وجهات نظر

الحملة الفرنسية.. حكاية من زمن تزوير التاريخ الحلال (1)

محمد السيد الطناوي

في رمضان تحلو الحكاية، وحكايتي عن تزوير التاريخ، لكنه ليس تزويرا هينا أو شكليا مثل الذي أوقعه على رؤوس أجدادنا صناع المسلسل الرمضاني الموقوف “أحمس”، فتاريخنا مليء بما هو أفدح، فداحة تصور الخائن بطلا، وتقصي البطل إلى الهامش، وتنسج الأحداث نسجا مغايرا عما وقع. تدور حكايتنا زمن الحملة الفرنسية.

ساعة انتصر نابليون على جيش المماليك نصرا لم يكلفه أكثر من 300 جندي، وقبل دخوله القاهرة استقبل الجنرال المنتصر بمعكسره الشيخان مصطفى الصاوي وسليمان الفيومي وآخرون، فسألهم: هل أنتم المشايخ الكبار؟ فأخبروه أن أولئك هربوا، ليرد عليهم: ولماذا يهربون وقد أمّنتهم؟ اكتبوا لهم بالحضور.

كان أول القصيدة هرب، لكن قد يرى البعض ألا لوم، فلم يكن كبار المشايخ من المقاتلين الذين ينتظر منهم إشهار البأس والصمود قبل السيف أو البندقية، وهناك من قد يدينهم للسبب ذاته، الذي أرادهم نابليون لأجله، ففي زمن الحروب تتعاظم الفوضى وتضطرب النفوس، ويمسي المجتمع أشد ما يكون حاجةً إلى نخبته، وهو ما أشار إليه الجبرتي بذكره أن الناس بالمحروسة ازدادت فوضاهم عندما أبصروا كبار مشايخهم يهربون..

بعد أمان بونابرت، رجع عبد الله الشرقاوي، شيخ الأزهر، ومعه الشيخ السادات وجُل المشايخ الكبار عدا عمر أفندي مكرم، نقيب الأشراف.

شكل الفرنسيون بعدها مجلسا لإدارة شؤون القاهرة أو ما عرف بـ”الديوان”، وتألف من كبار المشايخ، وهم: عبد الله الشرقاوي (رئيس الديوان)، خليل البكري، مصطفى الدمنهوري، سليمان الفيومي، مصطفى الصاوي، موسى السرسي، محمد الدواخلي، أحمد العريشي، يوسف الشبرخيتي، محمد المهدي (سكرتيرا لأعمال الديوان).

كان الهدف من تشكيل المجلس إحكام السيطرة على العاصمة وجباية الأموال، التي زادت حاجة نابليون إليها بعد معركة أبي قير البحرية وغرق الأسطول الفرنسي، فتجاهل الساري عسكر نصيحة ضباطه اليعاقبة، الذين مالوا إلى استرضاء الناس بالتخفيف من الضرائب، وراهن على قدرة كبار المشايخ في كبح غضب المصريين.

رهان نابليون نبع من قراءاته التي تسلح بها قبل أن يسلح جيشه ويجلبه إلى قاعدة إمبراطوريته الشرقية المنشودة، طالع الجنرال الفرنسي عن الدين الإسلامي وطريقة حكم الخلفاء والسلاطين المسلمين وعن تاريخ العرب إلى جانب تقارير الجواسيس التي انتشرت في ربوع مصر قبل مجيئه إليها.

هذه الحصيلة أرشدته إلى أن حكمه لن يستقم إلا باستمالة العلماء الكبار، فأكرمهم وتبسط معهم، لكن في الوقت ذاته لم يتساهل فيما يخص مصلحة جيشه ووجوده في مصر، وكان من أوائل قراراته جباية 500 ألف ريال من التجار، فطلب المشايخ التخفيف لكنه رفض طلبهم.

لم يمنع هذا نابليون من التودد إلى العلماء والحرص على التقائهم بصورة شبه يومية، يسألهم عن الإسلام مبديا إعجابه بتعاليمه وبرسوله، وإن كان البعض فسر مسلكه بأنه كان خداعا كله، فهو تفسير حاد عن الدقة، لقدم شغف نابليون بالتاريخ الإسلامي.

عن هذا الشغف نشر المؤرخ الفرنسي فرانسوا شارل ـ رو دراسة تحت عنوان “السياسة الإسلامية لبونابرت”، جاء فيها أن الرسول أثار إعجاب نابليون “كمؤسس ديني وقائد لشعوب ومشرع.. وقبل حتى أن يعرف أن قدره سيقوده إلى مصر بدأ يدرس تاريخ العرب.. استحوذ الإسلام على خياله قبل أيام الحملة الفرنسية، وازداد كثافة أثناءها وبعدها..”.

وسجل بونابرت في مذكراته:

كان محمد أميرا جمع حوله عشيرته وخلال سنوات قليلة، احتل المسلمون نصف العالم، وانتزعوا أرواحا كثيرة من عبادة الآلهة المزيفة، ونكسوا كثيرا من الأصنام وهدموا من المعابد الوثنية في خمسة عشر عاما أكثر مما حققه أتباع موسى وعيسى في خمسة عشر قرنا.. كان محمد رجلا عظيما”.

أغرت هذه المعرفة نابليون بأن يصور نفسه المهدي المنتظر، فأعلن في خطاب وجّهه إلى المصريين:

“واعلموا.. أن الله قدر في الأزل هلاك أعداء الإسلام وتكسير الصلبان على يدي، وقدر في الأزل أني أجيء من المغرب إلى أرض مصر لهلاك الذين ظلموا فيها.. ولا يشك العاقل أن هذا كله بتقدير الله وإرادته وقضائه”.

لم يكن مسلك نابليون مثلما ذهب بعض المؤرخين خداعا كله، فالرجل تخطى كونه قائدا فريدا يحرك ما توافر لديه من قطع شطرنج بمهارة إلى عتبة التشخيص أو التقمص.. بونابرت، الذي كان من أوائل مهماته كجنرال في صفوف الجمهورية، إخماد انتفاضات العمال والجياع بباريس بعدما بلغ بؤسهم حد الانتحار كل ليلة بإلقاء أنفسهم في نهر السين، منغمسا في حياة البرجوازية الباريسية قدر ما وسعه، هو نفسه من ألهب حماسة جنوده “العراة الجياع” غير المسلحين كما يجب، في أول معركة خارجية له، فخيم معهم وسار على قدميه بينهم وأكل من طعامهم، ليحقق بهم نصرا لم يحققه أحد قبله ويتوسع لبلده توسعا لم تبلغه طوال تاريخها.

ما لعبه نابليون من دور بمصر كان أعلى درجة من الاحتيال، هو أقرب لما يقوم به ممثل محترف يجذبه نص متقن، فيُلم بكل أبعاده، ليقدم دوره في شغف بالغ، وبهذا استطاع الجنرال الشاب احتواء كبار المشايخ، لا مثلما صوّر البعض ـ غفلة أو دفاعا عن ذات قومية مجروحة ـ بأن المشايخ كانوا يسايرون الساري عسكر في العلن ليتآمروا ضده في الخفاء (أمر تأتي البرهنة عليه لاحقا).

في هذا الإطار طلب بونابرت من المشايخ ذات مرة أن يصدروا فتوى تأمر بـ”تأدية يمين الطاعة” له، إثر انزعاجه من التحريض ضد جيشه في المساجد، ويحكي بونابرت بأن الطلب أحرج المشايخ قبل أن يبادر الشيخ الشرقاوي مقترحا إعلان إسلام الساري عسكر ليتوحد العرب والمسلمون تحت لوائه ويستطيع “غزو الشرق وإعادة أمجاد النبي”.

ومجاراة لحديث شيخ الأزهر حدد نابليون عقبتين تحولان دون إنفاذه الأمر، الأولى الختان، والثانية شرب الخمر، متذرعا بأن جنوده يشربونها منذ طفولتهم ولن يستطيع إقناعهم بالامتناع عنها.. عندها اقترح الشيخ المهدي مهلة لعرض الأمر على ستين شيخا من الجامع الأزهر.

ويعلق نابليون على اللقاء بقوله:

“انتشر الخبر بعد قليل في كل المساجد، بأن كبار المشايخ ينشغلون ليل نهار في تعليم مبادئ الشريعة للسلطان الكبير والجنرالات، وأنهم أيضا يناقشون فتوى للتيسير على الفرنسيين المنتصرين الذين جاءوا ليضعوا أمجادهم رهن الدين الإسلامي”، وهو ما كان يرغب بونابرت في نشره.

لكن في حقيقة الأمر لم يشغل الناس بالهم كثيرا بما جرى بين الساري عسكر وبين مشايخ ديوانه، فلم يمض 3 أشهر على دخول الفرنسيين القاهرة حتى ثار المصريون، ولعل بونابرت ندم حينها على عدم استماعه لنصيحة الضباط اليعاقبة بالتخفيف عن كاهل الناس، بعدما تقوض تصوره الوهمي للطريقة المثلى في إدارة البلاد ولم يفد كثيرا جهد بذله في لعبته مع كبار المشايخ.

فاجأت ثورة القاهرة الجميع، وأرجعها الجبرتي إلى الضرائب الباهظة التي فرضها الفرنسيون بجانب ما قاموا به من مصادرة للأملاك وهدم لكثير من المباني وبعض المساجد بزعم تحصين القاهرة، كل ذلك أهاج الناس ودفعهم للانتفاض “من غير رئيس يسوسهم أو قائد يقودهم”.

وعلى خلاف الرواية الرسمية القائلة بأن الأزهر هو من قاد هذه الثورة أو الانتفاضة، فالصلة كانت واهية، بل على العكس وقف شيوخه الكبار ضد الثورة الشعبية.

جاء الحراك عفويا، ولم يتجاوز نصيب الأزهر منه غير بعض “المتعممين” على حد وصف الجبرتي، دلالة على أنهم ليسوا من كبار شيوخه، بل جُلهم كان من صغار وربما أواسط المشايخ.

أما موقف الأزهر الرسمي فعكسه بيان وصف الثوار بأنهم “أشرار الناس”، “المفسدين”، “سفهاء العقول”، بينما المحتل، نابليون، فهو “رجل كامل العقل، عنده رحمة وشفقة على المسلمين ومحبة على الفقراء والمساكين”.

ليوجه المشايخ الكبار نصيحة إلى الثوار:

“ونخبركم أن كل من تسبب في تحريك هذه الفتنة قتلوا عن آخرهم وأراح الله منهم العباد والبلاد، ونصيحتنا لكم ألا تلقوا بأيديكم إلى التهلكة، واشتغلوا بأسباب معايشكم وأمور دينكم وادفعوا الخراج الذي عليكم..”.

أما زعماء “الفتنة”، الذين أراح الفرنسيون منهم البلاد والعباد بإعدامهم، فكانوا أربعة، هم: إسماعيل البراوي ويوسف المصيلحي وسليمان الجوسقي (شيخ طائفة العميان) وأحمد الشرقاوي.

التشابه بين اسم الأخير واسم شيخ الأزهر وقتها، عبد الله الشرقاوي، ربما حرض البعض سهوا أو عمدا على الخلط بينهما، فنُفي “أحمد” إلى موطن النسيان، وتقدم “عبد الله” زعيما من زعماء الثورة، في حين أن دوره في حوادثها اقتصر على الوساطة عندما اشتد الضرب على الأزهر والأحياء المجاورة له، فانطلق مع المشايخ إلى نابليون “ليدفع عنهم هذا النازل، ويمنع عسكره من الرمي المتراسل، ويكفهم كما انكف المسلمون عن القتال..”، مثلما ذهب مع أعضاء الديوان إلى الأزهر لينصحوا الثوار بالتزام الهدوء والسكينة، لكن أولئك لم يصغوا، وعاملوا المشايخ الكبار بجفاء ومنعوهم من دخول الجامع.

ويذكر الجبرتي أن مشايخ الديوان عندما أتوا نابليون، أنّبهم وعاتبهم على تأخرهم في الدخول عليه، متهما إياهم بالتقصير في أداء وظيفتهم “فاعتذروا إليه فقبل اعتذارهم”، لكن السؤال: أي نار تصاعد منها دخان قيادة عبد الله الشرقاوي وكبار المشايخ للحراك الثوري؟

القاعدة الأولى التي ارتكز عليها هذا الزعم الواهي، هو حادثة إلقاء الشرقاوي للطيلسان عندما وضعه نابليون على كتفه في اللقاء الأول بالمشايخ “فرمى به على الأرض واستعفى”، ليخاطبهم الترجمان: يا مشايخ أنتم صرتم أحبابا لساري عسكر، وهو يقصد تعظيمكم وتشريفكم بزيه وعلامته، فإن تميزتم بذلك، عظمتكم العساكر، وصار لكم منزلة في قلوبهم.

فقالوا له: لكن قدرنا يضيع عند الله وعند إخواننا من المسلمين.

ولم يقبل بارتدائه يومها إلا الشيخ السادات الذي دخل على نابليون وحده بعد انصراف المشايخ، فأهدى له بونابرت خاتما ماسيا وقلده الطيلسان أو الجوكار، فسايره السادات، ولما خرج من المجلس نزع الجوكار، وأسهمت فتوى له بأن ارتداءه لا يُخل بالدين ـ لأن من يضعه يفعل ذلك مُكرها ـ في إقبال الناس على وضعه، ثم مُنع على عامة الناس واقتصر على الخاصة أو من يدخل على القادة الفرنسيين في حاجة، وتوافق كبار المشايخ ـ بعد أن زالت الرهبة وخف النفورـ على وضعه لدى الدخول على نابليون ورفعه بعد الخروج من مجلسه.

مع ذلك كان الشيخ السادات الوحيد بين كبار المشايخ المتهم بالاشتراك في أعمال ثورة القاهرة الأولى، لاستبعاده ـ وفق الرواية الفرنسية ـ من عضوية الديوان، فاتصل بالمماليك والعثمانيين واتفق معهم على التحريض ضد الفرنسيين.

كان الشيخ السادات ـ بغض النظر عن دوافعه ـ استثناء القاعدة، فرغم ما شاب حوادث الحملة الفرنسية من التباس، لكن الأرجح أن السادات الوحيد من بين كبار المشايخ الذين اتصلوا بالثورة، أما بقيتهم فجرى احتواؤهم وتعاونوا في إخلاص مع الاحتلال، وتبريرا لموقفهم كتب الشرقاوي في تحفة الناظرين:

“والسبب الذي أوجب لأهل مصر وقراها بعض الانقياد إليهم وعجزهم عن مقاومتهم (بينما ما حدث أن المصريين لم ينقادوا مثل مشايخهم الكبار لحكم الفرنسيين واندلعت مقاومتهم في عموم مصر لا القاهرة وحدها) بسبب هروب المماليك الذين معهم آلات القتال وأنهم عند قدومهم ذكروا أنهم ليسوا نصارى، حيث يقولون إن الله واحد والنصارى يقولون بالتثليث، وإنهم يعظمون محمدا ويحترمون القرآن”.

فهل عظّم الفرنسيون محمدا واحترموا القرآن حقا؟

يعدد الجبرتي ما ارتكبوه لدى اقتحامهم الجامع الأزهر خلال أحداث ثورة القاهرة الأولى فيقول:

دخلوا إلى الجامع وهم يركبون الخيول وبينهم المشاة كالوعول، وتفرقوا بصحنه ومقصوراته، وربطوا خيولهم بقبلته، وعاثوا بالأروقة والحارات، وكسروا القناديل والسهارات، وهشموا خزاين الطلبة والمجاورين والكتبة، ونهبوا ما وجدوه من المتاع والأواني والقصاع والودايع.. ودشتوا الكتب والمصاحف على الأرض وطرحوها، وبأرجلهم ونعالهم داسوها، وأحدثوا فيه وتغوطوا وبالوا وتمخطوا..”.

رغم ذلك استمر المشايخ ـ بحسب ما دوَّن نابليون في مذكراته ـ يؤدون “بتعاونهم خدمات إيجابية للجيش، وكان المقابل بسيطا.. بغالا يركبونها وعطايا ولقاء يومي يشربون فيه القهوة والشربات معي..” وللحديث بقية.

Mohamed.altanawy1@gmail.com

اقرأ أيضًا: محمد رمضان و”خطاب الانتصار”

محمد السيد الطناوي

كاتب مصري Mohamed.altanawy1@gmail.com

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى