الحياة فوق جبال سليمان

خاص| مذكرات العائدين من تنظيم القاعدة

Share on facebook
Facebook
Share on twitter
Twitter

بدا الطفل الصغير كفارس فوق الحصان، وهو يهز قدميه ليحثه على السير بسرعة. إنه فقط في الخامسة من عمره، لكنه “لص خيل ماهر”، وابن أحد كبار قيادات تنظيم “القاعدة”.
“عبدالرحمن قتيبة”- اسم مستعار لطفل مصري- ولد بالسودان عام 1995، وانتقل إلى أفغانستان رفقة والديه عام 1996، ليستقر به المقام في قندهار جارًا لأسامة بن لادن، زعيم تنظيم القاعدة الذي قُتل في 2011.

بين كابول وقندهار، قضى “عبدالرحمن” سنوات طفولته الأولى، متنقلًا بين جدران فندق قديم، وغرف فيلا واسعة، اشتراها والده، الذي كان يُسمى -حركيًّا- بـ”قتيبة”.

بعد سلسلة من محاولات التواصل معه، وافق “عبدالرحمن” على أن يُجريَ حديثًا مع “ذات مصر” -شريطة أن يتم إخفاء هويته وتغيير طبقة صوته- ليروي أسرارًا عن حياة “الأفغان العرب”، الذين برزوا كظاهرة، منذ الحرب الأفغانية-السوفيتية، التي انتهت في عام 1989.

جبال قندهار- أفغانستان

السودان.. من هنا بدأت الحكاية

في عام 1995، كان “أسامة بن لادن” لا يزال موجودًا في السودان بعد أن استثمر 6 ملايين دولار في مشروعات مختلفة داخل البلاد.
أحاط “ابن لادن” نفسه بعدد من القيادات التي يثق بها، وكان من بينهم “قتيبة” والد “عبدالرحمن” ومؤسس جهاز أمن واستخبارات “القاعدة” فيما بعد، والذي تعرّف عليه في باكستان إبان القتال ضد الاتحاد السوفيتي، وفقًا لما رواه “عبدالرحمن” لـ”ذات مصر”.

لم يدرك “عبدالرحمن” الفترة التي قضاها أهله بالسودان، لكنه عرف من ذويه لاحقًا أنهم كانوا ضمن 23 أسرة انتقلت مع “ابن لادن”، وبلغ إجمالي عددهم نحو 500 فرد.

بعد سنة واحدة من مولد “عبدالرحمن”، ضغطت الولايات المتحدة الأمريكية على “نظام البشير” لكي يطرد “ابن لادن” ورفاقه من السودان -بحسب رواية أهله له- وهو ما تمّ بالفعل، لينتقلوا جميعًا إلى أفغانستان، حيث حلوا ضيوفًا على “الملا يونس خالص” -زعيم الحزب الإسلامي- الذي تفرغ لرعاية شئون قبيلته إبان الاقتتال بين الفصائل الأفغانية والذي دام لعدة سنوات.

بحسب “عبدالرحمن” فإن صداقة قوية جمعت بين “الملا خالص” وبين “ابن لادن”، خاصةً أن الأول رأى في الأخير “رجل أعمال” قد يساهم في تحسين أوضاع أفغانستان الاقتصادية، دون أن يدري أنه سيجر البلاد إلى حرب تأكل الأخضر واليابس.

حكى والد “عبدالرحمن” له، أنه قرر السفر لأفغانستان خلال سنوات الحرب مع الاتحاد السوفيتي، فأبلغ أهله في مصر بأنه سيسافر للعمل بالسعودية، قبل أن يتوجه إلى باكستان، حيث التقى “أسامةَ بن لادن” في مكتبه الذي خصصه لدعم المقاتلين العرب.

عمل والد “عبدالرحمن” مع “أسامة بن لادن” في المكتب -قبل ذيوع صيت الأخير- وهو ما أتاح له التقرب منه، بحسب رواية الشاب العشريني.
يحكي “عبدالرحمن” على لسان والده أن “ابن لادن” أخبره -خلال سنوات الحرب السوفيتية- بأنهم ليسوا تنظيمًا لكنهم يسهلون “الجهاد” لمن يريد، وذلك قبل تأسيس ما عرف بـ”الجبهة العالمية لقتال اليهود والأمريكيين”، والتي باتت تُعرف بـ”تنظيم القاعدة”.

دولة داخل الدولة.. حكاية الأفغان العرب في "المهجر"

ما إن وطئت أقدام العرب أفغانستان من جديد، حتى بدءوا في إنشاء دولتهم الخاصة داخل البلاد، فأسسوا معسكرات التدريب العسكري، وأسسوا مدارس لأبنائهم، وأصبح “أسامة بن لادن” قائدهم الخاص، بينما كان “الملا عمر” حاكمًا باسم طالبان، وفقًا لما قاله “عبدالرحمن”.

يتابع: “استقرت أسرتي في العاصمة كابول، واستأجر والدي فندقًا يتكون من 3 أدوار لنا فقط، نظرًا لانخفاض الأسعار في البلاد، لكن بعض الأفغان كانوا يكرهون العرب الوافدين، فلجئوا إلى التنقل في سيارات معتمة الزجاج خشية تعرض الأفغان لهم”.

يضيف “عبدالرحمن” أنهم مكثوا في الفندق لفترة طويلة، وكانوا يؤدون به صلوات التراويح ويقيمون احتفالات خاصة بالأعياد، ويذبحون الأضاحي في قاعته السفلية، إلا أن حياتهم لم تكن هادئة رغم ذلك، إذ كانوا منبوذين من بعض السكان المحليين، وتعرضوا لمحاولة اغتيال في إحدى الليالي.

يوضح: “في إحدى الليالي حاول أحد الأفغان اغتيال ضيوف والدي من العرب، فألقى قنبلة موضوعة داخل كيس بلاستيكي أسود، في صندوق القمامة الموضوع أسفل الفندق، فانفجرت القنبلة بالفعل، وأطاحت بباب الفندق لكنها لم تقتل الموجودين به”.

عقب الانفجار، أُلقي القبض على “الأفغاني” الذي اعترف بأنه اتفق مع إحدى الجهات الأمريكية لقتل 10 من الموجودين بالفندق مقابل مكافأة قدرها 90 دولارًا- آنذاك-، على حد قول “عبدالرحمن”.

بناءً على اعترافات الأفغاني المتهم بمحاولة التفجير، أصدرت حكومة طالبان قرارًا بمنع حمل الأكياس السوداء، ووضع القمامة في أكياس شفافة.

يردف: “حكى لي أهلي أن أفغانستان في تلك الفترة شهدت صراعًا بين الفصائل التي حاربت الاتحاد السوفيتي، وظلت الحرب دائرة بين برهان الدين رباني وقائد جيوشه أحمد شاه مسعود، وبين حركة طالبان”.

اعتدل “عبدالرحمن” في جلسته، ثم أكمل حديثه قائلًا: “أحمد شاه مسعود ميوله علمانية -على حد وصفه- ورفض وجود العرب والجماعات الإسلامية في بلاده، وهو ما جعل ابن لادن يفكر في اغتياله أكثر من مرة، لكن الملا عمر، أمير حركة طالبان، خشي من أن يؤدي اغتيال “مسعود” إلى حرب أهلية، خاصةً أنه من قبيلة ذات قوة ونفوذ، كما أن الأفغان يعتبرون الحرب القبلية مقدسة ولا يمكن لأي طرف خارجي الخوض فيها”.

لم تتوقف جهود “ابن لادن” في تأليب الملا “عمر” ضد “شاه مسعود” -بحسب رواية أهل “عبدالرحمن” له- فلجأ زعيم تنظيم “القاعدة” السابق إلى إقناع أمير طالبان الأسبق بأن الحرب مع “شاه مسعود” حرب استنزاف وليست حربًا قبلية، كما أخبره بأن “مسعود” يحصل على دعم مباشر من روسيا.

يستطرد: “نجح ابن لادن في إقناع الملا عمر بأن اغتيال أحمد شاه مسعود سيوحّد البلاد على رئيس واحد. وبعد ذلك أرسل اثنين من أتباعه تنكّرا كصحفيين بإحدى القنوات التلفزيونية وأبلغا “مسعود” بأنهما سيسجلان معه حوارًا، وأعدا كاميرا مفخخة لاغتياله، ثم قضيا عليه قبل هجمات 11 سبتمبر بيومين فقط”.

عقب اغتيال “مسعود” تغيرت الحياة 180 درجة بالنسبة للأفغان العرب، وصارت السيارات المعتمة، رمزًا من رموز القوة داخل البلاد، كما يكشف “عبدالرحمن”.

عاصمة الأفغان العرب

يحكي “عبدالرحمن” أن أسرته انتقلت بعد فترة من كابول إلى قندهار التي كانت بمثابة عاصمة للأفغان العرب، وقاعدة عسكرية لهم.

وفقًا لرواية الشاب العشريني، فقد عمل “أسامة بن لادن” على تحويل اقتصاد البلاد من تجارة الكوكايين إلى تجارة بذور عباد الشمس، الذي اقترح عليهم زراعته مقابل أن يشتريه منهم بدولار ونصف للكيلو جرام، أي بزيادة 50% عن ثمن كيلو الكوكايين، وبهذه الطريقة تغيرت المحاصيل من الكوكايين والأفيون للبطاطس وعباد الشمس.

أطرق الشاب العشريني لبرهة، قبل أن يستأنف حديثه واصفًا بيت “ابن لادن” أو قلعته، كما يحلو له أن يسميها، والذي اختاره زعيم “القاعدة” السابق فوق أحد جبال قندهار، وأحاطه بحراسات مشددة.

رغم مضيّ السنين، إلا أن “عبدالرحمن” لا يزال يتذكر مشهد تجمع سيارات الهلال الأحمر أمام منزل “أسامة بن لادن”، منتظرةً الإذن بالدخول، إذ كان طواقمها يعتقدون أن زعيم “القاعدة” يدبر لشيء خطير داخل “قلعته الخاصة”.

على غرار “أسامة بن لادن”، استأجر والد “عبدالرحمن” فيلا متميزة داخل المدينة، حيث كان يمتلك أيضًا ثروة ضخمة، اكتسبها من تجارة العسل والذهب بين السعودية والسودان وأفغانستان، كما يؤكد “عبدالرحمن”.

كان منزل “عبدالرحمن” الجديد يقع في ضواحي قندهار، وبجواره عدد من بيوت الفلاحين الذين كانوا يبيعون منتجات ماشيتهم لأسرة “عبدالرحمن”.

يتابع “عبدالرحمن”: “حياتنا كانت مستقرة، والدي كان مثل الموظف، يخرج في الصباح إلى المعسكر ليشرف على القتال الدائر مع أتباع أحمد شاه مسعود، قائد تحالف الشمال الأفغاني المحارب لطالبان سابقًا. كما أشرف على إدارة حدود أفغانستان مع البلدان المجاورة، إضافةً لمسئوليته عن جهاز استخبارات تنظيم القاعدة، الذي تأسس عام 1998، مع ولادة ما عُرف بالجبهة الإسلامية العالمية لحرب اليهود والصليبيين”.

استقر الأفغان العرب في قندهار، وبدءوا في الزواج من بعضهم، ومما سهل تلك الخطوة هو تكفل تنظيم القاعدة بمصروفات المتزوجين وأسرهم، إذ صُرف لكل فرد من الأسرة راتب شهري يقدر بـ82 يورو، وهو مبلغ يكفي احتياجات المعيشة وقتها، وتزيد تلك المصروفات في حالة إنجاب الأطفال، كما أخبرنا “عبدالرحمن”.

يستطرد: “كان بإمكاننا شراء سيارة بسهولة، لأن الأسعار رخيصة، ولم تفرض علينا جمارك أو ضرائب”.

وبحسب روايته فإن عملية الزواج تبدأ باختيار عضو التنظيم لفتاة أو سيدة عن طريق معارفه أو أصدقائه لعدم وجود اختلاط أو معرفة مسبقة بين الرجال والنساء، وإذا وافقت “العروس” يتم إعلان الزاوج بعقد ودي دون وثائق ثبوتية.

يكشف “عبدالرحمن” أن الطلاق كان سهلًا كالزواج. مؤكدًا أن المرأة من أعضاء التنظيم كان من الممكن أن تتزوج أكثر من مرة إذا طلقها زوجها أو مات عنها، كما حدث مع إحدى العاملات في قسم الإداريات والتي تزوجت 7 مرات بعد وفاة أزواجها.

في تلال قندهار.. عندما يتحول الأطفال إلى "إرهابيين"

لم تسر حياة “عبدالرحمن” في قندهار على وتيرة واحدة، فقد صار التدريب العسكري للأطفال والكبار جزءًا لا يتجزأ من حياتهم، خاصةً في معسكر الفاروق ذائع الصيت الذي كان تحت إشراف كبار قادة “القاعدة”.

بنبرة مملوءة بالمرارة، يتذكر “عبدالرحمن” المرة الأولى التي حضر فيها دورة تدريبية داخل المعسكر، بعد أن أخذه والده في أحد أيام الخميس، وهو يرتدي بزة عسكرية صغيرة صنعت خصيصًا لتناسب عمره، دون أن يخبره بوجهته، وسلمه لمدرب كونغ فو بنغالي الأصل، من المشرفين على معسكر الفاروق.

نظر “عبدالرحمن” حوله فوجد مجموعة من الأطفال أكبرهم يبلغ 9 سنوات، ثم التفت فلم يجد والده الذي تبخر من المكان وتركه ليلاقي مصيره، على يد المدرب البنغالي.

يروي حكاية التدريب العسكري قائلًا: “بدأ برنامج التدريب، بطابور سير في الجبال امتد من وقت صلاة العصر، حتى مساء اليوم”.

يواصل: “داخل المعسكر، لم يكن ثمة مكان لحقوق الطفل، فالمشرفون على التدريب يوقظونهم قبل أذان الفجر ويجبرونهم على الركض إلى إحدى قمم جبال قندهار، صعودًا وهبوطًا، لمدة ساعتين ونصف، بينما يُترك الأطفال الذين أصيبوا بالتعب والإعياء خلف المجموعة بحيث لا يبقى لهم خيار سوى الركض مجددًا للحاق بها، في حين يعاقب الطفل الذي يبكي بالحرمان من الطعام، والذي كان عبارة عن 3 وجبات تتكون من الخبز الجاف واللبن.

يوضح “عبدالرحمن” أن تناول الطعام كان بإذن من القائد العسكري، ويعاقب من يخالف التعليمات أو يعترض على نوعية الطعام بالحرمان منه، وهو ما حدث مع أحد رفاق “عبدالرحمن” الذي اعترض على الطعام فعوقب بالحرمان من وجبتين، وتُرك يبكي لفترة طويلة حتى انهار، قبل أن يوافق القائمون على المعسكر على إطعامه.

يكشف: “شمل برنامج التدريب أيضًا، رياضة الكونغ فو، والزحف، واقتحام الحواجز، والقفز، والتصويب بالسلاح. وخُصص لكل طفل مشرف يُمسك معه السلاح لتفادي ردة الفعل عقب خروج الرصاصة من البندقية، ولجأ المدرب البنغالي إلى حيلة ماكرة لتحفيز الأطفال، فكان يثني على من يُصيب الهدف ويكرمه”.

بعد ثلاثة أيام من العذاب، عاد والد “عبدالرحمن” لأخذه للمنزل، غير أن الطفل الذي لم يتجاوز وقتها خمس سنوات، كان قد أصيب في ظهره جراء أحد الأسلاك الشائكة التي حفرت جرحًا غائرًا في جسده، كما يذكر لـ”ذات مصر”.

يستكمل حديثه: “عندما عدت للمنزل اكتشفت أمي الجرح فاغرورقت عيناها بالدموع، وخرجت لتعاتب والدي الذي قابلها بالضحك، وترك المنزل وخرج، ناسيًا 3 من أجهزة اللا سلكي التي كانت بحوزته”.

بعد دقائق من خروج والد “عبدالرحمن”، بدأت الاتصالات ترد لأجهزة اللا سلكي من عناصر تنظيم القاعدة، لكن الفتى الصغير قرر الانتقام من التنظيم بطريقته الخاصة، فأجاب على الاتصالات وبدأ يسب في التنظيم وعناصره.

"عبدالرحمن": سرقتُ خيول "ابن لادن"

يؤكد “عبدالرحمن قتيبة” أنه التقى “أسامةَ بن لادن” عدة مرات، نظرًا لقرب والده من زعيم تنظيم “القاعدة”، غير أنه يذكر موقفين اثنين بارزين؛ الأول عندما طُلب منه أن يصارع “عمر” نجل الشيخ “شاكر” المدرب بمعسكر الفاروق، بعد أن رأى الأخير يتعدى عليه بالضرب.

نجح “عبدالرحمن” في هزيمة “عمر”، وضربه ضربة قوية شجت رأسه، وكمكافأة له قربه زعيم تنظيم “القاعدة” منه، وأجلسه بجواره، غير أن “عمر” لم ينسَ ثأره فانتظر خروجهم من المجلس وقذف “عبدالرحمن” بالحجارة.

الموقف الثاني، كان في أحد أيام الجمعة -الذي تم تخصيصه للترفيه- إذ تسلل “عبدالرحمن” مع عدد من رفاقه وسرقوا 9 خيول من أصل 23 مملوكة لـ”أسامة بن لادن”، جلبها خصيصًا معه من السعودية.

امتطى “عبدالرحمن” صهوة أحد الخيول، وقاده ليلهوا به بجوار سور مطار قندهار، بينما الأطفال في مثل عمره يصفرون بفوارغ الطلقات المتناثرة في المكان.

يلفت “عبدالرحمن” إلى أن ركوب الخيل كان من وسائل الترفيه القليلة، بينما اعتُبرت العائلة التي تملك جهازي تلفاز وريسيفر من العائلات المحظوظة، إذ كانت الحياة هناك بدائية في ظل غياب الكهرباء عن غالبية مناطق قندهار، وهو ما دفع العرب هناك للاعتماد على خلايا الطاقة الشمسية لتوليد التيار الكهربي، بينما غابت الكهرباء عن أغلب بيوت الشعب الأفغاني.

محاولة تأسيس نظام تعليمي بـ"ختم طالبان"

حاول عناصر تنظيم “القاعدة” تأسيس نظام تعليمي خاص بهم في قندهار، فأنشئوا مدارس خاصة بهم بالتنسيق مع حكومة طالبان، وبدءوا في إلحاق أبنائهم بها في سنٍّ مبكرة.

التحق “عبدالرحمن” بمدارس الأفغان العرب في الرابعة من عمره، ومع ذلك لا يزال يذكر “الباص” الذي حمله كل صباح إلى المدرسة. مشيرًا إلى أن عناصر التنظيم حاولوا محاكاة نظام التعليم اللبناني، وأنشئوا قسمين أحدهما يهتم بالدراسة الدينية على غرار الأزهر، والآخر “مدني” يتم تدريس المواد الأخرى به.

النظام الدراسي كان عبارة عن فصول دراسية منفصلة بحيث يمثل كل فصل دراسي عامًا كاملًا، ومَنْ يَجْتَزْهُ ينتقل للمستوى التالي.
عبرت المدرسة عن حالة الصراع المكتوم بين مجتمع الأفغان العرب، إذ بدأت الفوارق الاجتماعية واختلاف الجنسيات تظهر وتؤثر على الجميع.

وفقًا لما يقصه “عبدالرحمن” فقد شكل المصريون العدد الأكبر بين “الأفغان العرب”، كما تميزوا بسلاسة التعامل مع جميع الجنسيات الأخرى. وعلى النقيض منهم كان الليبيون الذين تعصبوا لبلدهم ويردف “عبدالرحمن” أنثقافتهم، واتفق جميع العرب على اضطهاد طالبَيْن أمريكيَّيْن -ينتمي آباؤهم إلى القاعدة- في المدرسة بسبب عقيدة العداء لأمريكا التي لقنها معلمو تنظيم “القاعدة” لهم.

لم يكمل “عبدالرحمن” دراسته بعد المرحلة الابتدائية، كما توقف لاستكمال حفظ 10 أجزاء من القرآن، قُررت على المرحلة الإعدادية، قبل أن ينخرط في نشاطات أخرى لصالح تنظيم “القاعدة”، كحال العديدين من الشبان الذين تركوا التعليم وانشغلوا بأمور التنظيم.

"والد عبدالرحمن" وقصة تأسيس مكتب استخبارات "القاعدة"

بعد سنوات قليلة من إنهائه المرحلة الابتدائية، عمل “عبدالرحمن” في مساعدة والده في تنفيذ أعمال تنظيم “القاعدة”، وحصل على دورة “حراسات خاصة” ليحمي والده الذي اعتاد التحرك بدون حراسة مرافقة. كما شارك في وقت لاحق مع مدربه المكنى بـ”أبي بكر” في تصنيع طن ونصف من المتفجرات لتهريبها للجماعات المتحالفة مع “القاعدة” في العراق.

بدأ الشاب المراهق في ارتداء الزي الأفغاني، ومرافقة والده بمحض إرادته، وظل لسنوات عدة على هذا الحال، حتى وفاة الأخير.

يؤكد “عبدالرحمن” أن والده أسس مكتب استخبارات القاعدة، بتكليف شخصي من “ابن لادن” بعد اكتشاف وجود جواسيس وعملاء داخل التنظيم الإرهابي. موضحًا أن “ابن لادن” استدعاه وكلفه بالإشراف على القسم مع عنصرين آخرين من التنظيم.

امتلك والده 3 سيارات خاصة به، وتكونت ثروته من 27 سلاحًا آليًّا، وعدد من القنابل ومكوناتها، بحسب “عبدالرحمن”.

بقي “قتيبة” -والد عبدالرحمن- مسئولًا عن استخبارات “القاعدة” طوال حياته، على الرغم من أنه لم يخبره بهذا الأمر إلا قبل وفاته بنحو شهرين.

في عام 2001، أعلنت الولايات المتحدة الحرب على حركة طالبان وتنظيم “القاعدة”، عقب تفجيرات 11 سبتمبر، ووجد “عبدالرحمن” نفسه وأسرته يهبون مع “الأفغان العرب” إلى إيران المجاورة لأفغانستان.

استقبلت إيران “قتيبة” مرات عدة على أنه دبلوماسي قبل الغزو الأمريكي، لكن جهاز الاستخبارات الإيراني كان يدرك حقيقة دوره، فاحتجزوه لفترة وحقّقوا معه ليعلموا ما بحوزته من معلومات عن تنظيم “القاعدة”.

لا تزال هناك ذكريات مريرة محفورة في ذهن “عبدالرحمن” عن الفترة التي قضاها في أفغانستان، والتي يقول عنها: “مرت الأيام بحلوها ومرها، الفرح يعقبه الحزن، والميلاد يعقبه وفاة، لا يمر يوم بدون إعلان وفاة شخص، خاصةً بعد الغزو الأمريكي”.

“ضاع منا معنى الحزن والبكاء على الميت، فعلى من نبكي وكل يوم لنا قتيل، يعود والدي إلى المنزل يوميًّا، وثيابه مغطاة بدماء، فتسأله والدتي عنها، فيقول هذه دماء فلان وفلان. التزمنا الصمت لفترة طويلة، ولم نستوعب ما دار حولنا لأننا وقتها صغار بعض الشيء، وما زاد عبئنا، هو صمت والدي الطويل وعدم تعبيره عن مشاعره”. هكذا وصف “عبدالرحمن” ذكرياته مع الموت في أرض الموت.

قصة

هاني ياسين

صحفي مصري

بمشاركة

أحمد بيكا

رسوم و جرافيك

محمود أسامة

فيديوجرافيك

Start typing and press Enter to search