وجهات نظر

الحملة الفرنسية على مصر.. عمائم المشايخ تحت نعال الثوار (2)

محمد السيد الطناوي

ربما تساورك الدهشة عندما تعلم أن الفيلسوف الألماني الكبير ليبنتز هو أول من لفت انتباه الفرنسيين إلى أهمية احتلال مصر، حين كتب إلى لويس الرابع عشر ملك فرنسا أثناء خوضه حربا ضد بلاد الفلمنك (هولندا)، قائلاً:إذا كان مولاي يريد القضاء على جمهورية هولندا، فأحسن وسيلة لذلك أن يضرب هذه الأمة في مصر، هناك حيث يوجد طريق الهند، وحيث يمكن تحويل التجارة الهولندية إلى درب آخر”.

تجددت الفكرة قبل الثورة الفرنسية ببضع سنين عندما أوصى وزير البحرية الفرنسي دو سارتين باحتلال مصر، واعتبر ذلك الطريقة الوحيدة لحفظ تجارة بلاده في البحر المتوسط، وحتى تصبح للإمبراطورية الفرنسية الريادة على البحر الأحمر، وفي ذات الوقت يمكنها أن تهاجم إنجلترا في الهند عبر مصر، عندها أوفدت الحكومة البارون دو توت (1777) إلى مصر، بدعوى القيام بعمل فلكي لـ”أكاديمية العلوم”، لكن الرجل كُلف سرا برسم خرائط لشواطئ مصر وسوريا، ومعرفة أي النقاط في السواحل المصرية تصلح لإنزال الجنود.

وقبل الثورة الفرنسية بسنوات (1781)، اتخذت الحكومة قرارها بإرسال حملة مكونة من ثمانية وعشرين ألف جندي، وجهزت بالفعل أسطولا لنقل هذه القوة إلى الإسكندرية ودمياط وأبي قير، غير أن القدر ادخر هذه المغامرة لتكون من نصيب حملة أخرى ونظام جديد.

كان على فرنسا أن تترقب حتى تحوز قاعدتها الاستعمارية في الشرق وكان على مصر أن تنتظر كي تختبر تجربة الاحتلال الأليمة وفي الوقت ذاته تنطلق إلى عصر نهضتها، وكان مقدرا لنابليون أن يدرك صورة رسمها خياله لقواده وهو يقف بينهم في حديقة “باسيريانو” بشمال إيطاليا.

نابليون في مصر

وما قدر صار، ليجلس بونابرت القرفصاء بعد سنوات في بيت مملوكي، مرتديا زيا عربيا، يسامره مشايخ معممين، يشرب معهم القهوة ويدخن التبغ، ويناقشهم في مسائل الدين وحوادث التاريخ.

استغرق الجنرال الفرنسي الأشهر في حلمه الشرقي وسايره كبار المشايخ إلى أبعد مدى، لكن مصر كانت أكبر كثيرا من دائرة ضمت ديوانه، ولم يكن لسحره ذات التأثير على تلك الدائرة الكبيرة، التي شملت “زعر الحارات” و”حشرات الحسينية” (لم يذكر الجبرتي لفظة الحشرات تحقيرا والمقصود المحشورين داخل الحارات) و”بعض المتعممين” فكانوا قوام أول ثورة شهدتها فترة حكمه القصيرة.

آلاف القتلى سقطوا جراء القصف الوحشي، الذي سلطه بونابرت على حي الأزهر، ويصف الكاتب الفرنسي ريبو أثر ما ألحقته المدافع من دمار: “أوشك الجامع الأزهر أن يتداعى من شدة الضرب فدفنت تحت أنقاضه الجماهير المحتشدة فيه، وأصبح الحي المجاور له صورة من الخراب والتدمير، فلم يكن فيه إلا بيوت مدمرة ودور محترقة، ومات تحت الأنقاض آلاف السكان الآمنين، وكان يسمع لهم أنين موجع وصيحات مرعبة”.

مشايخ الديوان

مع ذلك لم يرى مشايخ الديوان في بونابرت غير “رجل كامل العقل، عنده رحمة وشفقة على المسلمين ومحبة على الفقراء والمساكين”، مثلما وصفه بيان كبار المشايخ الذي تلى قمع الثورة والقضاء عليها.

ولخدمات قدموها استبقى الساري عسكر المشايخ الكبار في ديوانه حينما أعاد تشكيله بعد الحراك الثوري بأقل من شهرين، وإن زاد عدد الأعضاء إلى 60 فضم نخبة من التجار وممثلي الطوائف والأجانب، وقُسم إلى “ديوان عمومي” وآخر خصوصي ينتخب من الأول، وبلغ الثاني 14 عضوا، التحق به من المشايخ: عبد الله الشرقاوي، خليل البكري، محمد المهدي، سليمان الفيومي، مصطفى الصاوي.

بخلاف مشايخه الجامدين، فإن ابن الأنوار تعلم سريعا مما مر به خلال الأشهر الأولى، فأدرك أن استقطابه العلماء ليس كافيا، وأنه في حاجة، حتى يحكم سيطرته، إلى فئات أخرى مثل: التجار والوجهاء ورؤساء الطوائف وأكابر الأقليات، كما سارع ـ بعد ثورة القاهرة الأولى ـ في تحصين الثغور، فأرسل فرقة إلى المنطقة الواقعة بين برج العرب ورشيد مؤازرةً للقوة المرابطة هناك.

لم تعف هذه الترتيبات نابليون من القلق الناجم عن إفصاح المصريين في بلاغة أنهم لم يسلموا بحكمه، ليحفزه ذلك على الإسراع بحملة على الشام تدعيما لوجوده بمصر وحتى لا يفاجأه هجوم من تلك الناحية، ثم كان ما كان مما هو معروف من تقدمه بجيشه حتى عكا لتحجزه المدينة الساحلية الكبيرة عن مطاردة طموحه في بلوغ القسطنطينية واستعادة الإمبراطورية الشرقية.

احتفال مزيف في قلب القاهرة

الفشل الكبير استدعي الدعاية للتغطية عليه، فبجانب منشورات وزعها الفرنسيون زعموا فيها أنهم أجهزوا على 5 آلاف جنديا في عكا، وخربوا أسوارها وهدموا قلعتها؛ طلبوا من الشرقاوي رفع بيارق ـ حازوها من قلعة العريش ـ على منارات الأزهر فامتثل الرجل، وتزامنا مع رفرفة البيارق فوق منارات الجامع الشريف أطلقوا المدافع وأقاموا الاستعراضات ابتهاجا بالنصر!.

الاحتفالات وأجواء البهجة لم تصرف نابليون عن التنبه إلى أن مغامرته الشرقية على وشك الانتهاء، وحرضه انتصاره في معركة أبي قير البرية على الإسراع باتخاذ قرار العودة.

وفي محاولة لاستطلاع أخبار فرنسا إثر انقطاعها أشهرا، أوفد بونابرت ضابطين إلى قائد الأسطول الإنجليزي السير سدني سميث، بحجة تبادل الأسرى، ونكاية في نابليون أهدى الأميرال الإنجليزي الضابطين نسخا من جرائد إنجليزية وفرنسية تتحدث عن خسائر لحقت بالقوات الفرنسية في النمسا وإيطاليا وألمانيا، وإن كان عدد من المؤرخين رأى أن القائد البريطاني هدف إلى تحريض بونابرت على عقد صلح للجلاء عن مصر والعودة إلى فرنسا في ظل اضطراب أحوال الجمهورية.

وسواء علم الساري عسكر بأخبار فرنسا عبر جرائد سميث أو عن طريق أسرته التي بعثت له برسائل جرى تهريبها تخبره بالأحوال المضطربة ـ مثلما ذهب بعض المؤرخين ـ فإنه رأى أنها اللحظة المناسبة للعودة وخبر انتصاره الكبير مازال طازجا، يقوي موقفه في صراع السلطة لدى رجوعه إلى الوطن، وأن أي تأخير قد يحمل له بمصر مفاجآت غير سارة وبالتبعية يضعف مركزه.

سافر نابليون تاركا ثلاث رسائل إلى الجنرال كليبر، الرسالة الأولى حملت قرار تعيينه نائبا للقائد العام، والثانية تعليمات وتوصيات بخصوص طريقة إدارة البلاد، والثالثة أنبأه بونابرت فيها أنه أرسل إلى الآستانة يعرض الصلح والتحالف مقابل الجلاء عن مصر، وأن على كليبر متابعة المباحثات.

تفاجأ الجنرال؛ لكنه مثل قائده العام علم أن الأمر محتوم، جمع بعدها كبار المشايخ فأخبرهم برحيل الساري عسكر الكبير لطارئ، وطالبهم بطمأنة المصريين وأن “حكم مصر وإن كان انتقل إلى أيد أخرى، لكن فيما يتعلق بسعادتهم ورفاهيتهم سوف يكون مستمرا ومتصلا”.

يعلق الجبرتي على حديث كليبر بأن كبار المشايخ لم يجدوا الرجل “باسما ظروفا مثل بونابرت الذي كان ينجح دائما في ترضية وإراحة جلسائه..”.

ثورة القاهرة الثانية

رغم ذلك واظب شيوخ الأزهر الكبار على تأدية الدور المرسوم، حتى بعد تفجر ثورة القاهرة الثانية التي دامت فترة تزيد على الشهر، أبدى خلالها المصريون ما أثار حماسة حتى أعدائهم، تلمس ذلك في سطور خطها المسيو مارتان أحد مهندسي الحملة، فكتب: قام سكان القاهرة بما لم يستطع أحد أن يقوم به من قبل، فقد صنعوا البارود، وصنعوا القنابل من حديد المساجد وأدوات الصناع، وفعلوا ما يصعب تصديقه وليس من رأى كمن سمع، ذلك أنهم صنعوا المدافع..”.

قاد هذه الثورة العائد من يافا مع نابليون بعدما أكرمه الساري عسكر حين استولى على المدينة واعدا إياه برد أملاكه المصادرة، لكن ذلك لم يغري الزعيم الوطني عمر مكرم بالتعاون، فاعتزل إلى أن اندلعت الثورة فكان شعلتها وأحد قادتها القائمين عليها إلى جانب أسماء مثل: السيد أحمد المحروقي شاه بندر تجار القاهرة، والحاج مصطفى البشتيلي شاه بندر بولاق والشيخ محمد الجوهري.

أما كبار المشايخ فاتبعوا أمر بونابرت، وسعوا بالتهدئة والوساطة لكن الناس “قاموا عليهم وسبوهم وشتموهم، وضربوا الشرقاوي والسرسي، ورموا عمايمهم وأسمعوهم قبيح الكلام، وصاروا يقولون: هؤلاء المشايخ ارتدوا وعملوا فرنسيس ومرادهم خذلان المسلمين، وأنهم أخذوا دراهم من الفرنسيس…”.

فهل هناك سابقة لزعيم ثوري كالشرقاوي ـ مثلما روج مزورو التاريخ ـ يُمنع من دخول مؤسسة هو رئيسها، ويطرد كما حدث في الموجة الأولى للثورة، ثم يُضرب ويهان ويدوس الثائرون بنعالهم على عمامته خلال الموجة الثانية؟!.

ولا يدخل الشرقاوي من باب انسل منه مشايخ أمثال حسن العطار الذي اتصل أول الأمر بالفرنسيين لأغراض علمية، غير أنه ارتدع عندما أعلن المصريون جهرا بالثورة عن رفضهم الوجود الفرنسي، وبعدما رفعوا بيارق الجهاد على امتداد القطر، فاستدرك العطار أو على حد وصفه: رجع إلى رشده يقتفيه، مستغفرا الله مما كان فيه.

في حين خاض مشايخ الديوان غمار التعاون مع الفرنسيين حتى النهاية، ولم تردعهم لا ثورة أولى ولا ثانية أو مقاومة تواصلت بغير انقطاع على طول البلاد، وظلت أفئدة المشايخ معلقة بالغائب الحاضر، السلطان الكبير، الساري عسكر أمير الجيوش الفرنسية بونابرته، ولهذا حكاية أخرى، أو تكملة تحتاج إلى تفصيل..

إقرأ أيضا لمحمد الطناوي: الحملة الفرنسية.. حكاية من زمن تزوير التاريخ الحلال (1)

محمد السيد الطناوي

كاتب مصري Mohamed.altanawy1@gmail.com

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى