش يكون نفعكم، وحينئذ لا يأتينا منكم إلا الضرر، لأنكم إذا حضر أخصامنا قمتم معهم وكنتم وإياهم علينا، وإذا ذهبوا رجعتم إلينا معتذرين فكان جزاؤكم أن نفعل معكم كما فعلنا مع أهل بولاق من قتلكم عن آخركم وحرق بلدكم وسبي حريمكم وأولادكم، لكن حيث إننا أعطيناكم الأمان فلا ننقض أماننا، ولا نقتلكم وإنما نأخذ منكم الأموال”.

ويتابع “الجبرتي”:

“ثم فتح باب المجلس الداخلي وطلبوا من المشايخ الدخول فيه، فدخلوا وجلسوا حصة مثل الأولى ثم خرج إليهم ساري عسكر وصحبته الترجمان وجماعة من أعيانهم، فوضع له كرسي في وسط المجلس وجلس عليهم…فأخرج الساري عسكر ورقة من كمه، وتكلم بما فيها وكلم الترجمان كلاما طويلا بلغتهم حتى فرغ، فالتفت الترجمان إلى الجماعة وشرع يفسر… فكان ملخص ذلك القول: إن ساري عسكر يقول لكم إنه عفا عنكم مع استحقاقكم للعقوبة وإنما يطلب منكم عشرة آلاف ألف فرنك، وذلك مقداره ألفا ألف فرانسة، منها على الشيخ السادات خاصة ماية ألف، والشيخ محمد بن الجوهري خمسون ألفا، وأخيه الشيخ فتوح خممسون ألفا، والشيخ مصطفى الصاوي خمسون ألفا… ثم انظروا من يكون فيكم رهينة عندنا حتى تلقوا ذلك المبلغ، وقام من فوره ودخل مع أصحابه إلى داخل، وأغلق بينه وبينهم الباب، ووقفت الحرسية على الباب الآخر يمنعون من يخرج من الجالسين، فبهت الجماعة وانتقعت وجوههم ونظروا إلى بعضهم البعض وتحيرت أفكارهم، ولم يخرج عن هذا الأمر إلا البكري والمهدي، لكون البكري حصل له ما حصل في صحايفهم والمهدي حرق بيته بمرأى منهم، وكان قبل ذلك نقل جميع ما فيه بداره بالخرنفش… وكان يستعمل المداهنة وينافق الطرفين بصناعته وعادته”.

اقرأ أيضًا: الحملة الفرنسية على مصر.. عمائم المشايخ تحت نعال الثوار (2)

ويستطرد مؤرخنا في وصف الحال المخزية التي ألمت بكبار المشايخ حينها:

“ولم تزل الجماعة في حيرتهم وسكرتهم، وتمنى كل منهم أنه لم يكن شيئا مذكورا، ولم يزالوا على ذلك إلى قريب العصر حتى بال أكثرهم في ثيابه، وبعضهم شرشر ببوله من شباك المكان، وصاروا يدخلون على نصارى القبط، ويقعون في عرضهم، فالذي انحشر فيهم ولم يكن معدودا في الرويسا أخرجوه بحجة أو سبب، وبعضهم ترك مداسه وخرج حافيا، وما صدق بخلاصه””.

رواية زائفة وذات قومية مجروحة

كانت حبسة “الشرقاوي” والمشايخ بخلاف ما صوره من ارتباطها باستتباب الأمور بعد ثورة القاهرة الثانية، خاصة أن “الشرقاوي” ومن صحبه من المشايخ للوساطة وتهدئة الوضع اعتدى عليهم الثوار وأسقطوا عمائمهم وسبوهم واتهموهم بالعمالة للفرنسيين.

أما كليبر فانتهزها فرصة لملء خزانة الجيش الفارغة عبر تلك الغرامات الضخمة، بعدما صمم ـ مثلما سجل في مذكراته ـ أن “يعصر مصر كما يعصر الشربتلي الليمونة”، وفاءً لالتزاماته أمام جنوده قبل الجلاء عن البلد.

لم يكن عقابا بقدر ما كان ابتزازا، وكان المشايخ أهلا له، فالشرقاوي ملتزم كبير، والسادات من كبار الأثرياء، والمهدي صاحب تجارة ضخمة والسرسي صاحب أملاك وعقارات ومزارع وطواحين ومعاصر والفيومي جمع ثروة كبيرة من هدايا الأمراء ومن ميراث زوجته.. وهذه الثروات بالطبع انتظمت بين أسباب عدة أسلست انقياد كبار المشايخ للمحتل.

وما وقع من المشايخ بعد رحيل الفرنسيين يؤكد ما سجلته حوادث الحملة من إيثار العلماء للمصلحة الخاصة على العامة، ويبرهن على ما أثبته الجبرتي من غفلتهم ومن شيوع التباغض والتحاسد بينهم، فتآمروا ـ في مقدمتهم الشرقاوي والمهدي والدواخلي ـ على عمر مكرم بتحريض من محمد علي ثم لم يسلموا بعدها من الوالي العثماني.

تلك الحكاية هي الأهم في تاريخنا الحديث، ليس لأنها كانت مفتتح عصر نهضتنا فقط، لكن بسبب أن الحدث الهائل أو بالأحرى روايته (الرسمية) هي ما حددت جزئيا ما نحن عليه اليوم وما نفكر فيه وما نفعله.

حرضتنا الرواية الرسمية على الاعتقاد بأن التفوق المعرفي الغربي لم يحمل أي قيمة، فمشايخنا الذين لم يبرحوا ساعتها عصور الانحطاط تصدوا لابن الأنوار المتسلح بالمعرفة قبل المدفع وخادعوه وتلاعبوا به، من ثم لم يبق غير التجلي المادي لهذا التفوق، لتنحصر إجابتنا عن سؤال التنوير في تلك الناحية، وتورط المثقف التنويري، ربما بدافع من ذات قومية مجروحة، في الترويج لرواية مزيفة كرست هذه الإجابة، وهو ما لم يجبر جرحا أو يقدم حقيقة.

المراجع

ــ تاريخ عجائب الآثار في التراجم والأخبار، الجزء الرابع، الجبرتي.

ــ بونابرت في مصر، كرستوفر هيرولد، ترجمة فؤاد أندراوس

ــ مذكرات نابليون ـ الحملة على مصر، ترجمة عباس أبو غزالة

ــ الحملة الفرنسية على مصر والشام، المعلم نقولا الترك

ــ الحملة الفرنسية في مصر ـ بونابرت والإسلام، هنري لورنس، ترجمة بشير السباعي.

ــ التاريخ المسلسل في حوادث الزمان ووقايع الديوان، عماد أبو غازي، موقع العين 2016

ــ مشاهد من وقائع الديوان، عماد أبو غازي، مجلة ديوان، يوليو 2019

ــ الحملة الفرنسية على مصر ـ نحتفل أو لا نحتفل، محمد عودة

محمد السيد الطناوي

كاتب مصري Mohamed.altanawy1@gmail.com

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى